قصة

المـصـعـد

دخلتُ المصعدَ.. وبينما كنتُ أهمُّ بالضغطِ على زرِ الدورِ العاشرِ في الفندق تفاجأتُ بها تدخلُ عليَّ مسرعة.. تنحيتُ جانباً.. التصقتُ بزاويةِ المصعدِ تاركاً لها المجالَ لتختارَ الزرَّ الذي تريده.. لم أتفاجأ حينَ ضغطتْ على نفسٍِ الزر الذي كنت أنوي الضغطَ عليه.. انغلق البابُ وبدأ المصعدُ رحلته نحو الدور العاشر..

التفتتْ إليَّ ورمقتني بنظرةٍ.. وكأنّها تريدُ أن تقولَ شيئاً ما.. التقتْ عيناي بعينيها.. أطرقتُ خجلاً.. ثم خيمَ صمتٌ مطبق بدا معه المصعدُ وكأنه يعرجُ بنا إلى السَّماء.. لمحتُ فيها من النظرةِ الأُولى مسحةََ حزنٍ تحاولُ أن تخفيها بقليلٍ من الكبرياء وشيءٍ من الأنفة يساعدُها في ذلكَ أناقتها وملابسها شبهِ الرسمية.

رائحةُ عطرها التي تملأُ المكان جعلتني أحسُ نحوها بالإجلال.. وأشياءَ أخرى.

أخرجتُ هاتفي المحمول أعبثُ به محاولاً التخفيفَ من حدةِ الصمتِ دونَ جدوى.. أحسُّ أنَّ عَيْنيها تداعبانِ كلَّ جزءٍ من جسدي.. لم أجرؤْ على النظرِ إليها.. رغمَ أنني على يقينٍ بأنّها لا تزال تنظرُ إليّ.. شعرت وكأنّها تخرجُ شيئاً ما من حقيبتها..

“آلو…. نعم….. لا مش فاضية..!!”

كانتْ هذه كلُّ المكالمة.. ثم يطبقُ الصمتُ من جديد.. انتهزتُ فرصةَ مكالمتها القصيرة مستجمعاً ما تبقى لي من شجاعةٍ.. ورميتها بنظرةٍ خاطفةٍ.. التقتْ عيناي بعينيها في ذاتِ الوقتِ الذي قالتْ فيه “مش فاضية”.

شعرتُ للوهلةِ الأولى وكأنَّ الكلمةَ موجهةٌ لي أنا بالتحديد.. سارعتُ إلى إطراقي.. ولم أجرؤْ على معاودةِ الكرّةِ.. أحسستُ بأنني أمامَ شخصٍ مهمٍ في هذا الصندوقِ الضيق.. تساءلت في نفسي : من تكونُ هذه المرأةُ الأربعينية..؟؟

ومن هذا الذي نهرتهُ بقولها ” مش فاضية “..؟؟

أسئلة غير ذات أهميةٍ.. لكنّها كانتْ ملحة.. المهم أننا قد وصلنا إلى الدور العاشرِ وها هو البابُ قد انفتحَ ليقطعَ ذلكَ الصمتَ الرهيب.. تسمرتُ في زاويتي لأفسحَ لها المجالَ كيْ تخرجَ قبلي.. خَرَجَتْ بخفةٍ وثباتٍ رغمَ كعبِ حِذائها العالي.. أتبعتُها بنظري أتأمَّلُها من رأسِها إلى أخمص قدميها لعلي أجدُ إجابة على تساؤلاتي غير المبررة.. دخلتُ غرفتي.. حاولتُ أن أنسى ذلكَ الحدثِ العادي.. لكنَّ شيئاً ما صَعَقَني..!!

الهواتفُ المحمولةُ لا تعملُ داخلَ المصعد.

مقالات ذات علاقة

فـــــأر

المشرف العام

لعـبةُ المكعـبات

محمد المغبوب

مقعد لعاشقين[1]

رحاب شنيب

اترك تعليق