المقالة

المنـهزمون ثـقافـياً

 

يقول بعض المؤرخين والمنظرين: (إنّ الحضارة، إذا حلَّت بأُمةٍ ما، تنوعت في كل المناحي العلمية والأدبية، ويمتد تأثيرها إلى كل الأمم الأخرى، فتبسط هذه الأمة قيمها الأخلاقية والفكرية على الأدب والفنون في العالم قاطبة) كما أنّ منهم، من يجزم بالقول : (إن القوة العسكرية، هي من تُأمّن السطوة لحضارة أيِّ قوم).. (مقدمة).

وليس من شك أبداً، في أنّ الغرب يشهد تطوراً في شتى ميادين الحياة العلمية والطبية والتقنية كذلك، بفعل الانقلاب الذي أحدثته الثورة الصناعية في أوربا، خلال القرون القليلة المنصرمة، نتيجة للعلم التجريبي، وما شكّله من نهضة، حينما أقحم الآلة محل اليد العاملة في الصناعات المدنية والعسكرية، فأنتجت مصانعه ترسانة حربية ضخمة ومتطورة جداً، للفتك بالبشرية والتفنن في فنائها، ما جعل الجيوش العربية تندحر أمامها بأيدي فئة قليلة، هي عصابات الهمج الصهاينة، وضمنت لها النصر في أية معركة، وقبل حتى أن يحمى وطيسها، ذلك أنّ الروح الانهزامية قد تغلغلت في أجساد قادة هذه الجيوش لإحساسهم بالدونيّة، وللواقع المزري الذي تعيشه أمتنا من تشرذم وتخلُّف، يقضيان بهذا، فنحن كعرب، لم نأخذ بأسباب القوة التي تكفل لنا النصر.

لكنّ عدوى هذه الانهزامية، لم تقف عند هذا الجانب فحسب، بل أنها تسربت أيضاً إلى أدمغة المثقفين، بعد أن تفشت من قبلهم، في عزائم الساسة ومعنويات العسكر المحبطة، هؤلاء المثقفون الذين عوّلت عليهم الأمة أيما تعويل في النهوض بها من سُباتها العميق، وانتشالها من واقعها المعيش، الذي ينضح بالانحطاط والتبعية، وكذلك في إعادة الثقة إليها، وذلك بإزهاق هذه الروح الخائرة، فماذا فعلت هذه النُّخبة المثقفة التي تستند إلى إرث حضاري مجيد وغائر بجذوره في صميم تاريخ الحضارة الإنسانية، إزاء هذه المسؤولية المُلقاة على عاتقها، سوى تكريس هذه الانهزامية في نفوس القُراء، من خلال ما يقرؤونه في كتابات هذه النُخبة،مع أنه لا يكاد يوجد سبب واحد يقف وراء هذا التخاذل الذي هي عليه، حتى أضحت الثقافة الغربية وحشاً أسطورياً كاسراً، طوراً تولي الأدبار أمامه العقول العربية، وطوراً آخراً، ترتمي في أحضانه، ليس تغزلاً وإنما تخاذلاً، نظراً لهذا الهوان العربي.

قد يكون ما قيل في المقدمة، ينطوي على شيء من الصحة، ولكنه ليس بالمطلق، بحسب اعتقادي، فإن كُنا قد هُزمنا حقاً أمام الغرب في المعركة العسكرية، فذلك لعدة أسباب، لا مندوحة من ذكرها في هذا المقام، ولكني سأتطرق إلى بعض منها لاحقاً بالشرح والتحليل، لكن هذه الهزيمة، ليست مسوغاً لكي يذهب البعض من المثقفين بعيداً، وإلى حد القول بأنّ الأدب الغربي الآن، هو أفضل حالاً من أدبنا العربي؛ أقول قولي هذا بمنتهى الثقة، وأنا أعي جيداً، كم هي ضعيفة أمتنا في المجالين العلمي والتقني، إذ أنّ حتى الدراسات التابعة لبعض المنظمات الدولية والمنشورة في العديد من الدوريات، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ البحوث العلمية التي تشهدها المنطقة العربية، لا تشكل شيئاً أمام ما تجريه المراكز العلمية الموجودة في أصغر دولة غربية من حيث المساحة وعدد السكان في هذا المجال من بحوث، كما أنّ الدخل القومي العربي بما فيه من موارد طبيعية، يأتي على رأسها النفط، الذي يُمثل العائد الأول من مجموع هذا الدخل، لا يساوي أية قيمة اقتصادية تذكر، إذا ما قورن مع دخل دولة أوربية واحدة، خارج منظمة الاتحاد الأوربي، ومع هذا كله، مازلت لا أجد سبباً كافياً، يعطي الأدب الغربي الأفضلية على الأدب العربي، قديمه وحديثه، لأنني أرى، أنّ ثمة بوناً شاسعاً، بين العلوم والآداب، أي بمعنى أن التقدم العلمي إن حدث، لا يشترط أن يوازيه تقدم من نوع آخر على الصعيد الأدبي، لأنّ مثل هذا الزعم (التوازي بين الخطين) من شأنه، أن يسدَّ الأبواب في وجه كل محاولة جادة، تنادي بإبراز ثقافة عربية منافسة للغربية، ويفتُّ في عضد كل مثقف مخلص لأمته، لأجل تحقيق ذلك، لاسيما أنّ العالم العربي الآن، يُعاني من قصور شديد في التحصيل العلمي، لا يُمكنه من إنتاج أدب منافس، بل بالأحرى مقاوم لما ينتجه الغرب ويكبّه من بضاعة فاسدة وقيم غير أخلاقية في أسواقنا، مادام ذلك الزعم قائماً وعلى باطل.

