تشكيل

الموروث الشعبي الليبي في لوحات مريم العباني

التشكيلية الليبية مريم العباني

العيش مع أدق التفاصيل ليس كنقل حرفي للصورة المرسومة، بل نقل حرفي لإدراكنا وإحساسنا عن هذه الصورة وما تصنعه من حياة موازية لنص بصري. في تجربة الفنانة الليبية مريم العباني، قصة الجدة والطفلة فالجدة في حالة طمأنينة خالصة، وتسليم بحياة بسيطة، والطفلة تعتريها ملامح عدم الرضا عن الحال لرغبتها في اقْتِناء لعبة جديدة والاستعداد لدخول حياة بالكاد قد بدأت.

جماليات الموروث الشعبي الليبي

بالاقتراب أكثر من تفصيل الزي، وما تم تنفيذه بمعرفة عميقة بجماليات الموروث الشعبي الليبي، ومعرفة أخرى بجماليات الفنون المعاصرة، وعالم الأزياء والموضة، بعدم التركيز على النقل الساذج، بل الإضافة لكل الأشياء المرسومة قيمة تشكيلية بحساسية معاصرة، التلوين وطزاجته بالخطوط وتناغمها وتجاور مفردات اللوحة كلها في تكوين فني ناضج. يتسلل الضوء في تناغم يحدد ملامح وجوه أعمالها المرسومة قبل الخط وظلاله، كأنها لمسات من روح الفنان الهولندي فيرمير ملك الضوء، خصوصا تلك الإضاءات المتسللة في وضح النهار إلى غرف المنازل والبيوت، على وجنات الأطفال وخدود الفتيات، والمنعكسة في عيون السيدات وعلى الأباريق المذهبة والأكواب الفخارية المطلية بالخزف، الخيول البيض وظلالها البنفسجية، حالة الدهشة في عيون أم طفل حديث الولادة، قط البيت، زهرة الحديقة، حمامة حطت بشكل مفاجئ، مناجاة بين الفارس وفرسه، بورتريه الأب، لقاء الأحبة في إدراك بصري بكل التفاصيل المتناهية في الصغر، والزخارف المرسومة على أزياء النساء بتعدد عصوره وأوقاته من قديمة وحديث في مناخ مبهج وبالتزام أكاديمي بنسبة كبيرة.

من أعمال التشكيلية الليبية مريم العباني.
من أعمال التشكيلية الليبية مريم العباني.

مع معرفة وفهم تشكيلي معاصر حسب خبرة مطلعة بشكل واسع وما ساعد الفنانة أيضا اقترابها من أحد مصادر الرؤية المجددة لفن الرسم في ليبيا، والدها الفنان علي العباني كان مؤثرا في أجيال عديدة ومنه جيل التسعينيات، الذي تنتمي له، حيث تنوع وتعدد اتجاهات ورؤى هذا الجيل، وأصبح أكثر جسارة من سابقيه في طرح تجارب ومقترحات تشكيلية أكثر اقترابا، مما ينتج على الساحة العالمية بالكثير من الخصوصية المحلية.

