من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي
قصة

الموت على الإسفلت

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي
من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

جد عجوز، وحفيد، وقطة تموء

تموء في الركن القصي من الزقاق، بعد أن ركلها عاهر صلف يترنح من نشوة انتصارات زائفة،لاحقتها الآذان الموبوءة بمرض التنصت ، متلذذة بذلك المواء، وهو ينتشر على مساحة رطبة من رصيف يعج بعباد ترزح تحت عبء الانكسارات ، وتصارع بحراً من النذالات ،حتى تعودوا الحملقة في الأشكال المتباينة، المعلول منها حتى الهزال، والسمين حتى التخمة، وبينهما يمتزج الفضاء الواسع برائحة الصنان المنبعث من تحت إبط الفئة المتنعمة.

تعودت الآذان على سماع المواء… فأضحوا بذلك كالمرأة اللعوب تتلمس نهديها ، وتضغط على حلمتيها،فتتوجع ولكنها تستلذ، فلا الانكسار يقلقهم، ولا العهر يقض مضجعهم.

.. ويهتز الأمل من خلال مسرح ضبابي داخل كيان العجوز الواقف ضمن حفلة المواء، وهو يقبض على الأمل المتمثل في كفّ حفيده الذي لا يكف عن الحركة في اتجاه الملتصقين بالرصيف بلا حراك ، وكأنه يقبض على حفنة من الجمر.

انفلت الصبي من يد الجد العجوز ليلاحق الواقفين في حفلة المواء، رمى ببصره عبر الحلقات البشرية التي ترقص تحت أشعة الشمس الحارقة، وابتسامة سخرية تغزو مساحة وجهه.

– جدي..هل ذاك القابع في الطرف القصيّ هو أبي؟

– ألم تميزه؟!

– كلا يا جدي، إنه كقوس قزح مزيف!!.

انتفض الجد العجوز فجأةً ، ثم زاغ بصره وهو يجهد بالقول :

– ما أسخفهم صغار اليوم !!

دسّ الحفيد كفه من جديد في حضن كف جده، ولسان حاله يهتف دون اكتراث .

الأشياء الصغيرة تصنع الكبيرة يا جدي! وها نحن سنصنع ما عجزتم عنه، اهتفوا لنا،وتفّوا على وجوهكم الوقحة.

حدّجه العجوز بنظرة احتجاج وهو يتلمس مخرجاً من داخل الحلقات البشرية المتناثرة ، تنهد ،فتداخلت زفراته بصوت الصبي المتناغم ، فارتجفت شفتاه ، وانزلقت الدموع من محاجرها على ذلك الوجه الضامر.

مسح فمه وشاربيه بقفا يده، وغرس ناظريه في أفق الجمع الذي باتّ كتماثيل رخامية تستغل مساحة بعينها للنفاق والكذب والتبول .

رفع الصبي رأسه الصغير متأملاً وجه جده ، تحجرت عيناه وانطلق لسانه:

– أتبكي يا جدي!

– …………!

– آه .. يا جدي إن زمنكم لعصي عن التحديد!

يرتفع المواء ، ليختفي وراء دقات الأحذية ،ناشراً عباءة الموت القادم من بعيد……!!

مقالات ذات علاقة

شعيب الكالشو 

إبراهيم بيوض

قصة كلب…. حقيقية

يوسف الشريف

تفــــاح بلـــون الـذهـــب

محمد العنيزي

اترك تعليق