قصة

الموجة

تصوير: الشاعرة ليلى النيهوم.


ذات يوم مررت بجانب شاطئ الصابري.. لم يكن الأمر ذا ترتيب سابق مني في زيارة ذلك الشاطئ الذي شهد كل أيام صباي.. كان الزمن قد مر بنا عن تلك الوقفة.. كان المشهد يعتريه شيء من الضيق بعد مرور تلك السنوات من عمري.. فالسنون قد باعدتني كثيراً عن ذلك المكان الذي كان حاضنا لكل ذكرياتي.. لقد كان ذلك الشاطئ هو المكان الوحيد الذي أقضي فيه كل أوقاتي عندما كنا شباباً، لم يكن لنا تطلع سوى قضاء وقت فراغنا في أحضان رفقائنا من مرتادي الشاطئ بشكل شبه يومي..

جلست بجانب الشاطئ كنت وحيداً وكان المكان قد خلا من كل الزوار.. ظللت وقتاً وأنا أقلب تلك الذكريات.. كان الألم يتسرب إلى نفسي عندما تقفز كل تلك الصور لأولئك الأصدقاء الذين كنت أجلس بينهم.. امتدت يدي لتغوص في رمال الشاطئ لعلها تبحث عن شيء مفقود.. ذهب ولم يعد.. كانت لحظة أسى على فراقهم.. لقد ذهب بهم الموت بعيداً.. شعرت بأن العالم قد أطبق على أنفاسي كلية كلما تذكرت أحدهم.. أين “محمد” ذلك الشاب البوهيمي الذي كان يتقن كل شيء وخاصة صيد الأسماك.. كان مليئا بالطرافة والجاذبية لكل من حوله.. ولا ندري ما الذي وراء ذلك السحر الجاذب لكل الفتية الذين من حوله وهم يتجمعون حوليه كالفراشة تحوم حول الضوء.. أما “يوسف” فكان شابا مولعا بالآداب، كان كاتبا ولم يكن يحب أن ينشر ما يكتبه علي الملأ.. وكنت أستعير الكتب من مكتبته الزاخرة بكل أنواع الكتب.. كنت أنظر إلى مكتبته وكأنها حديقة مليئة بألوان الطيف لكل أمهات الكتب..  أما “شعيب” فكان أحد الشباب الذي ولع بالسجون، فكان دائما مطاردا من الشرطة، لكنه كان يحمل قلب طفل، لم  يعبأ كثيرا بشؤون الحياة سوى تلك اللحظة التي يعيشها.. في الوقت ذاته كان صيادا ماهرا وكان يتقن الطهو خاصة طهى سمك (الأقليدس).. فوق ذلك كان أحد الخبراء في إعداد المتفرجات في صيد السمك.. أما “عبدالعزيز” فكان له صوت رخيم جذاب، وكان يتقن الغناء ولعل أصوله المغربية أكسبته رخامة الصوت.. الجميع من الرفقاء كان لقاؤنا أيام الصيف على ذلك الشاطئ..

لقد مر زمن طويل مع تلك الوقفة مع أولئك الرفقاء.. فالحياة الروتينية سلبت منا اللقاء.. كنا لا نقوى على شيء سوى التجمع حول ذلك الشاطئ.. نجلس معا ونتحاور ونحكي القصص والمغامرات حتى الكاذبة منها.. كان كل واحد منا يريد أن يبرز من بين أقرانه.. كنا نتمنى انقضاء الليل سريعا حتى يأتي صباح اليوم الثاني.. ليجمعنا معا.. كانت هوايتنا: قراءة القصص وصيد الأسماك.. كنا نشعر بأن الليل هو بمثابة عقبة يفصلنا عن بعضنا البعض.. وكنا شديدي التشاؤم عندما نرى الأنواء قد عكرت مزاج البحر.. دائما أحلامنا كانت تتركز في اليوم الثاني.. حيث نشرع في المغامرة وهى صيد الأسماك.. لم يكن يشغلنا شيء في هذه الحياة الدنيوية سوى تلك المغامرة اليومية.. فكل صباح كنا نشد الرحال إلى البحر.. فالشيء الوحيد الذي كان يعكر مزاجنا عندما نشاهد اضطراب البحر وهيجان موجه.. ويمنعنا من ركوب البحر.. كان جل يومنا مركزا حول صيد السمك.. وكنا أيضا نراقب أولئك الصيادين وهم يجولون بمراكب صيدهم الصغيرة حول الشاطئ في محاولة منهم لصيد السمك.. كانوا جدا بارعين في تلمس الأسماك وهي تسبح من حولهم.. كانوا يرون الأسماك عن كثب وكنا عاجزين عن رؤيتها.. وكانوا عندما يشاهدونها يقذفونها بالمتفجرات المصنوعة يدويا.. كنا من حين لآخر نرقب بعض الصيادين وهم يصنعون تلك المتفجرات كانت عبارة عن مادة (تي.ن.تي) TNT، فكانوا يعبئونها في علب ثم يقومون بوضع متفجر صغير في قلب المادة مع شاعل تلك الكبسولة ملفوفا بعود  ثقاب من الكبريت.. وهم يميزون بين الأسماك الطافحة على سطح الماء وتلك التي تسكن الأغوار حتى لا تسرع الأسماك هاربة عند رمي العلبة المتفجرة.. وكانوا أيضا يستخدمون منظارا لمراقبة السمك تحت الأعماق.. فكان ذلك المنظار عبارة عن صفيحة مقعرة يسكن في قعرها لوح زجاجي يمكنهم من رؤية الأسماك.. كنا نسرع نحوهم عند أول تفجير لالتقاط الأسماك النافقة.. كان المنظر يشد انتباهنا عندما نرى تلك الأسماك النافقة وهي تتلألأ في القاع كأنها قطع من الفضة.. كان مشهدا تملأه الروعة.. كان أولئك الصيادون يخشون الشرطة كثيرا وحينما يشاهدونهم على الشاطئ يلوذون بالهرب بقواربهم بعيدا عن الشاطئ.. صيد السمك بالمتفجرات كان يحتاج إلى براعة فائقة وحذر شديدين.. فقد تذهب المتفجرة بأيدهم أو أصابعهم.. هذا ما سمعنه من قصص من حوادث التفجير..

