قراءات

المكان في قصيدة (منفى) للشاعر عمر الكدي

من واقع ومعاناة والام وقسوة الغربة كتب عمر الكدي قصيدته منفى ليحكي فيها ما يعانيه كشاعر يعيش في قلق البعد عن وطنه ليبيا وحلمه بالعودة اليها .لذلك تشكلت هذه القصيدة فعكست بمرارة واسى قصة حياته خارج بلاده في المنفى وأستحضرت بتفاصيل سردية ممتعة ومشوقة أيامه الجميلة داخلها .

 عمر الكدي1

الشاعر :

عمر محمد الكدَيْ  ولد في مدينة غريان الليبيية عام 1959م. بعد أن أنهى دراسته الجامعية في مجال علوم البيئة، أشتغل بتدريس مادة العلوم في عدد من المدارس الثانوية في ليبيا . في عام 1988 ترأس الملف الثقافي لصحيفة الجماهيرية التي كانت تتبع المؤسسة العامة للصحافة ، ثم تولى رئاسة تحريرها في بداية تسعينيات القرن الماضي ،بعدها أصبح مديرا لتحرير مجلة الفصول الأربعة، التابعة لرابطة الأدباء والكتاب الليبيين.أشتهر بمقالاته الساخرة وتحقيقاته الصحفية القوية التي كانت تنشر في مجلة (لا) الشهيرة والتي كانت تكشف بجرأة كثير من سلبيات نظام معمر القذافي. غادر ليبيا الى هولندا في عام 1999م وتحصل على فرصة الإقامة بها كلاجيء.تم عمل في القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية،ومع انطلاقة ثورة فبراير الليبيية في 2011م ،غادر هولندا الى قطر ليواكب مسيرة قناة ليبيا الاحرار من بدايتها حتى اصبح رئيسا لقسم الاخبار بها.

كتب الشعر ونشرت قصائده الأولى في معضم الصحف الليبية، وله عدد من القصائد المهمة واهمها على الاطلاق قصيدته المشهورة ” ليبيا بلاد تحبها وتزدريك” . كما كتب القصة القصيرة التي تلامس بشكل ساخر ومؤثر الواقع الليبي وهمومه واهم قصصه القصيرة ” امانة التعبئة ، الكرسي ، والشطرنج الجماهيري ” ،كما صدرت له مؤخرا عن دار الفرجاني رواية “حوليات الخراب” .

القصيدة :

قصيدة منفى للشاعر الليبي عمر الكدي هي إولى قصائد ديوانه منفي ومنفيون ، وهي قصيدة طويلة جدا ذات نفس ملحمي واضح. تتضمن ثمانمائة وعشرين سطرا ، قسمها الشاعر بشكل مرتب ودون ترقيم الى أربعين مقطعا ،وأجتهد ليلخص فيها بشكل سردي مدهش وجميل بعض تفاصيل حياته وحكاياته وعلاقاته بوطنه وذاته وبالمحيطين به ، وقد تشكلت القصيدة من واقع ومعاناة التشرد والام وقسوة الغربة التي عاشها الشاعر مرغما بعيدا عن وطنه وأهله ، لينقل من خلالها بأسى ومرارة قصة حياته خارج بلاده في المنفى فصور من خلال ابياتها ومقاطعها حالات متعددة لشاعر  تغرب عن وطنه وعاش وحيدا، وخاف أن يموت في الغربة ولا يعرف عنه أحد فكتب القصيدة لتكون قصة جميلة مؤثرة وليكون هو وحده شاعر قصيدة منفى وبطلها بلا منازع .

 

القراءة :

أعلن عمر الكدي عن طبيعة قصيدته من عنوانها ،و بين للقاري وبشكل مباشر نوع القراءة التي تتطلبها قراءة قصيدته الطويلة التي عنونها بكلمة واحدة منمقة وجميلة وواضحة ولفظة مشحونة بدلالات لن تخفي عن القاري ( منفى ) . هكذا بدون مقدمات فلا تمويه ولافخاخ توهم ذهن الذاث القارئة وتربكها وتضعها في حالات التأويل المختلفة لتوحي بشكل ما ان فعل القراءة لقصيدته ليس سهلا كما يفعل الكثيرين بل العكس تماما حرص عمر الكدي على كسب ود المتلقي من العتبة الأولى بذكاء مكنه من أن يجعل القاري يمسك برأس الخيط بسهولة ويسر ويبدا في جذبه عبر نصه الطويل جدا حتى يصل به إلى أخر كلمة ،وليكون عنوان قصيدته كهدية أو كمفتاح واحد ويمكن للقاري بواسطتها من الدخول مباشرة الى بهو القصيدة وغرفها الكثيرة وشبابيكها الملونة المتباينة فكلها تتحدث عن المنفى الموضوع الرئيسي لها

