الشاعر المكي المستجير.
حوارات

المكي المستجير لـ (السقيفة): ”أنا طفل يحبو.. لا يزال يتعلم كيف يمشي.. يحاول تحويل دهشته شعرا، وفضوله فكرا“

السقيفة الليبية

المكي المستجير.

ينسج قصائده كأنها سيمفونيات موسيقية عذبة، ما بين لغة فنية متميزة، وصورة أدبية رقيقة، عميـقة المعنى بلـيغة الوصف، بمفـردات منتقـاة بذكـاء وعنـاية واضحتين… يبرز الجمــال في قصـائده طاقة إبداعيـة خلاقـة تتجلى فيها النفس ويكـافئ الإنسـان نفسه بما يقـول أو يكتـب. لا يهمه ما يقوله الآخرون من نقد أو إطراء، وأكثر ما يميزه هو التواضع الجم في تعاملاته، وخفة الظل التي ترافقه أينما حل، وسلاسة الحديث ذو العمق الفلسفي الجمالي بمرجعيته الصوفية الأنيقة. هذا قليل من كثير مما قد يقال بحق شاعر مبدع مثل المكي المستجير، ضيفنا في السقيفة الليبية.

– ولد في مكّة المكرّمة، حيث كان والداه – حفظهما الله – يؤدّيان شعيرة العُمرة. فالتصق به اسم المكّي؛ لمكان ولادته… يصف نفسه – وبتواضع جم – ”طفلٌ يحبو، لا يزال يتعلم كيف يمشي. يُحاول تحويل دهشته شعرا، وفضوله فكرا“. درس في مدينة درنة المراحل التعليميّة الابتدائيّة والإعداديّة والثانويّة. ثمّ انتقل إلى مدينة طرابلس لإتمام دراسته الجامعيّة بكليّة الطبّ البشريّ، وتخرّج منها بتقدير عام جيّد جدّا. ويعمل الآن طبيبَ طوارئ في أحد مستشفيات العاصمة.

كما كان له تعليمٌ دينيٌّ موازٍ بمدينة درنة، وتحديدا في “زاوية الصحابة العيساويّة” ذلك الصرح المعرفيّ الذي يقول عنه ”كنتُ محظوظا -صحبة قليلين- بارتياده. على يد شيخها فضيلة العلامة أ. عمر الأزرق. ورغم أنّ منهجها وعَرضها كان تقليديّا إلى درجةٍ كبيرة، إذ أنّها تعتمد المتون التعليميّة القديمة منهجا؛ إلا أنّ ما استفدته فيها من أدواتٍ ومعارف، رصيدٌ لا أزال أصرف منه إلى يومنا هذا“.

– أبرز من تأثّر بهم على الإطلاق هم من تتلمذ على يديهم، وأولهم والده -حفظه الله- الذي يقول عنه: ”موسوعة تاريخيّة وعلميّة ولغويّة وفلسفيّة… غذيتُ بمكتبته العامرة، كمّا وكيفا، على الدوام“.

– أمّا بمن تأثّرتْ كتاباته، (خربشاتي) كما يصفها، فيقول: ”لا أدري بالتحديد. ربّما سيكون ذلك حديث المقاهي يوما ما، لمن سيأتي بعدي. لم أسأل نفسي قبلا هذا السؤال. ولا أرى فيما أكتبه شيئا يستحقّ النظر. أنا لم أكتب بعد، وكلّ ما فات وما سيأتي مِرانٌ لما بعد الأربعين. فكريّا، لا زلتُ أذكر بالساعة والتاريخ وحالة الطقس، اللحظات التي قرأتُ فيها لشخصيّتين عظيمتين، صدماني. ضريران جعلاني مُبصِرا: أبو العلاء المعرّي؛ الفيلسوف المتمرّد الذي توهّمه النّاس شاعرا؛ وطه حسين المجدّد الذي ضيّعه قومه.

– عن انتاجه الفكري ونشاطاته الثقافية… يقول المكي:

”هذه الأسئلة أكبر مني… لا أرى لنفسي إنتاجا يُذكر. أنا جُزيْءٌ في مجرّة. فقط: أنا أحاول، وسأموت وأنا في طور المحاولة. أنا أحاول إذن؛ أنا موجود. لم تستهوني يوما فكرة نشر كتاب ما، ولم تغرني رغم إلحاح بعض الأصدقاء. ربّما مرور الزّمن وتراكم المِداد وحده ما سيفرض عليّ ذلك. ولعلّ الشيء الوحيد الذي أحرص عليه الآن، هو استفراغ الجهد في أي مسألة أكتب فيها، أو نصّ أدبي أنشره. أنا لا أستهين بفعل الكتابة قطّ، لأنّي أقدّسه. فلا أكتب لأنّي حرّ؛ بل أنا حرّ لأنّي أكتب. أحيانا أقلّب المقالة سنة بين الأخذ والردّ، أو يؤرّقني نصٌّ شهورا قبل الدفع به. الموهبة وحدها لا تكفي، والمبدع الذي لا يقرأ لا يستحقّ أن يُقرَأ له. وما لم ينتجِ الإبداعُ معرفة، سيكون إبداعا منقوصا“.