فقد رسمت العباني البيوت القديمة ذات الملامح الليبية المتنوعة والمتعددة في هندستها، وفق مكانها الجغرافي ومناخها فليبيا متنوعة المناخات، ومتعددة الثقافات من عرب وأمازيغ وطوارق، ومن هذا التمازج كان للعمارة الليبية تنوعها وخصوصيتها، وهو ما ساهم في إثراء المشهد التشكيلي في تجربتها بلوحات من غدامس وطرابلس القديمة، والعديد من مناطق ليبيا، كما اهتمت بالزي التقليدي النسائي والرجالي، فكانت في العديد من أعمالها في موضوعات الأعراس والمهرجانات الفروسية الشعبية، بما تحمله أزياء الفرسان من خصوصية وجمال، مختلف عن ما هو معروف في بلدان شمال افريقيا كلها، حيث الزي للفارس بالجرد الأبيض الصوفي المتوارث منذ آلاف السنين والمتأصل بعلاقة وطيدة مع الموروث الأمازيغي الأصيل، وما تداخل معه من لون أسود من قطع أخرى للفرملة والسروال المزركش بتوريق بارز من اللون نفسه في تناغم يضفي ألقا رجوليا علي هذه الأزياء، ومازال يحافظ على مستوى من الأناقة بين منتوجات من الملابس الرجالية المعاصرة في العديد من المناسبات، أيضا السرج وملحقاته الذي يزين بها الفرس، بمثابة عمل فني قائم بذاته من خلال شكل المقعد المختلف عن كل ما يستخدم من السروج عند الشعوب الأخرى، والتزيين وطريقة تطعيمه بالفضة والحلي، التي اضفت مذاقا أنيقا في رسم جميل، فكل هذه القيم استعملتها الفنانة في أعمالها بشكل واع لهذا الموروث الشعبي، مع المحافظة على القيمة التشكيلية في العمل، من حيث التدرج والشفافية والألوان الصريحة في العديدة من مناطق اللوحة وتكويناتها، وأوضاع مفرداتها وزوايا الرؤية والمنظور.

سطوة الأمومة لا يمكن لكل فنانة مفعمة بالحياة أن تفلت منها، ولو في مراحل معينة، أو بالإشارة إليها في بعض الأعمال الفنية، فالفنانة كانت تسرد جزءا رائعا من حياة الأم التي كانت تعيشها مع والدتها وجدتها، وحياة الأم التي هي تعيشها لحظة بلحظة مع كل أنفاسها، فهي ترسم ملامح فهمنا للأمومة واحتياجنا لها، وليست الأمومة في ذاتها، كما أشارت سابقا في رسم حالة الدهشة والفرح في عيون الأم لطفلها حديث الولادة.

من أعمال التشكيلية الليبية مريم العباني.
من أعمال التشكيلية الليبية مريم العباني.

إشباع الفضول التشكيلي

مفرداتها تنوعت والهدف والغاية في رسمها هو الفن نفسه، قبل أن يكون وسيلة نقل أي قضية أخرى فالفنانة مريم العباني تتبنى خطابا معاصرا يصطف مع الأصوات، التي تدعو إلى أن تكون القيمة تشكيلية في ذاتها حتى إن لاحت في الكثير من الأحيان مواضيع تتبنى في شكلها الظاهر مواقف معينة، فهي في حقيقتها تهدف إلى إشباع الفضول التشكيلي قبل كل شيء في بهجة النظر إلى الأشياء المرسومة، التي بدورها تضفي جمالا على عالمنا وتقلل من القبح المتزايد من فعل الإنسان الذي يعيشه.

عوالم بيكاسو كخطوط رشيقة في الكثير من أعمال الوجوه المختزلة عندها وبواكير رسومات الفنان علي العباني أيضا تتخلل تجربة الفنانة من وقت إلى آخر وتتداخل معها، كنوع من العرفان غير المعلن لتجربتهما المؤثرتان جدا في تكوينها الفني في السابق.

ورغم إنتاجها في فترات سابقة رصيدا لا بأس به من الأعمال الفنية، ومشاركتها في العديد من المعارض الفردية والجماعية، إلا أنها في السنوات الأخيرة انحسر إنتاجها ونشاطها، بالكاد ترسم بعض الأعمال كنوع من المقاومة على البقاء في مناطق الرسم والتلوين بالاستريشن والتصوير الضوئي للبورتريهات، وربما كانت محاولة الانتقال إلى فضاء آخر أرحب هو الاهتمام بتصميم الأزياء والأحذية، وفن الفوتوغرافيا الذي سينقل تجربتها من الفن التقليدي إلى تجارب جديدة معاصرة.


القدس العربي: 21 – فبراير – 2021

مقالات ذات علاقة

مدينة تحت المجهر

رامز النويصري

إشراقة رمضان نصر

ناصر سالم المقرحي

الطاهر المغربي.. المؤذن أن حيوا على الإبداع

المشرف العام

اترك تعليق