وعند قرأة القصيدة يمكن وبسهولة الوصول لما يريد قوله الشاعر ، الذي وطد علاقته بالمكان بشكل متماسك من مقطع لأخر في القصيدة كلها .فاستهل قصيدته الطويلة بجملة (ها أنت ذا ) التي تثير التأمّل والتنبيه، لتكون مدخلا مهما احيانا يكررها أكثر من عشر مرات في القصيدة كلها مخاطبا نفسه دائما فينتقل بالقاري من محطة لاخرى لينبهه لمرحلة جديدة وصلها الشاعر ،أو يصيف له حدثا مهما أثر في حياته فيقول مثلا ” ها أنت ذا تخرج إلى المنفى” و بعدها بسطور ” ها أنت ذا تعمل في مطعم كبير ” وأيضا ” ها أنت ذا في شقة صغيرة بمدينة دلفت” ومرة أخرى ” ها أنت ذا تتعلم لغة مليئة بالخاءات “وأخيرا ” ها أنت ذا في إذاعة هولندا “وبذلك تمكن  الشاعر بسهولة ويسر من أن يحقق قيمة ايقاعية مهمة من خلال تكرار ووضوح جملة (ها أنت ذا ) التي ساعدته كثيرا في أن يبقى متشبتا بأسلوب السرد القصصي الجميل الذي يتقنه بشكل جيد، ويترك اثره في المتلقى الذي كون فكرة واضحة عن مكان وجود الشاعر نوعن الأمكنة التي ابتعد عنها ويتوق حنينا للعودة اليها .

وقد حفلت القصيدة الملحمية الطويله للكدي بأماكن كثيرة لها علاقة نفسية ووجدانية به ،نقل من خلالها سعادته والمه ،فرحه وحزنه ،ضحكه وبكائه ،أحساسه بالامن وأحساسه بالخوف،وذلك بحسب المكان والمشاعر التي يكنها الشاعر لهذة الأماكن التي منها مايسميها باسمها ومنها ماتستعيده ذاكرته أيام طفولته ،ومنها ماتحدت عنها بحميمية اكثر من غيرها سواء تلك التي في وطنه ليبيا او تلك التي في هولندا  ومن أبرز هذه الأماكن مكانه في المنفى حيث عاش فيشير اليه بقوله ” تنام في عنابر مع لاجئين عابرين”  أو ينقلنا الى  ” … شقة صغيرة بمدينة دلفت ”   ويصف عاصمة المملكة التي منحتة اللجوء ” أمستردام عشرها مبغى… وربعها متاحف ”   ولاشك ان حرص الشاعر على ذكر  هذه الأماكن  وغيرها ونسج المشهد الدرامي حولها في متون قصيدته يعكس بوضوح أهمية البعد المكاني ومدى تاثيره على مشاعر الشاعر  المتبدلة والمتباينة بحسب كل مكان وعلاقته بالمحيط الذي حوله . فيمكن أن نلمس مثلا شوقة لمدينة غريان التي ولد فيها وعاش فيها جزء مهم من حياته من خلال  ” ففتقد رحلة البحث عن الكمأ ..وتين أجدادك الأخضر والأسود” تم يتحدث بشكل مباشر عن مايفتقده وهو في هولندا فيقول ” تفتقد الجبال والغيوم الشحيحة”  وأيضا قوله ” لا تين ولا زيتون في هولندا ” وقوله” لا جبال في هولندا..تفجر فيك الحنين بلاد مسطحة تشقها القنوات ” والمميز في قصيدة منفى  إلى جانب طول عدد ابياتها ومقاطعها هو أنه رغم السائد في أن الفعل الماضي يتناسب مع عملية السرد أكثر ،إلا ان  الشاعر استخدم المضارع بشكل أكثر ليتحدت عن بعض هذه الأماكن حتى وهو يسترجع ماض بعيد او قريب بذكرياته القديمة الحزينة والمفرحة فلبست القصيدة بذلك توبا مختلفا جعلها تقترب وهى مزهوة من السرد القصصي الجميل ومن أفعال المضارع أو الصيغ المركبة الدالة على الفعل المضارع التي جاءت في القصيدة ” تخرج إلى المنفى ” ” تصرخ في المطارات ”  ” تغلف الورود والنباتات ”  ” تدخل إلى بيوتهم صاخباً.. وتخرج صاخباً ”  ” تزاحم البط والأوز والبجع وتلتقط في الهواء ما يرميه العابرون ” “تمضي في الشوارع المزدحمة

وبشكل مختصر ومفيد فقد حضر المكان في هذه القصيدة الطويلة لعمر الكدي حين حضي بمقدمة اهتمامه في الأربعين مقطعا تقريبا ، ليظهر شوقه في وجـدان القصيده (منفى) كلها خاصة تلك المقاطع التي تتناول شوقه لاصدقائه وأماكن صباه في طرابلس وغريان وليبيا كلها ، وفي القصيدة عددا من المواقف والعواطف والانفعالات ، وغيرها من العلاقات التي تظهر تدريجياً،وتعكس علاقة الشاعر بالامكنة التي رغم انها لم ترد مرتبة ترتيباً منطقياً زمنياً تصاعدياً ولكنها جاءت شبيهة بالأمواج المتتالية، ومع ذلك وفق الشاعر في أن يجعل لكل منها خصوصية ضمن المكان ، وهكذا نجد ارتباط الكدي بالمكان ليس بوصفه مكاناً فحسب، وإنما من خلال ظاهرة جديدة مواكبة للأحداث التي تدور في وطنه وفي العالم من حوله ، قدمه لنا الشاعر كنصوص ًشعرية محاكيه للمكان بروح شفافة وعاطفة  قوية وصادقة كما عودنا عمر دائما في كل اعمالة الإبداعية المتميزة .

مقالات ذات علاقة

يوسف الشريف يستعرض «الخلاصة» في كتاب جديد

المشرف العام

روايات ليبية تتحدى رحى الحرب

المشرف العام

الحُلم في “زَهرةِ الرِّيح”

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق