شاعر الوطن - الشاعر أحمد رفيق المهدوي
النقد

المهدوي شاعر الثورة في ليبيا

شاعر الوطن - الشاعر أحمد رفيق المهدوي
شاعر الوطن – الشاعر أحمد رفيق المهدوي
أرشيفية عن الشبكة

أحمد رفيق المهدوي (1898-1961م) من شعراء المرحلة الإحيائية في ليبيا، وهو رائد الشعر الليبي الحديث، وشاعر القضايا الكبرى، والمعبر عن عصره وهموم شعبه، عُرف بين دارسي الشعر الليبي بشاعر الوطن، لكثرة قصائده الوطنية التي تشتعل حماسة وثورة على الطغاة والمتجبرين، وهو من طراز يختلف عن سائر شعراء جيله الذين كشفت أشعارهم عن شخصيات تقليدية محافظة تميل إلى الدعة والراحة، فشعره يشف عن شخصية قوية متمردة جريئة لا تعرف المهادنة ولا المساومة، وتعلن على الملأ ما تؤمن به بلا خوف، فهو كما وصف نفسه في أحد الأبيات خلق حرا ولا يعنو لأحد سوى لله :
خُلقت حراً فما فوق البسيطة… من أعنو له غير جبار السمواتِ

ولا شك أن ظروف الحياة ونمط التعليم الذي تلقاه المهدوي كانا من أهم العوامل التي أثرت شخصيته، فالمعروف عنه أنه ظل طيلة حياته يتنقل من مكان إلى آخر داخل البلاد وخارجها، فقد ولد في إحدى مدن الجبل الغربي وفيها تلقى تعليمه الديني، ثم انتقل إلى مصراتة والزاوية ،وهناك ظل يختلف إلى المدارس التركية والفرنسية الخاصة، ولما احتلت إيطاليا البلاد وتعرض للمضايقة هاجر إلى الشام، ثم استقر به المقام لمدة سنوات في الإسكندرية انتسب خلالها إلى عدد من المدارس منها مدرسة الفرير الفرنسية، كما هاجر إلى جيحان في تركيا وبقي هناك عقدين من الزمن، وأخيرا ألقى رحله في بنغازي .

ولا شك أن المهدوي قد تأثر في موضوعاته وطريقة أدائه الفني برواد مدرسة البعث والإحياء كشوقي وحافظ والرصافي والزهاوي، فصلته بهم أقوى من صلته بالشعر العربي القديم، وشعره يحمل كثيراً من خصائص شعر أولئك الرواد كالتعبير عن الأحداث الهامة، وبروز النـزعة الخطابية والتقريرية المباشرة في الخطاب الشعري ، وله معارضات لبعض قصائدهم.

ترك المهدوي ديوان شعر كبير، قام الدكتور محمد الصادق عفيفي بنشر جزئه الأول سنة 1959 م بعنوان ( ديوان رفيق شاعر الوطنية الليبية) ، متضمنا مقدمتين للشاعر المصري عزيز أباظة ( ت1973م) والأستاذ عمر الدسوقي، وتعليقات للأستاذ محمد فريد أبو حديد (ت1967م) والدكتور علي الجندي والشاعر الأخطل الصغير بشارة الخوري (ت1968م) .

وما من شك أن ما قام به الدكتور عفيفي قد جذب إلى شعر المهدوي عدداً من الدارسين ليبين وعربا، فتناولوه بالتحليل والنقد، ومن بينهم الناقد خليفة التليسي الذي كتب عنه دراسة بعنوان (رفيق شاعر الوطن )، والناقد عبد ربه الغناي له كتاب بعنوان (رفيق في الميزان)، كما أصدر الدكتور محمد حامد الحضيري دراسة بعنوان ( شاعر الوطن الكبير)، وللدكتور عبد المولى البغدادي بحث مخطوط نال به درجة الماجستير من جامعة القاهرة ، عنوانه ( أحمد رفيق المهدوي شاعر ليبيا في العصر الحديث)

وفي كتاب(مهرجان رفيق الأدبي) مجموعة من البحوث والدراسات التي تناولت جوانب مختلفة من شعر المهدوي، وهي لعدد من الدارسين من بينهم الدكتور علي الساحلي والدكتور طه الحاجري والدكتور مصطفى ناصف والدكتور حلمي مرزوق، ولعل أفضل هذه الدراسات جميعها هي دراسة خليفة التليسي لشموليتها، ولما خلصت إليه من نتائج تدل على خبرة التليسي في تعامله مع التجربة الشعرية العامة للمهدوي.

