حوارات

الناقد: أحمد الفيتوري/ الحديث عن نظرية نقد عربية

أحمد الفيتوري:

الحديث عن نظرية عربية للنقد نظرة عريقة ضيقة الأفق

حاورته : فاطمة غندور

الكاتب: أحمد الفيتوري

 

ربع قرن من العمل النقدي والصحفي وأحمد الفيتوري لم يترك نافذة إلا وفتحها قارئا، ناقدا، محاورا، متابعا، ككاتب دؤوب له نتاجه المستمر في مثابرة مدهشة لا تكل، يستخدم كل حواسه من أجل أن لا تمر لمحة أو لحظة جميلة دون أن يلتقطها. وكنا قد تابعنا كقراء وعلى مدى أكثر من ثلاث سنوات دراساته النقدية المنشغلة بالثقافة الليبية بشكل خاص والتي نشرت تباعا في صحيفة العرب وغيرها.

في هذا اللقاء الذي اجري معه في العاصمة الليبية نرصد آراءه في الحركة الثقافية الليبية، ومدى حضوره وفاعليته فيها، كما يحدثنا عن محصلة دراسته التي تناول فيها تجربة الحداثة الشعرية في النصف الأخير من هذا القرن في ليبيا.

ـ كيف تنظر الى الفاعلية النقدية في العملية الإبداعية في الوقت الراهن ؟

ـ العمل الإبداعي هو نفسه عمل نقدي؛ النص الشعري أو السردي محمل بدلالات نقدية؛ أي كاتب قصة عندما يكتب هذه القصة يكتبها من خلال رؤية نقدية للنصوص الأخرى. فالمبدع يحاول أن يكتب نصه هو؛ أن يكتب سرده بنية قصة أو رواية، يكتب قصيدته وبالتالي تكمن في كل كتابة رؤية نقدية ما، ولما يأتي الإعمال النقدي التحليلي للأعمال النقدية فإن الناقد من جهته يكشف ويحاور تلك الرؤية النقدية الكامنة في العمل الإبداعي والمشار إليها.

وبالتالي فإني أتصور أن النقد قائم في كل ثقافة مبدعة، وقد تغيب النظريات النقدية المقننة لكن لا تغيب الفاعلية النقدية. والنظريات النقدية بطبيعتها تهتم بالعام بالكلي ويمكن أن يوجدها مفكر وباحث كبير في أي مكان من العالم، وبالتالي يمكن دراستها والاستفادة منها وتوظيفها لدراسة نص ما.

فالنظريات النقدية أو المناهج النقدية ليست بالضرورة خاصة في البلد «س» أو البلد «ص» أو تكون عروبية بمعنى وجود نظرية نقدية عربية خالصة، هذه نظرة عرقية ضيقة الأفق وعقيمة هي نتاج المثالية الألمانية والرومانتيكية الأوروبية مصدر ومرجع الأصولية الدينية والقومية.

العلم لا وطن له ولا جنسية ولا أوهام هوية له، فالمناهج النقدية مناهج علمية رغم هذه الحساسية العرقية التي ظهرت من اثر «المركزية الأوروبية» بحيث سميت دراسات بأنها دراسات نقدية أوروبية. وهكذا لا فاعلية إبداعية دون فاعلية نقدية، فالمبدع الناقد الأول والناقد مبدع بالضرورة. ـ تأسيسا على هذا كيف ترى الواقع الثقافي الليبي؟ ـ الثقافة الليبية شهدت بروز أسماء ذات قدرات فائقة ولديها أراء عميقة وجريئة، ومن المبدعين الليبيين -بتنوعهم- من عمل بمثابرة وجهد وفي أقسى وأصعب الظروف لينتج الجديد والقيم في مواجهة كل عوالم الإقصاء والاستبعاد التي يواجهها هذا المبدع محليا وعربيا..