في معظم الأحيان كان لدينا طرقنا الخاصة بصيد الأسماك.. فكنا نصطاد السمك الصغير على الشاطئ ثم نصنع منه مبخرة مع رمال الشاطئ ونقذف بها ما بين الصخور المرجانية فتخرج لنا الأسماك (الأقليدس) ما بين الصخور ونقوم بصيدها عن طريق قضيب حديدي على هيئة رمح.. وفي معظم الأحيان كنا نقوم بصيد السمك (الفروج) الذي يختبئ عادة في أطراف الكهوف المائية.. في العادة كانت طريقة الصيد هي تثبيت الصنارة طول اليوم داخل الكهف المائي.. كما كنا نقوم بصيد السمك عن طريق بنادق الصيد والذي هو في حاجة إلى مهارة في كيفية اصطياد السمكة عن طريق البندقية.. فالتصويب ناحية السمك يحتاج الى مهارة ومعرفة دقيقتين.. كانت الحياة بالنسبة لنا لهوا ومغامرة لا شيء أكثر من ذلك.. كان الود يلفنا بردائه في رفقة رائعة.. كنا نضع كل مشاغل الحياة اليومية وراءنا.. كانت الحرية تملأ أنفاسنا ووجودنا.. كانت أنسام الحرية تتراقص مع أنسام البحر.. كان كل همنا هو اقتناص اللحظة الراهنة ليس أبعد من ذلك.. وعندما لفتنا الحياة العملية بردائها القاتم لم نعد نشعر بشيء من حولنا سوى الانغماس الكلي في العمل وفي رفقة مصطنعة من الموظفين من حولنا.. كنت أشعر بالغربة من حولهم.. لم يكن هناك شيء مشترك بيننا سوى حلقات العمل التي تولد الضجر.. جل الوقت كنت أقضيه بين الدفاتر والأوراق للمعاملات اليومية.. أصبح صباحا وأغدو مساء دون أن ألوي على شيء.. حتى أوقات الإجازات السنوية لم تتعد أسبوعين على الأكثر.. وكنت أقضيها داخل البيت في الغالب..

كنا نشعر بأن الحياة ابتعدت عنا كثيرا لم أعد أشعر بالوجود إلا من خلال ذلك الجسد الذي أتحسسه.. فالحياة ظلت محصورة في قفص ضيق لا يتسع للحراك لم يكن لنا وجود بين دفاتر الوظيفة..

وأنا جالس على الشاطئ شعرت بأن الأفق من أمامي يغوص في عتمة شديدة القتامة تحجب عني مياه الشاطئ ذات اللون اللازوردي لم يعد هناك من الرفقاء القدامى حولى.. ذات يوم حاولت أن أستعيد ذلك المشهد لكن دون جدوى فقد خانتني قواي مع استرجاع ذلك كله.. ولعل العمر قد هدني وأقعدني دونه.. فالإنسان يغوص في التيه عندما يشعر بأنه غير قادر على تحقيق تطلعاته فهو يظل كريشة تتلاعب بها الرياح دون مستقر يذكر.. في تلك اللحظة شعرت بأن العدم يلفيني بردائه.. ظلت عيناي تتسمر على تحركات ذلك الموج وهو يتراقص في حركة متسارعة وقلت لنفسي:

لعل القدر يدفعه نحوي لأنضوى فيه؟!!..

كنت أراقب كل موجة وهي تتكسر على الشاطئ.. وكلما قفزت إلى ذهني صورة أولئك الرفقاء الذين ذهبوا دون رجعة.. شعرت بأني أحد ركاب سفينة قد حطمتها الأنواء علي شاطئ مهجور.. حتى الذكريات كانت هي الأخرى تتكسر علي الشاطئ تماما مثل تلك الأمواج المتلاحقة التي سرعان ما تختفي عند ملامستها الشاطئ.. كنت أراقب موجة عالية متوجها إلى الشاطئ وكنت أشعر بميل شديد يدفعني للغطس في جوفها لتجرفني في جوف البحر دون رجعة.. لعل ذلك يسكن كل تلك الآلام التي ترزح على صدري دون انفكاك في لحظات الفراق..

قمت لمغادرة الشاطئ وقد أحسست بجسدي يضغط عل رجلاي بسبب الحزن الذي ألم بي في تلك اللحظة.. ولم أعد ألوي على شيء سوى الاندفاع بعيدا عن الشاطئ.. فلم يعد المكان يمثل لي سوى رمل وماء يحيط بي.. تصورت كل شيء من حولي ما هو إلا طبيعة جامدة.. أردت أن أصرخ بأعلى صوت:

لماذا الحياة تفر من حولنا؟!!

لم يكن هناك من جواب سوى تلك الموجة التي اندفعت مسرعة نحو الشاطئ ثم ارتدت مسرعة في جوف البحر لتبتلع كل تلك الذكريات التي لا رجوع لها.. ثم قفلت راجعا.. أحسست بثقل في رجلي وغاب الوعى عنى..

مقالات ذات علاقة

الإحساس المروكي

شكري الميدي أجي

جبران

محمد إبراهيم الهاشمي

كريمة

عزة المقهور

اترك تعليق