من أشهر قصائده قصيدته التي يذكر فيها سبب هجرته إلى تركيا فراراً من تتبع ومضايقة سلطات الاحتلال الإيطالي:
رحـيلي عنك عـزَّ عليَّ جـدا…وداعاً أيـها الوطـن المفـدى
وداع مفـارق بالرغم شـاءت…له الأقدار نيـل العيـش كـدا
وخـير من رفـاه العيش كـد…إذا أنا عشـتُ حــراً مستبدا
سأرحل عنـك يا وطـني وإني…لأعلـم أننـي قـد جئـت إدَّا
ولكـني أطـعت إبـاء نفـس…أبت لمرادها في الكـون حـدا

تعد هذه القصيدة من أجود شعر المهدوي، على أن في بيتها الثالث اضطرابا ، ذلك لأن عجزه يبدو مجافيا لصدره ، فمن المؤكد أن المهدوي أراد منه أنه يفضِّل حياة العز والكد على حياة الذل والاستبداد ، لكن صياغة البيت لا تؤدي هذا المعنى المألوف والبسيط .

وفي قصيدة مشهورة أخرى ينبِّه الشعب إلى الدسائس التي يحوكها الحزبيون ومدَّعو الوطنية ، ويحذره من التفريط في حقوقه:
ألفـوا الكرى واستعذبوا الأحلاما…حـرَّكْ لعلك تـوقـظ النواما
يا ويح هذا الشـعب طال رقـاده…فمتى يهب مـن الرقاد قيامـا
ومـتى يفتِّـح عينــه متنبهـا…لخزعبلات الفاسدين ذمامــا
المـدعـين ببـاطـل وطـنيـة,,,راحـوا بها يتصيدون مرامـا
يا أيها المـتزعمون ومـا لكـم …حق يخولكـم لـذاك مقامــا
لستم بأهـل أن تسوسـوا أمـة…لم ترضكـم لأمورهـا قـوامـا
للشعب فـي هـذا الزمان إرادة…تملي الحقوق وتصدر الأحكـاما
عصفت بسيطرة الملوك ولم تدع…لتحكـم المتجـبريـن دوامــا
صارت أمور الناس شورى بينهم…لا يملك البـاغي لهم إرغـامـا
في سيرة الدوتشي وهـتلر عبرة…لمن استبـد وسفَّـه الأحلامــا
وإذا استبد الفـرد بيـن جماعـة…كانوا وإن سعـدوا بـه أنعامـا

وتعد هذه القصيدة بصياغتها المحكمة وقوة العاطفة التي تسري في أوصالها من بين أقوى قصائد الشعر السياسي في ليبيا وفي غيرها، وهي توحي بما كان للمهدوي من وعي سياسي ناضج ، ومن الواضح أن الشاعر قد اعتنى بها وأولاها أهمية فهو لم يستخدم فيها كما فعل في عدد كبير من قصائده الألفاظ العامية والدخيلة وأقوال العوام ، وبنفس هذه القوة يتفاعل المهدوي مع الأحداث السياسية في ليبيا وفي خارجها.

