النقد

الناصب والمنصوب عليه روائيا

نبيل سليمان-سوريا

كثيرا ما يصخب هذا الكاتب أو تلك الكاتبة من نصب واحتيال ولصوصية هذه أو تلك من دور النشر العربية. أما نصب واحتيال ولصوصية جريدة ما أو مجلة ما فلا يزال الصخب به أدني. ومهما يكن فقد بدأ هذا الصخب أو ذلك يتسلل إلي الرواية العربية، كما جاء منذ سنتين رواية صنع الله إبراهيم (بيروت بيروت) أو كما جاء للتو في رواية محمد الأصفر (نواح الريق). وبالطبع، لم تسم أي من الروايتين الجهة المعنية باسمها الحقيقي. ولعل ذلك جاء كرمي لجماليات، الأدب، بل مداراة للقانون الذي يحذق النصاب النصب عليه، كما يحذق النصب علي الكاتب.

يقول محمد الأصفر إنه نشر في الجريدة المتخيلة كثيرا من النصوص شأنه شأن كثيرين، ولم ينل أحد درهما لقاء ذلك، فالقيمون علي تلك الجريدة لا يدفعون إلا للبنات أو لأسماء معينة مشبوهة أو عادية في الصحافة وفي الإبداع. ويصب محمد الأصفر جام غضبه علي جريدة النصب واللصوصية والاحتيال فيقول: ‘من يدفع لها تكون (له) بوقا وقمبري وكمنجة ودربوكة تمر’. ويطلق الأصفر هذه المناشدة: ‘من يحبني لا يشتري هذه الجريدة وهذه المناشدة’ من يحب نواح الريق­ روايته­ لا يشتري هذه الجريدة’. ويبدو أن الكاتب لا يراهن علي جدوى المناشدتين لذلك يثلثهما مستحلفا من يحب مارادونا ورونالدو وكونديرا وأم كثلوم وفاتن حمامة ومحمد الماغوط ومحمد شكري.. ألا يشتري هذه الجريدة.

ويعزز الكاتب مناشدته لمن يحب الحداثة وقصيدة النثر ورامبو وبودلير وماركيز وفوكو وبارت وفوينتس ودريدا وهمنجواي وصادق النيهوم وغوار الطوشة وإسماعيل ياسين وعادل إمام وشعبان عبدالرحيم وعبلة كامل وعبلة الرويني ومايكل جاكسون وبطلة التيتانيك.. ألا يشتري تلك الجريدة. ولأن الكاتب لازال يتشكك في جدوى المناشدة، يهدد ويتوعد: ‘من يشتريها يدخل النار’ ومن يشتريها سوف يندم.. سيأكل الجيفة’. ثم يقسم: ‘علي الطلاق الجنة ماهو عافسها فلماذا؟ لأن الشراء دعم للمنافقين الذي يأكلون الغلة ويلعنون الملة، وبنقودنا يحتسون الويسكي والبيرة المضيئة. ويرسم الأصفر معاناة النص في تلك الجريدة التي تمتص من الإعلانات والحكومات والهيئات مثل ما تمتص من التأويل والبصاصة علي الكتاب.. فيقول: ‘النص والمقالات عندما تصل طاولة تحريرها تظل ترتعش وتحاول القفز من الشباك.. تحس نفسها أنها علي طاولات قاعدة غوانتنامو أو سجن أبي غريب.. تحاول الاختفاء من المكان بسرعة ولو في سلة مهملات.. لكنها تعجز فعيونهم مفتوحة وصمغهم خاثر وخطوطهم الوشائية ساخنة جدا.. وفي النهاية هي لاتقدم جديدا.. كل موادها مقتبسة من الانترنيت أو رامضة وبائتة دون غطاء. ‘وينتهي الكاتب هذه النهاية الجارحة التي تؤكد أن لا أحد يكتب في جريدة الرواية ‘سوي الحمير والمرتزقة.. وأنا طبعا كنت حمارا أنهق بقوة.. أرسل النصوص وأنتظر الرجاء (…) أنا حمار لأنهم ضحكوا عليٌ ولم يدفعوا لي أي درهم.. حتي فنجان قهوة لايقدمونه لك.. تأتيهم في المكتب لا يمنحونك حتى جريدة مجانا، ويفنصون فيك بعيونهم الحولاء.. لكل إن دخل أي مسئول أو قواد أو شاذ أو مومس هبوا عن بكرة أبيهم واقفين ضاربين السلامات.. وبطل التيم وحضر كل شيء.. وصرفوا كل المطالبين والمترددين. تعال غدوة.. فوت علينا بكرة.. وأعرف جيدا أن هذه الصحيفة في طريقها للإفلاس، فداعموها صاروا يتساقطون كأوراق الخريف المعجج واحدا تلو الآخر.. وخطابها ما عاد يصلح للتسويق. انتهت صلاحيته. خلاص نحن وأمريكا حبابيب.. وبريطانيا كذلك.. والغرب كله.. واليهود كذلك.. ليس لدينا مشكلة مع أي مكان في العالم.. ليس لدينا مشكلة حتى مع سكان الفضاء.. نحن شعب مسالم عصري حضاري لنا تاريخ.. لنا نقوش في أحجار الأبد ورسومات علي جداريات اليقين.. لا نحتاج إلي جرائد تقود أو تبوق’. ولا ينسي محمد الأصفر في هذه النهاية أن يطالب بحقه، فيخاطب أصحاب الجريدة المتخيلة: ‘لكن قبل الإفلاس أرجو أن تعطونا حقوقنا المشروعة ولن يضيع حق وراءه مطالب (…) أريد حقي الآن الآن وليس غدا وليس يوم القيامة. في يوم القيامة سأتملق لدخول الجنة.. سأكون عاطفيا وأسامحكم. إن لم آخذ حقي ديلواكيتي وتودي ودابا والآن وناو فسأسرق سيارتكم هذا اليوم 25­3­2004 وأبيع من قطع غيارها پما يكفيني..’.

