المقالة

المكان باعتباره طِرْساً

شكل عام، أي سطح قابلٌ لأن يكون محلا للكتابة و،بالتالي، حاملا لنص، بغض النظر عما إذا كان هذا”النص” رمزيا، مثل الوسم والوشم، أو لغويا. فجسد الحيوان يمكن أن يحمل نصا، هو السمة التي تحدد ملكيته. وجسد الإنسان يمكن أن يحمل نصوصا تتمثل في الوشم، الذي يُقرأ هنا قراءة دلائلية Semiological أو آنثروبولوجية، أو حتى كتابة لغوية تحيل إلى معنى.

والمكان أيضا قابل لأن يكون حاملا لنصوص من أنواع مختلفة. الحيوان، من خلال آثار أقدامه وفضلاته وروائحه وما يتخذه لنفسه من مأوى، يحول المكان الذي يحل به إلى”نص”، وهذا النص”يدرك” من قبل حيوانات أخرى بواسطة الغريزة. لكن الإنسان ذا الخبرة، من أمثال الصيادين ومتتبعي الأثر والعلماء المتخصصين يقرأون”نص الحيوان” بواسطة رصيد معرفي ويستوعبونه بالعقل ويبنون عليه مواقف وردود أفعال ومعارف ونظريات تثري الثقافة الإنسانية وتطورها.

بيد أن تحويل الأمكنة إلى نصوص، تحويلا حقيقيا، إنما يتم على يد الإنسان، وبملكة استجلاء المعاني والدلالات لديه يقرأه قراء خلاقة ويكشف عن خصوبته المعنوية. فالمكان في حالته الطبيعية البكر يكون مجرد جغرافيا صامتة، وبدخول الإنسان إليه يصبح ناطقا ويتحول إلى تاريخ.

فالشاعر العربي القديم الذي كان يقف حزينا ملتاعا على الأطلال، حيث كانت تقيم الحبيبة، لا يقف على المكان باعتباره جغرافيا صامتة، وإنما باعتباره تاريخا ناطقا. فالأثافي والرماد وكِسَر الأواني، وأية بقايا أخرى، تصبح أجزاء أو فقرات من نص متكامل نابض بالحياة أسهمت الحبيبة في تأليفه. أي أن هذه الأشياء تصبح حاملة للدلالات والمعاني وتحيل إلى تاريخ إنساني. وكذلك هو الشأن في بقايا المدن القديمة(الأثرية) أو المدن العريقة المستمرة فيها الحياة والتي تحمل آثارا[نصوصا] متراكمة تسجل تاريخها، من مثل أثينا ودمشق وصيدا وطرابلس وقرطاج… وهنا يتحول المكان إلى طِرْسٍ* تتراكم عليه، وتتداخل فيه الكتابات.

يكون المكان غفلا من الإسم، فيأتي الإنسان ويطلق عليه إسما ما، وبفعله هذا يكون قد أدخله التاريخَ وحدد هويته. ذلك أن التسمية، عموما، تحديد لهوية الشيء ومحاولة للتحكم فيه وامتلاكه، معنويا أو ماديا، وبالتالي فالإسم نص. لذا يتم تغيير أسماء المدن بتعاقب المحتلين لها أو بتعاقب الأنظمة السياسية. فأويا Oea الفينيقية تتحول إلى تريبوليس Tripolis الرومانية ثم طرابلس العربية الإسلامية، وهنا يتم”تصحيف” الإسم بتغيير نطقه في لغة أخرى غير لغته الأصلية، مثلما حدث في منطقة شرق طرابلس تسمى الآن”المنقيط” وأصل التسمية Main Gate ، البوابة الرئيسية، لأنها كانت بوابة زمن الإدارة البريطانية لليبيا. هنا تمت”مصادرة” المنطقة وإعادة تملكها من قبل أهلها من خلال”تشويه” نطق اسمها الأصلي. أي أنه تم”تحريف” النص الأصلي. ومدينة الزهراء، الواقعة جنوب غرب طرابلس، أطلق عليها هذا الإسم بداية السبعينيات ضمن حملة التعريب التي انتهجها النظام، وهي تسمية تعد ترجمة لاسمها الأصلي الذي أطلقه عليها الإيطاليون حين أقاموها كمستوطنة زراعية، هو بيانكي Bianchi أي البيضاء، وهي ترجمة مجازية، غير حرفية، موفقة تماما، لأن البياض دلالة على الصفاء والنظافة والتألق والازدهار.

وكذلك هو الشأن مع تسمية الشوارع والمرافق وتعاقب التسميات(الكتابة) عليها، حيث يمحى الإسم الأول ويكتب بدلا منه إسم جديد بناء على مستجدات تاريخية تمر بالبلد. فشارع 24 ديسمبر بطرابلس يزال إسمه ويكتب بدلا منه إسم جديد هو 1 سبتمبر، ثم الفاتح، وأخيرا يعاد إليه إسمه الأول.

منذ أكثر من عقد ذهبت إلى مدينة ودان في منطقة الجفرة في الجنوب الليبي. كان أخو مضيفي مسؤولا في”اللجنة الشعبية” للمدينة وحكى عن مشكلة كانت تواجه هذه اللجنة تتمثل في أن الدولة قررت إقامة حي سكني هناك ووقع العطاء على شركة كورية وسهت الدولة عن تسمية هذا الحي، فأخذ الناس هناك يسمونه”حي سوزاي” باسم الشركة الكورية المنفذة، وخطر للدولة الآن تغيير اسم الحي وأن”اللجنة الشعبية” تعقد اجتماعات لإيجاد الإسم البديل(تغيير نص المكان) وكيفية محو الإسم القديم(النص القديم) من طرس المكان، ومن أذهان الناس. لا أدري ماذا حدث بعدها، لكنني على يقين من أنه مازال على ألسنة الناس”حي سوزاي”.

أذكر أن معمر القذافي في حديث له في سنة من سنوات الثمانينيات احتاج إلى الاستشهاد باسم مستشفى في طرابلس كان ملكا خاصا يسمى باسم صاحبه، وبعد عمليات التأميم التي قام بها النظام نهاية السبعينيات أطلقت عليه الدولة إسما جديدا، فغاب عن ذاكرته الإسم الجديد(الذي قد تكون له به صلة مباشرة أو غير مباشرة) فقال:
– هذا الي الناس تقوله مستشفى اندير!

فأمده أحد الحضور بالإسم الجديد: الفاتح.

وكأن حبر الإسم الجديد، في هذه الحالة، سرعان ما بَهُت، على الطرس الذي كان يقرأ منه القذافي، وظل حبر الإسم القديم واضحا.

___________________________________________________________________

* الطِّرْسُ، الجمع: أطراس وطروس: أي سطح معد للكتابة وقابل للمحو والكتابة عليه من جديد. ويستخدم ترجمة لـ Palimpsest وهي مفردة بنفس المعنى تستخدمها مدرسة التناص النقدية Intertextuality مصطلحا يقصد به أن أي نص يرتبط، بوعي من كاتبه أو بدون وعي، بجملة علاقات مع نصوص أخرى سابقة. كما لو أنه مكتوب على طرس سبق وأن كتبت عليه عدة نصوص ومحيت ولكن ظلت آثار بعض جمل وألفاظ منها ماثلة بقدر من الوضوح يُمَكِّن القاريءَ المتمعن من تبينها.

_____________________

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

الضفدع الجميل

فاطمة غندور

مركز الجهاد الليبي

أسماء الأسطى

رمضان الأفريقي

فاطمة غندور

اترك تعليق