ومن شعره الذي يندد فيه بخضوع الحكومة للمستشارين الأجانب الذين كانوا يسيرونها إبان العهد الملكي، قوله:
حرّكتُ قوما قد أمال رؤوسهم…نوم كأصحاب الرقــيم عميـقُ
فوجدتهـم لا يشعرون بأنهـم…في قبضـة المستعمرين رقيـقُ

وبلغ به التدمر من سوء أحوال البلاد درجة جعلته يهدد بثورة دموية على الحكام، فقال:
فلم يبـق إلاَّ ثورة وطـنية…يسيل إلى الكعبين جراؤها الدمُ

ويبدو أن المهدوي كان يتوسسم الخير والصلاح في شخص الملك إدريس السنوسي، لذلك حرَّضه على محاربة وقتال الفاسدين والمنافقين قائلا:
جاهدْ لوجه الله والوطن الذي… كثر المنافق فيه والزنديقُ
وفي قصيدة أخرى خاطبه قائلا:
ضربا على الرأس لا الأيدي فقد كثرتْ… بين الرؤوس دواعي الطيـش والنزقِ

ويصب جام غضبه على رجال الحكومة في ذلك الوقت، ويكشف ضعفهم وتبعيتهم للمستشارين الأجانب قائلا:
حكومتنـا محكومـة ووزيرنـا…له تحت أمر المستشار نـزولُ
وليس له شيء مـن الأمر إنمـا…يقال له قُــلْ هكـذا فيقـولُ

ثم يحمل في نفس القصيدة على أعضاء مجلس الشيوخ والنواب قائلاً :
شيوخ ونواب على الشعب عالة…وعبء من الصخر الأصم ثقيلُ
وكان لرجال الدين نصيب من ثورته ، فقد رماهم بالجهل، وحمَّلهم مسؤولية التخلف والجهل وانتشار العادات والأوهام بين الناس ، مبينا أن الدين لا يصادم العقول والأذواق قائلا:
ظلموكِ باسم الدين جهلا ما لهم…علم سوى التقليد والإغـراقِِ
الدين يبرأ من أمـور خالفـت…حكم العقول وسالم الأذواقِِ
ما لم يكـن وحـيا ولا هو سنة…فاحكم عليه ببـدعة ونفـاقِِ

وللمهدوي عدد من القصص الشعري، ولعله أول من أدخل فن القصة إلى الشعر الليبي، ومن أجودها صياغة وحبكة قصة شعرية طويلة بعنوان ( غيث الصغير) ، يصور فيها مأساة طفل ليبي يتيم زاره الشاعر في الملجأ، وأخذ يقص عليه جريمة قتل أفراد أسرته على يد القوات الإيطالية، وقد اعتمد الشاعر في صياغة هذه القصة على تقنية السرد واستدعاء الحدث الماضي، ومهما كان رأي النقد الأدبي فيها، فإنها كانت في زمنها تعد إضافة هامة للشعر الليبي.
وها هي بعض من أبياتها الأولى :
هو في الملجأ من دون اليتامى…دائـم الصمت وقارا واحتشاما
واضـح الجـد قليلا ما يـرُى…ضاحكا إلاَّ إذا استحيـا ابتساما
نافـذ اللحـظ تـراه ناظـراً…نظرة الأجـدل يرتـاد الحماما
يتـقي أقـواتـه صـولـتـه…حين يحتـد إذا اشتدوا خصاما
رمقـوه بـاحـترام هـيبـة…وقديمـا أورث الجـد احتراما
وإذا الجد مـع العـزم التـقى…جعـلا للمرء في الـناس مقاما

واستغل المهدوي فن القصة في إبراز مواقفه السياسية، ومن بين قصصه أرجوزة طريفة ساخرة يشبه فيها رأس وزير ليبي ببطيخة .
استهل المهدوي هذه القصيدة الساخرة قائلا :
ما غرني من شكلها الغـريـبِ
إلا اخضـرار لونـها العجيبِ
كأنـها مـن منـبت خصـيبِ
عظـيمة تشـبه بالتـقـريـبِ
بطنا لذات الوضـع في القريبِ