إنّ الهزيمة التي مُنيَّ بها العرب، إنما هي ناجمة عن التطور الصناعي في الغرب، والناشئ من التقدم العلمي، كما أسلفنا الذكر، لكنها انعكست بالسلب على روح المثقفين وإصابتها بعقدة الانهزام أمام ثقافة الغرب، وفي حقيقة الأمر، أنّ من شأن حياة أي مثقف كان، وسط أمة مشهود لها بقوتها العسكرية، أن تولّد فيه شيئاً من الكبرياء والاعتزاز بالنفس، أي أن يكون لها محرك معنوي وكفى، لا يجعل ما ينتجه من مؤلفات في صدارة ما ينتجه العالم ككل، لأنّ مثل هذا القول، سيحيل نقاشنا إلى مفهوم ثقافة القوة، في حين، أنه يدور حول قوة الثقافة، وما تتضمنه من فكر إنساني متفتح، لا تستطيع ثقافة القوة مهما تجبرت أن تصده، بأية حال من الأحوال، وما يدلل على اعتقادي هذا، أنّ هناك عدة دول استطاعت بفضل مثقفيها، أن تصدر نتاجها الأدبي والفكري إلى أصقاع العالم كافة، على الرغم من كونها دولاً متخلفة أو نامية، وتنسب إلى ما يُسمى بدول العالم الثالث، كما أنها لا تمتلك ولو النزر اليسير من الأسلحة الدفاعية، منها مثلاً لا حصراً : الأرجنتين وكوبا، والعكس صحيح، فها هو الكيان الصهيوني بما يحوزه من ترسانة عسكرية متطورة جداً، كالصواريخ (البالستية) ومتفوقة على أسلحة العرب مجتمعين، لم يُقدم للإنسانية أية خدمة معرفية ولا أدبية.

أما عن الروح الانهزامية التي عند بعض المثقفين العرب، فتبدو أبرز تجلياتها واضحة، وقتما يمتثل هذا البعض لما ينسج عليه أقرانه الغربيون، ويتمثل بآرائهم التي لا تكون صائبة دائماً، ومع ذلك نجده يضمّن كتاباته شهادات هؤلاء المسلوسين (المجانين) ويجعلهم قدوةً له، في حين أن هذه الأمور التي يتطرقون إليها، قد تناولها الرسول (ص * ) في أحاديث شريفة، لكنهم لا يستدلون بها ويتعامون عنها.

حتى الآن لم أذكر أسماء، لكوني أفضل أن أجعل حديثي دائماً في العموم، ولكي لا أسّبب حرجاً لنفسي مع أحد، ولكنّ كل إناء بما فيه ينضح، فمن منكم مثلاً، لم يقرأ عن إله الجمال (فينوس) في قصائد كثيرة بأقلام شعراء عرب أو عن إله الحب(…)، فأيُّ شعر هذا، الذي يريد أن يُحيي الجاهلية الأولى ؟ ومن منكم أيضاً، لم يأت على قراءة قصة (روميو وجولييت) عندما يأتي الكاتب على سرد ملاحم الحب، وينسى بل يتناسى قصصاً أروع منها مثل قصة (قيس وليلى).

إلى هذه اللحظة لست أعلم ما الذي دفع بهؤلاء المثقفين إلى أن ينحوا هذا المنحى، غير الروح الانهزامية التي استشرت في أفكارهم، فنحن العرب لم نخسر أمام الغرب على الساحة الأدبية، لأن هذه المعركة لا تتطلب علماً تجريبياً لا نمتلكه، ولا رأسمالاً ضخماً قد نفتقده، إنما عقولاً مفكرة تثق بماضيها التليد وتصبو إلى كسب هذه المعركة.

 ________________________________________________________

(*) : حرف (الصاد) هو رمز للصلاة على الرسول، وقد يرمز لها برمز آخر: (صلعم) هو أكثر دلالة من الأول، لأنه ينطوي على السلام على الرسول أيضاً، ولكن لماذا لا تُكتب كاملة غير منقوصة ؟ هل لتوفير الحبر مثلاً ؟.

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ 1

المشرف العام

قباعيات 10

حسن أبوقباعة

إليكم هذا التقرير..!

إبراهيم حميدان

اترك تعليق