في نهاية الشهر الماضي وفي مدينة قابس التونسية، جاد الكاتب الصديق الأسعد حسين عليٌ برواية (نواح الريق) التي كان محمد الأصفر قد خط عليها إهداء إلي المخرج فرج بوفاخرة، ثم شطبه وخط إهداء إلي الأسعد حسين وخالد النجار، فانتهت النسخة إلي بلا إهداء، بعدما ملٌ الأسعد من سؤالي عن الأصوات الجديدة في الرواية الليبية، بينما كان إبراهيم الكوني­ كنا في ندوة (الرواية العربية وخطاب الحرية)­ يجلجل لاعنا المجرم لو كاتش ومناديا بالويل والثبور للماركسية والماركسيين، وبالطبع للمرحوم الاتحاد السوفياتي، كأن أمريكا أو ليبيا أو العراق أو فلسطين أو إسرائيل أو العولمة.. في المريخ وليس في الكرة الأرضية.

في القطار من قابس إلي تونس قرأت رواية الأصفر طوال خمس ساعات من نهار عيد العمال العالمي. وفي المساء دارت دائرة السهرة مع محمد لطفي اليوسفي وكارم الشريف وآخرين وأخريات، وبدأ كل منا يتفجر بمعاناته مع جريدة ما، كأن واحدنا هو الأصفر في روايته (نواحج الريق). ولعل ما هو أمر وأدهى أن تكون جريدة النصب واللصوصية والاحتيال منبرا مرموقا أني للشك أن يرقي إليها، أو أن يكون توزيعها في عاصمة عربية أو أكثر ممنوعا، أو أن يكون ضحية ديكتاتور عربي ما، أو أن يكون عميلا لديكتاتور آخر.

قبل ذلك أو بعده قد يحدث أن تكون في جحرك قانعا من الغنيمة بالإياب، فإذا بهواتف جريدة ما تنادي قلمك النظيف الجريء العميق­ إلي آخر ما تغدقه عليك من ألقاب بلا حساب ­ فتصدق النداء ويزهو ريشك، وبخاصة بعد أن تعتذر الجريدة منك بسبب ظروفها المالية الصعبة: خمسون دولارا مثلا لقاء جريدة العصر التي ستجود بها قريحتك ، فيخجلك الاعتذار والثناء، وترمي صديقتك وربما زوجتك أيضا بالوعود: خمسون دولارا فوق خمسين ھ50 وإذا بك موضع حسد الحاسدين علي الرغم من أن الجريدة قد توقفت عن التحويل لك بعد رابع أو سابع أو عاشر حوالة علي الأكثر، وإذا بك موضع شماتة الشامتين وسخرية الساخرين، وبخاصة أنك توالي الكتابة للنصابة وتخجل من المطالبة بحقوقك، أو تتواقح وتطالب­ لا فرق­ فإذا بالنصابة تشكو الأزمة المالية وتعيرك بالتضحية في سبيل الثقافة والقضية فيا هي قد تكون تفرخ مجلة وربما قناة فضائية!

بعد قليل أو كثير من ذلك لابد أن تستحي من نفسك علي الأقل وتتوقف عن كتابة جريدة العصر وتنتظر رواية مل رواية (نواحج الريق) وكاتبا مثل محمد الأصفر ، فيتجدد أملك بأن تنال من النصابة حقك بالقانون عندما يصبر لبلاد العرب قانون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

_____________________

صحيفة أخبار الأدب- تصدر عن أخبار اليوم- العدد: 624- التاريخ: 26/6/2005- أسبوعية

 

مقالات ذات علاقة

دراسة حول قصص على الهواء ؛ الصادرة بمجلة العربي العدد 655 / يونيو 2013

سعاد الورفلي

سير الشخوص والأمكنة والمدن في كتب ليبية

خلود الفلاح

اختفاء .. قراءة في رواية (اختفاء) لـ”هشام مطر”

المشرف العام

اترك تعليق