هذه الأبيات ضرب من التصوير الساخر يبرز مشهد بطيخة خضراء اللون ، كبيرة الحجم، اشتراها الشاعر ذات يوم من أيام شهر الصيام ، ووضعها في الثلج لكي تبرد، وليطفئ بها لهيب عطشه ، وحين حان موعد الإفطار شقها إلى نصفين، فوجدها بيضاء ، ذات مذاق حامض ، عندها شعر بالخيبة والحسرة ، وصب جام غضبه على البطيخة ، وأخذ يستعيد من الذاكرة مجموعة من الأوصاف والتشبيهات المناسبة لها :
وحينـما ظفـرتُ بالحبـيبِ
شققتها وقلـت يا نصيــبي
فانفلقتْ بيـضاء كالمـشيبِ
أو كبياض البـؤبؤ المعـيبِ
أو مثل لون البـرص المريبِ
بذورها كالبعـر في الحلـيبِ
أو كاختـلاط الملـح بالزبيبِ
حامضة تـدعو إلى التقطيبِ
كالشب والحصرم في تركـيبِ
يا خيـبة الشاعـر والأديـبِ
يا أملا خـاب بالتـجريـبِ
جاءت لسوء الطـالع الغريبِ
كأنهـا رأس وزيـر ليـبـي

هذا التراكم الصوري يشي بحرص الشاعر وإمعانه في تشويه ملامح كلا الطرفين ، لعدم رضائه عنهما على أن بيت القصيد ، هو البيت الأخير الذي يختزل كل هذه الصور التشبيهية، فقد خلص الشاعر منها إلى صورة واحدة تبرز طرفين متقابلين : (بطيخة غير ناضجة ـ ورأس وزير ليبي) ، وذلك لأجل أن يوصل إلى المتلقي رسالة مباشرة يعلن فيها بوضوح أن أهل الحكم في عصره ليسوا أهلا لقيادة شعب لم ينتخبهم والمتأمل في هذه الصور لابد أن يلحظ أنها منقولة حرفيا من الواقع العيني والمشاهدة اليومية ، فهي من النمط المألوف والسائد في الأدبيات الشعبية ، حي يشيع بين العامة التندر بياض شيء ما ومقابلته ببياض الشيب ، أو بياض الملح، أو تشبيه رأس فلان بحجم البطيخة، لذلك فإن هذه الصور تبدو نمطية جاهزة ، لم يكن للشاعر دور في صياغتها ، أو إجراء تعديل في بعض ملامحها ، وقد استخدمها الشاعر وسيلة إيضاح لموضوع قصيدته ، ولكن برغم ما فيها من بساطة وعفوية، وبرغم غلبة الطابع الحسي المحض على طرفيها ، فإنها استطاعت أن تبرز معالم التجربة الشعورية ، والفيض النفسي المندفع من الذات ، فلا شك أن تجربة الشاعر ومعاناته النفسية ، جعلت هذه الصور تتراكم وتتدفق الواحدة تلو الأخرى في نسيج القصيدة ، لتكشف عن نفسية قلقة من فساد استشرى في أركان الحكومة .

ومجمل القول إن شعر المهدوي ترك بصمات بارزة في الشعر الليبي الحديث في بدايات القرن الفائت، بتعبيره عن شخصيته ومجريات الأحداث في عصره،والحق أن المتأمل في شخصيته من خلال شعره لا بد أن تذكِّره بشخصية شاعر لبناني كان معاصرا له، هو الشاعر المهجري إلياس حبيب فرحات (1893ـ1976م) ، فالاثنان تشابها في ظروف الحياة وفي حدة الطبع والثورة والتمرد، فكل منهما لم يكمل تعليمه، وذاق ألم الغربة والهجرة عن وطنه، وبث مشاعر الحنين إليه، وكل منهما أيضا هاجم بلغة حادة ومباشرة مظاهر الفساد والفرقة والتخلف في مجتمعه.

مقالات ذات علاقة

الواقع من زاوية أخرى

المشرف العام

حواء القمودي.. طفلة بقلب وطن.. تكتب شعرا

يوسف الشريف

من إبراهيم الكوني إلى هشام مطر…الرواية الليبيَّة بين صوتين!

المشرف العام

اترك تعليق