لكن هناك مشكلة اساسية في الوضعية الثقافية عند المثقف الليبي أعني أنه مثقف يعالج العملية الثقافية بشكل جانبي يبدو وكأنه زائد عن الحاجة أو كما قال الاستاذ التليسي زائد ناقص. إضافة إلى ذلك هناك المثقف ذو الطبيعة الرومانسية المطلبية ولهذا يعيش هذا المثقف عزلة عن الواقع وهو غير فاعل فيه، وثمة مثقف آخر له علاقة بالكتابة وعضو رابطة الكتاب – هو ظاهرة ليبية فريدة – لكنه كاتب شفوي؛ يمارس الكتابة بالكلام ويلغو دون عمل فعال. أما المثقف المطلبي الآخر فهو مصاب بتضخم الذات لا يرضى بغير تغيير الحياة بمقال يكتبه أو قصيدة معتقدا بأنه رسول مبعوث لإنقاذ الأمة. وهناك المثقف الذي يقتات خوفه ويعيد إنتاجه و ليست لديه جرأة اتجاه الواقع، ومن سماته تقديم التنازل تلو الآخر إما طمعا أو لإرضاء هذا و ذاك من السلطة أو غيرها وهكذا ما لا تتعاطف معه لا تنقده!

ـ ماذا عن وجودك في الواقع الثقافي المحلى، وفاعليتك فيه؟

ـ اني موجود من خلال ما يحدث من نشاطات ثقافية وفي مجالات متنوعة من مسرح وفنون تشكيلية، في الندوات الفكرية والأمسيات الشعرية، وتربطني علاقات حميمة بالكثير من الكتاب والفنانين والمثقفين من أساتذة جامعة ورجال سياسة وقانون وناشرين، وخاصة رموز الثقافة الليبية مثل وهبي البوري وعبد المولى لنقي وغيرهما الكثير، وبيتي منتدى وصالون ثقافي منذ السبعينيات.

لكن الأهم من ذلك والذي لا يعلمه الكثيرون أن الكثير من المواد الليبية المنشورة في الدوريات العربية مما أبعثه وأعمل على نشره مثل دراسة الصادق النيهوم «الرمز في القرآن» التي نشرت بمجلة القاهرة الموؤدة، وأول مقالة نشرت عن ابراهيم الكوني في القاهرة كنت وراءها، بل كنت وراء نشر بعض الكتب مثل مجموعة القاص عمر الككلي التي نشرت بهيئة الكتاب بالقاهرة، وأن أغلب المواد المنشورة في صحيفة العرب هي من المواد التي عملت على نشرها وأحيانا كثيرة دون علم أصحابها.

وفي الكتابة أنا متخصص في الثقافة الليبية وأعطي جهدي كاملا لهذه الموضوعة، وأنشر جل ما أكتبه في الصحف العربية. وإذا كان هناك من يقرأ؟! فقد كتبت حول الكثير من الكتابات الليبية البارزة والتي تقدم الجديد للثقافة العربية والإنسانية، ولكن ليس ثمة من يلتفت فالكتابة الخليجية هي برفان المرحلة!.

ـ ولكن من أي زاوية تمارس النقد على هذه الكتابة..؟

ـ إني أمارس النقد من منطلق أساس أن «النص الذي لا تستطيع أن تتعاطف معه لا تستطيع أن تنقده»، فالنص النقدي لا بد أن تربطه وشائج بموضوعه، وبالتالي فإن ما كتبته عنه من الإبداع الليبي بيني وبينه الكثير من الوشائج.

لا توجد ثقافة إنسانية مبدعة مطلقا وثقافة ميتة بالطلاق؛ من أين جاء سونكا وماركيز وحمزتوف وإبراهيم الكوني؟!. ولهذا أقوم الآن بأعداد كتب حول مجموعة من الكتاب المهمين في الثقافة الليبية والعربية مثل يوسف الشريف الذي أعددت عنه كتابا بمناسبة بلوغه الستين من العمر المديد في الإبداع وخاصة في العمل من أجل ثقافة الطفل.