ويضيف: ”أحاول أن أكون على اتصالٍ بالمناشط الثقافيّة التي تقام هنا وهناك، سيّما الشبابيّة منها، لا لشيء إلا طمعا في رؤية نفسي في نشاط من أحبّ. وبالطبع أحرص على حضور مناشط الجمعية الليبيّة للآداب والفنون، ما استطعتُ؛ إذ هي أحد العلامات القليلة الدّالة على الحياة، في جسد ثقافتنا النازف. والحقيقة غالبُ مشاركاتي ترتكز على زيارة الزوايا الصوفيّة بمختلف مشاربها وتعدّد مناشطها وتباعد جغرافيّتها.. يعلّمني خدّام نعال الفقراء أمام أبواب الحضرة، ما لا أتعلّمه من أساتذة جامعاتنا الموقّرة. وقد آن للتصوّف في ليبيا أن ينتقل من الطُرُقيّة إلى الفلسفة. وتجديد التصوّف في ليبيا هو المدخل الأكثر فعاليّة لتحديث المجتمع. وحاليّا أعكف صحبة أطبّاء زملاء معي، على تأسيس منصّة إعلاميّة تعنى بالتثقيف الصحّي في ليبيا (Health Education): (التعامل مع الأمراض المزمنة، طرق الكشف المبكرّ عن السرطانات، تحديد النسل، طرق انتقال العدوى، الطريقة الصحيحة لاستخدام الأدوية، العادات الصحيّة السيئة، الصحّة النفسيّة، التثقيف الغذائي، تصحيح الأخطاء الشائعة، وغيرها). أعتقد أنّ الثقافة الليبيّة في حاجة ماسّة لتثقيف صحّي فعّال، يؤثر على سلوكيات الأفراد، بما في ذلك الأطبّاء أنفسهم.

الشاعر المكي المستجير.
الشاعر المكي المستجير.

– سألناه عن المشهد الثقافي الليبي… فقال:

”أقرأه كمشهدٍ من كوميديا سوداء. لا أكفّ عن الضحك وأنا أبكي. وحيث أنّ في كلّ حقلٍ ثقافة، كالبداوة والغذاء والروبوتات؛ فسأكون أكثر تحديدا، وأتحدّث عن المدنّية، والتي أراها تحتضر في ليبيا؛ لاحتضار حواضرها. فالشرق الليبيّ (وتحديدا حاضرة بنغازي التليدة) تُغتصب المدنيّة فيها بتحالف الثالوث المُخرّب: (العسكر، القبيلة والسلفيّة). أمّا العاصمة طرابلس آخر حصون المدنيّة بإرثها التاريخي وذخيرتها الثقافيّة، فأمامها تحديّان إن تغلّبت عليهما كان في النفق أمل: الجهويّة والسلفيّة. وسيبقى الجمالُ الضحيّة دائما، أمام القبح الطافي. أحلم بتأسيس سينما في طرابلس؛ فمن يحلم معي؟!

– تبدو (المؤثرات الصوفية) واضحة في اشعار وكتابات المكي… عن مدي هذا الثأثير يقول:

”لا أستطيع قياس هذا (المدى) فمن الصعب أن تحكم على الحالةِ وأنتَ متلبّسٌ بها. ولكني أعتبر نفسي صوفيّا مُذ كنتُ طينا. فقد سلكتُ على يدِ شيوخها تربية وترقية. وقد نشأت منذ صغري في بيئةٍ صوفيّة، بل أظنّ أنّ موهبتي الشعريّة وذائقتي الأدبيّة على قصورها، لم تكن لتولد لولا نشأتي تلك. فقد كان لقراءة ديوان البُهلول في شهر ربيع الأوّل، وتعلّم المتون، والاستماع إلى الموشّحات، وحضور جلسات السّماع، دورٌ كبيرٌ في ضبط الوزن، وصقل الموهبة، والارتقاء بالذائقة. كان الحلاج والنفّري البوّابة التي دخلتُ منها إلى فلسفة التصوّف. ويكاد التصوّف أن يكون نبوّة. بوصلة نصوصيّ الشعريّة تشير دائما إلى شمال التصوّف. فالشعر كما أعرّفه هو (شطحٌ في اللغة باللغة) فلا يكون الشعر إلا شطحا؛ وكذلك التصوّف.

