المقالة

الموضوعية: العلم، العمل والأخلاق

بوابة الوسط

ليست الموضوعية ضرورة علمية تسهم في تقدم العلوم فقط، لكنها أيضا ضرورة عملية حياتية تمكن الفرد من تحديد مكانه وسط شبكة مسالك العلاقات الاجتماعية والإنسانية المتقاطعة. وهي، أيضا، ضرورة أخلاقية ترتبط بقيمتي النزاهة والإنصاف، حيث تمثل النزاهة موقفا مبدئيا عاما يشمل الأنا والآخر، ويمثل الإنصاف موقفا عادلا إزاء الآخر. هذا يعني أن هاتين القيمتين ينبغي التمسك بهما حتى مع الخصوم، بل والأعداء. إذ يتوجب علينا ألا ننسب إليهم أفعالا لم يأتوها ومواقف لم يقفوها. كما تقتضي هاتان القيمتان الاعتراف بإيجابيات هؤلاء الخصوم والأعداء، إن وجدت.

يكفي أن تحاسب المجرم على ما ارتكبه فعلا من جرم ولا تنسب إليه جرائم لم يقترفها. وفي جميع الأحوال، يكون جوهر الموضوعية هو الفصل [أو السعي إلى الفصل] بين الذات، باعتبارها محلا للعواطف الإيجابة والسلبية، والموضوع المتناول بالدراسة أو التحليل، أو يتطلب منا اتخاذ موقف إزاءه. وإذن، فالموضوعية في جوانبها الثلاثة المذكورة أعلاه، ينبغي توخيها في معاملة تاريخنا الوطني ووضعنا السياسي الحالي.

فإذا كان معمر القذافي قد شيطن النظام الملكي واعتبره سلبا كله، واعتبر أن ليبيا وجدت في التاريخ، بل وفي الجغرافيا، من يوم 1/ 9/ 1969، يوم وقوع الانقلاب، أو الثورة، فلا يصح، علميا وعمليا وأخلاقيا، أن نسير على نفس دربه. وإنما علينا انتهاج درب آخر مضاد، ليس له في شخصه، ولكن مضاد له في سلوكه ومنهجه في التعامل مع التاريخ والواقع. ذلك أن الذي يعارض معمر القذافي لشخصه لا يعترض على الاستبداد من حيث المبدأ، وإنما يعترض على كل استبداد ليس استبداده هو. علينا أن نحدد ما اقترفه في حق الوطن من جرائم، كما أنه علينا، بالمقابل، ذكر ما أداه، أو حتى حاول تأديته ولم يتسن له، من خدمات لهذا الوطن.

فلا يجوز أن ننسى له إنهاء وجود القواعد العسكرية الأجنبية من على أرض الوطن، ولا طرد المستوطنين الإيطاليين واستعادة الممتلكات الليبية منهم. كما لا يجوز أن ننسى له إعادة تدوير الثروة الوطنية بشكل أكثر عدلا تستفيد منها الطبقات الدنيا والمتوسطة. ولا ينبغي أن ننسى له أيضا التوسع في توفير التعليم والعناية الصحية.

صحيح أنه منذ بداية الثمانينيات جمدت إعادة تدوير الثروة الوطنية، وأن التعليم والرعاية الصحية أخذا في التدهور الحاد، إلا أن هذا لا ينبغي أن يجعلنا ننسى المبادرة الأولى. ولا ينبغي أن ننسى له كذلك اهتمامه بكتابة تاريخ المقاومة الوطنية الليبية، أو الجهاد الوطني الليبي، ضد الاستعمار الإيطالي.

على الصعيد القومي، يتوجب عدم نسيان دعمه، الحقيقي، لمصر وسوريا في حربهما مع إسرائيل، ولا دعمه لحركات التحرير الفلسطينية والمقاومة اللبنانية. صحيح، أيضا، أنه في دعمه فصائل حركة التحرير الفلسطينية والمقاومة اللبنانية كان يبحث عن أتباع يأتمرون بأوامره، وليس عن حلفاء ورفاق هدف، بيد أن هذا لا ينفي الدور الإيجابي لهذا الدعم. ولا يجوز أن ننسى له أنه كان، فعلا، سدا منيعا في وجه التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا. وتصريحات الرئيس التشادي إدريس دبي الأخيرة بمناسبة زيارته لإسرائيل تشهد على ذلك.
وعلى الصعيد الدولي ينبغي أن نذكر له دعمه لحركات التحرر العالمية.

مقالات ذات علاقة

النيهوم .. ماذا قدّم للأُدباء والصحفيين؟

يونس شعبان الفنادي

هذا القلب…

يوسف الشريف

(أسامينا) .. كتابة على وجوهنا ..وحكاية لهويتنا

زكريا العنقودي

اترك تعليق