محصلة تجربة الحداثة الشعرية الليبية

ـ هل كشفت دراستك في قبيلة القبلي الشعرية الليبية عن نتائج ومحصلات جديدة؟

ـ أولا أنا قارئ للشعرية الليبية منذ نعومة أظافري، وأحب أفراد هذه القبيلة المحاربين المحاربة « قبيلة الشعراء» . وثانيا أني بدأت هذه الدراسة منذ سنوات ثم تشجع له يوسف الشريف – يوم كان رئيس تحرير مجلة الفصول الأربعة في فترة رئاسة أمين مازن لرابطة الكتاب الليبيين وكان المشروع يهدف إلى إعداد موسوعة ديوان الشعر الليبي؛ وتم تشكيل لجنة من أجل ذلك مؤلفة من: مجاهد البوسيفي وفرج العربي ومفتاح العماري وإدريس المسماري وعمر الكدي- وقد اعترضت في حينها على تواجدي في اللجنة ولكن تحت إلحاح الأصدقاء قبلت-، وفي النهاية مثل كل عمل ليبيي جماعي اختلفت الجماعة. في هذا الوقت وصلتني رسالة من الشاعر العراقي سعدي يوسف لأجل المشاركة في موسوعة للشعر العربي الحديث؛ أي منذ النصف الثاني للقرن العشرين تحت إشراف «دار المدى» و طلب مني العمل من أجل إعداد المادة الليبية في الموسوعة، ولما كنت بدأت واصلت العمل، لكن مشروع «دار المدى» توقف على حد علمي.

لكني ورغم ذلك واصلت عملي بمفردي باحثا في الشعر الليبي منذ بداية النصف الثاني من هذا القرن المنصرم، منذ قصيدة التفعيلة ومقدماتها التنظيرية وقصيدة النثر؛ أي بحث في الحداثة الشعرية. حيث أن الحداثة لا تزال في كثير من ملامحها أدبا، وأنها لا تزال تقبض على تلك الجدة التي تبعث على الذعر والقلق، ولا تزال مشوبة بالنزعة إلى الخصام ومن الصعب أن ينأى المرء عنها بتجرد، ومن العسير أيضا أن يتحدث عنها. ولهذا حاولت أن يكون بحثا في التعيين لا في المصطلح وقد اخترت أو تخيرت من خلال البحث والقراءة عشرة شعراء أعتقد أنهم يمثلون هذه التجربة الشعرية الحداثية ويتقاطعون مع مفاهيم شعرية سادت، انهم حالة القلق والتوتر في الشعرية الليبية وبالتالي العربية فكان البحث على المستوى العملي: دراسة عامة ومدققة في الحالة الشعرية الليبية ثم دراسات مفردة لكل شاعر على حدة، هذا العمل الموسع والجديد مثله مثل غيره يبحث عن ناشر. الأنثى الليبية الكاتبة..

ـ لننتقل إلى الكتابة النسوية الليبية وعن مدى حضورها ما قولك؟

ـ لا أعرف لماذا يغيظني القول أنه ليس ثمة كاتبات أو شاعرات في ثقافة ما أو مجتمع ما؟ إن الكتابة النسوية كتابة، وإن اختلف النوع هو اختلاف في الحس وليس في النوعية. في ليبيا تكتب شريفة القيادي وهي صاحبة العديد من الكتب لكنها لا تكتب المطلوب. و هناك أسماء الطرابلسي و مرضية النعاس و زعيمة الباروني التي أصدرت – مع عبدالقادر بوهروس الذي تم نسيانه الآن بداية الخمسينيات أول مجموعة قصصية.

لكن فوزية شلابي وفاطمة محمود وخديجة الصادق وعائشة إدريس ومديحة النعاس وحواء القمودي… هن نقلة في الثقافة الليبية فما كتبنه هو الكتابة الحداثية الليبية والجرأة التي تتميز بها هذه الكتابة والقلق والرؤية المشوبة بالتوجس والريبة في كل شيء ثم، هذه الكتابة المفتوحة تعني ان الكتابة النسوية الليبية كتابة حداثوية كتابة السؤال محمومة بالحياة ومستريبة في المعاني المطروحة أي أنها تستمد مشروعيتها من اللا مشروع.

