المقالة

المَرَايَا والنَّاس

لا يُمْكِنُ أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا أو نَسْأَلَ الغَيْر : “ما هو التليفزيون في مُعْظَمِ البيوتِ والمقاهِي والنَّوادِي وجَميْعِ الأَمْكِنَةِ العامَّةِ لِدَرَجَةِ أنَّ أيَّ شَخْصٍ لَنْ يَطْرَحَ هذا السؤال على نَفْسِهِ أو على الآخرين. ويَكْتَفي المَرءُ بالقولِ إنَّ التليفزيون هو تليفزيون، فليس هناك مِنْ داعٍ للتَقَدُّمِ أَكْثَر طالما أنَّنا نَتَفَرَّجُ ونَتَسَلَّى ونَتَلَقىَّ سَيْلاً مِنَ الأخبارِ والبرامجِ والصُّوَرِ والأَصْواتِ والأَلْوان. وماعَدَا هذا النِّطاقَ مِنَ التعريف فليس مِنْ شَأنِنَا – في أيَّما حَالٍ – أنْ نُفَكِّرَ فيه أو نَنْشَغِلَ به، فتلك المَسائلُ يَعْرِفُهَا فَنِّيُو الصِّيَانَةِ ويَحْتَرِفُوْنَها لأنَّ مِنْ إخْتِصَاصِهُمْ وصَنْعَتِهُمْ أنْ يفعلوا ذلك. وفي الواقع نحن نتفرَّج. وغَيْرُ مُهِمٍ على الإطْلاقِ مَعْرِفَةُ أَسْرَارَ التليفزيون وأَلْغَازَ تَكْوِيْنِهِ التِّكْنُوْلُوْجِي والعِلْمِي حَتَّى لَوْ كان البَعْضُ هُنَا وهُنَاكَ يَعْرِفُونَ النَّزْرَ اليَسِيْرَ عَنْ تلك الطَّلاسِمِ التي لا يَفْهَمْ مَسَارِبَهَا وتَكَاوِيْنَهَا سِوَى عَدَدٍ مَحْدُودٍ مٍنَ المهندسين المُخْتَصِّين.فإذَا كان البَعْضُ يَعْرِفُ فإنَّ هذه المَعْرِفَةَ لا تَعْنِي شيئاً بالنِّسبَةِ لِما نُرِيْدُ أنْ نُثِيْرَهُ حول “التليفزيون” مِنْ تَسَاؤلَات. وبإيجازٍ فإنَّ التليفزيون جِهازٌ أو جِسْرٌ تَكْنِيْكي لِلوصُولِ إلى عُقُولِ ونُفُوسِ النَّاس،وبالمَقْدُورِ أنْ نَضَعَ بِدَاخِلِهِ اللهَ أو الشَّيْطانَ الرَّجيم، وأنْ نُلَقِّنَهُ ونَعْرِضَ على شَاشَتِهِ الصَّغِيْرَةَ ما شِئْنَا مِنَ الفُنُونِ والألعابِ والتَّهْرِيج.

إنَّ هذه الوظيفةَ العَرِيْضَةَ للتليفزيون هي لُبُّ التَّساؤل.وَ مِنْ واقَعِ أنَّ التليفزيون يَلْعَبُ دَوْرَاً وَاسِعَ التَّأْثِيرِ فَيَصُوغُ – سَواءَ إعْتَرَفْنَا بذلكَ أو لم نَعْتَرِفْ – أَذْوَاقَ الآخرين وطِبَاعَهُمْ الجَّدِيْدَة.ولأنّ التليفزيون صار جُزْءاً مِنَ المَنْظُوْمَةِ التَّرْبَوِيَّةِ – للكبارِ والصغارِ – المُؤثَّرَةُ في الأَخْلاقِ والسِّلُوكِ والعاداتِ وَفَحْوَى المَعْرِفَةِ ذَاتِهَا كَالكِتَابِ والمَدْرَسِةِ والمَعْبَدِ والأُسْرَةِ ومُحِيطِ الأقْرانِ فَمِنْ حَقِنَا إذَنْ أنْ نُمْطِرَ هذا الجِّهَازَ بالتَّسَاؤلاتِ وأنْ نَطْلُبَ مِنْهُ تَأدِيَةَ ما يَنْبَغي أنْ يُؤدَّي لِصَالِحِ التَّقَدُّمِ والإرْتِقَاءِ الحَضَارِي.وإنَّهُ لَمِنَ الأمُوْرِ السَّيئةِ حَقاً أَنْ يَظَلَّ التليفزيون صُنْدُوْقَاً تُوْضَعُ فيه الأشْياءَ دُونَ مَعايِيرٍ وبلا إنْتِقَاءٍ وَفَرْز. وحَالُ التَّليفزيون في بُلْدَانٍ كَثيْرَةٍ يَدْعُو للقَلَق، فَبَدَلاً مِنْ أنْ يكونَ تَزْجَيَةً مُفِيْدَةً للوقتِ وَ مُعَلِّماً كبيراً يَسُوقُ النَّاسَ على دُرُوبِ الإرْتِقَاءِ والتَّمَدُّنِ نَرَاهُ – على العَكْسِ مِنْ ذلك –  وَسِيْلَةً لإفْسَادِ الذَّوْقِ العامّ وَهَدْم ماتَبَقَّى في تلك البُلْدان مِنْ صُرُوحٍ وَمَفَاهِيمٍ أخْلاقِيَّةٍ كانت سَائِدَةً قبل إخْتِرَاعِه، فإنْتَشَرَتْ- تَبَعَاً لذلك- الهِسْتِيرْيا، وبَاتَ الإنْحِطَاطُ مَرَضَاً عَامّاً يُصِيبُ الأَفْرادَ والجَّماعَات. ولَيْسَتْ الطَّامَةُ –فيمْا نَرَى- هي الإغْراءَ الجِّنْسِي والمَلابِسَ قَلِيْلَةَ الحِشْمَة فقط مِثْلَما يَتَصَوَّرُ البَعْضُ دُوْنَ أنْ يأخُذُوا – في حُسْبَانِهُمْ – العَوَامِلَ الأُخْرَى المُقَوِّضَة للتَّواجُدِ الإجتماعي نَفْسِه.ومِنَ العَوَامِلِ المُخَرِّبَةِ نَشْرُ – مفاهيمَ وعاداتَ وسُلُوكَ حَضِيْضِ المُجْتَمَع – ونَقْلُ الأَعَالي إلى الأَسَافِلِ والأَسَافِلَ إلى الأعَالي، وبالتَّالي تَكْرِيْسُ “الشَّوَارِعِيَّةَ” وَغَرْسُ فَسَادَهَا ولَغَطَهَا وتَفَاهَتَهَا في وُجْدَانِ النَّشيءِ بِما تَنْطَبِقُ عليه المأْثُوْرَةُ القَائِلَة :”إخْتَلَطَ الحَابِلُ بِالنَّابِل”!.

وبِمَعْزَلٍ عَنْ التَّلْقِينِ المُنَافِي لطبيعةِ الفن يَبْدُو ضَرُورِيّاً أنْ نَرْبَحَ تِلِيْفِزْيُوْناً نَقِيّاً يُعَاوِنُنَا على التَّطَوُّرِ الحَضَارِي ويُوَفِّرُ لَنَا أَطْيَبَ الأوْقَات.

مقالات ذات علاقة

شرفاء وخنافس

محمد عقيلة العمامي

محمد علي الشويهدي

بشير زعبية

الحرب وحكايات النزوح والصمت الثقافي المخجل.. وأشياء أخرى

محمد الأصفر

اترك تعليق