– سألناه أيضا عن الشمس… وهل لا زالت مغلقة علي نوافذنا؟ فاجاب:

”أعتقد أنّك تقصد العكس. هل نوافذنا لا تزال مغلقة أمام الشمس. نعم، أظنّ ذلك. المشكلة أنّه مهما أُحْكمَ إغلاق النوافذ فلن يمنع ذلك الشمسَ من الإشراق كلّ صباح. المخيف أنّ غالبيّة النّاس هي من تحرص على إبقائها مغلقة عمدا. هناك صراعٌ قيميّ يحدث الآن داخل المجتمع، سيغيّر من مفاهيمه ومعاييره. لن يكونَ غريبا حينها أن يُعتقل الكتّاب والفنّانون، وتقتحم المهرجانات، وتصادر الكتب بمباركة وزارة الثقافة، وتلغى الاحتفالات، ويؤخذ الإذن من المليشيات لعقد المناشط. ففي الظلام ينمو العفن. ما لا يعمله كثيرون أنّه تمّ القبض عليّ في سُعار الحملة التحريضيّة التشويهيّة ضدّ كِتاب وكُتّاب “شمسٌ على نوافذ مغلقة”. المفجع أنّ من فعل ذلك شبابٌ صغير في السنّ، لا يتبع أيّ مليشيا. ظنّوا أنّهم يحسنون صنعا، دفاعا عن الفضيلة دون طلب من أحد. وقادوني لأقرب ماخور. نحن متأخّرون في كلّ شيء. كلما وصلنا محطّة، كان القطار قد غادرها منذ 10 سنوات على الأقلّ، بينما يسير بسرعةٍ متزايدة. اليوم نحاول تأطير مفهوم للمواطنة (تقاطع الفرد والأمّة) في وقتٍ بدأ فيه هذا المفهوم بالشيخوخة، ربّما بعد 10 سنوات لن يكون للحديث عنه جدوى في ظلّ عالمٍ يتجه إلى العولمة في كلّ شيء؛ سياسيّا وثقافيّا وقِيميّا. ومع ذلك لا زلنا نجد من يكرّس القبيلة، ويدعو للقوميّة، ويفرّق بدعوى الهُويّة، المفهوم المتلاعب والفخّ القاتل، والذي تحاول بعض الأطراف توظيفه سياسيّا. والويل لنا إن نجحوا. سنعيش خارج الزمن“.

– لمن يقرأ المكي؟

”لكثيرين. وغرض القراءة يختلف ما بين إلزامٍ أو اهتمام أو ترويح. وأجد نفسي مُلزما بمتابعة ما ينشره الليبيّون قديما وحديثا – ما استطعت – أيّا كان موضوع ودرجة الكتاب. لا أدري سبب فعلي ذلك؛ لأكون صادقا. لكنّ أبرز من أحرص على قراءة – وإعادة قراءة – ما أنتجاه مع تتبّع الدراسات المكتوبة عنهما، هما “إدوارد سعيد” و”عبد الفتاح كيليطو”. فالأوّل بيانستيٌّ صاحب مشروعٍ نقديّ مغيّب يجب أن يُستعاد. والثاني ناقدٌ أدبيّ مُجدّد، في زمن التقليد. حداثيٌّ دون قطيعة. كم أتمنى أن ألتقيه يوما. وقد تكون إجابتي تقليديّة عندما أضيف لهما “دوستويفسكي”. ولكنّ أزعم أنّي صادقٌ في قولي. فدوستويفسكي علّمني كيف أكون أحمقا، وأنّ (الجمال سوف ينقذ العالم)”.

– كيف يتعامل المكي مع مواقع التواصل الاجتماعي؟

”بحذر شديد. وأحاول الاقتصار على وظيفته الأساسيّة، كقناة للتواصل الاجتماعيّ؛ سيّما وأنّ بيني وبين أهلي وأصدقاء طفولتي أكثر من 1000 كم. من يتابعني يعرف أنّي قليل الحضور على الفايسبوك. فقد أغيب سنة وأرجع بمنشورين ثم أختفي سنة أخرى. مواقع الانترنت عموما تعاني من تشبّع معلوماتيّ وتصحّر معرفيّ. أمّا الفايسبوك الليبيّ – إن صح التعبير – فهو يعُجّ بالقتلة، المأجورين والمتهوّرين. تستحكم العاطفة الساذجة على ردّات أفعالهم. أحيانا أتساءل: هل الليبيّ قادرٌ على التفكير“.

– أما رسالة المكي لمثقفي الوطن: ”إن قمتم بتأسيس مقهى ثقافيّ، فأرجو أن يكون الشاي متوفّرا، والأسعار في متناول الجميع“.

مقالات ذات علاقة

الشاعرة: خلود الفلاح / رقم حسابي دائماً يشكو البرد و الوحدة

المشرف العام

سميرة البوزيدي: المشهد الليبي بائس والنقد ميت ولار جاء فيه

عبدالسلام الفقهي

من ليبيا يأتي الجديد: الثقافة تمزق اللون الأوحد

المشرف العام

اترك تعليق