– ولكن كيف يتم إبراز ذلك؟

ـ الدراسة والبحث الجامعي والأكاديمي مدفونة في ليبيا في مخازن التاريخ، انهم مشغلون بمنديل زيدون ويتلصصون على تطريز أسفل فستان ولادة. وكذلك دور النشر الرخيصة التي تحابي رجل سلطة أو مدعيا فتنشر له – مخافة أو درا لشر – ستة كتب دفعة واحدة. لكن ما أقترحه أن تقيم المرأة الليبية جمعيات لدعم الثقافة والكتابة النسوية، وأن تعد كتبا وتحرر وتجمع الكتابات المبعثرة هنا وهناك سواء في موضوع واحد أو لأكثر من كاتبة أو نتاج كاتبة، وأن تدفع المرأة في الجامعات لدراسة النتاج النسوي الإبداعي المدون والشفوي. على المرأة أن تنتشل نفسها من بئر الرجال الاجوف ومن براثنهم لكي تبدع نفسها وتخرج من سجن المطبخ وطق الحنك في الداخل والخارج، وألا تكتفي بالتوجع من دور المحظية .

ـ ماذا تعد الآن، ما يشغلك؟ القادم لديك القريب والبعيد؟

ـ لدي مشروعي؛ دراسة الثقافة الليبية وهو تخصص بكر ولم يلتفت إليه المتعجلون ولا الذين تبهرهم رمال الصحراء وبراميل نفطها. وبدأت هذا المشرع بدراسة الحداثة الشعرية الليبية، وأجهزة لدراسة السردية الليبية «الحكاية، القصة، الرواية».

وهناك شغل – أيضا – على الفنون فلقد تربيت في المسرح منذ الصبا ولهذا أحب الفنون والمسرح أبوها كما يقال، لهذا عندي مشروع عن المشهد التشكيلي الليبي وآخر عن المسرح الليبي، ولا أشكو إلا من قلة الوقت والمصادر وشح وعدم اكتراث المثقفين الليبيين.

هناك مشروع مواز وهو تحرير أي إعداد كتب -وهنا أقف لأضع ملاحظة مهمة هي عدم اعتناء الثقافة العربية في عمومها بالكتب المحررة التي يشارك في كتابتها عدة كتاب حول موضوع واحد أو شخصية واحدة، وهذه النوعية من الكتب موجودة بغزارة في الثقافات الأخرى الغربية واليابانية والصينية. وهي تغني الموضوع بتعدد وجهات النظر؛ ويبدو أن هذا ما لا يجعل دور النشر العربية تقدم عليها لكي لا تحسب على التعددية!. وفي هذا الشأن أعددت كتابا عن مئوية شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي والذي منع من رابطة الأدباء الليبيين بتقرير من الدكتور الصيد بوديب- لكنه سوف ينشر على أي حال – وأعددت كتابا آخر عن المبدع الليبي في القصة وأدب الأطفال يوسف الشريف وقد طبع على حسابي الشخصي وأعد كتبا عن يوسف القويري وإبراهيم الكوني والصادق النيهوم وغير ذلك. لذا أدعو مثقفينا الى العناية بمثل هذه الكتب والعمل من أجل تواجدها وإقامة الجمعيات – كما كانت البداية في أول القرن – من أجل نشرها.

مقالات ذات علاقة

الشاعرة سعاد يونس: هدفي أن تصل كلمتي.

رامز النويصري

أشعر أنني ساهمت قدر استطاعتي وإمكانياتي في تأليف الكتاب ونشره

حسين نصيب المالكي

فهيمة الشريف: الرواية مدونة العربي

رامز النويصري

اترك تعليق