المقالة

المـرأةُ في الأدب الإنسـانيِّ

من أعمال التشكيلية الليبية نجلاء الفيتوري.
من أعمال التشكيلية الليبية نجلاء الفيتوري.


المَـرْأَةُ هِيَ أَسَـاسُ المُجْتَمَعِ الإِنْسَانِيِّ، وَسِرُّ الحَيَاةِ المَكْنُونِ، إِذْ كَيْفَ تَكُونُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا بِلاَ مَـرْأَةٍ؟، وَقَدْ خلقها اللهُ عَــزَّ وَجَـلَّ لِتُكْمِلَ مَسِيرَةَ الحَيَاةِ، وَتُسَاهِـمَ مَعَ الرَّجُـلِ فِي إِعْمَـارِ هَـذَا الكَــوْنِ.  

يقُولُ الفيلسُوفُ والحكيمُ الصِّينيُّ كونفوشيوس عَن المَـرأة: “إنَّهَا أَبْهَجُ شَيْءٍ فِي الحَيَاةِ”. وَأَيُّ شَيْءٍ أكْثَرُ بَهْجَةٍ مِمَّنْ زَرَعَ اللهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهَا الحَنَانَ والمحبَّة بالفِطْرَةِ، فَهِيَ الأُمُّ وَالأُخْتُ والزَّوْجَةُ وَالمُعَلِّمَةُ وَالمُرَبِّيَّةُ..، وَبَانِيَةُ نَهْضَةِ المُجْتَمَعِ الإِنْسَـانِيِّ وَتَطَـوُّرِهِ وَعُمْـرَانِهِ.

بدايةً نُشيرُ إلى أنَّ المرأة من النَّاحية اللغـويَّة بإيجازٍ: هي أُنْثَى الإنسان البالغة..، وتحضُرُ المرأةُ في مُختلف الخطابات الإنسانيَّة بوصفها قرينة الرجل، سواءٌ باعتبارها زوجةً أو أختاً أو أمّاً، وفي كُـلِّ الأحوال تلعبُ دور المُساعـد والمُحفِّـز للرَّجُـل في القيام بوظيفته الاجتماعيَّة(1).

وليس من قبيل التكرار التأكيد على الأهمية القُصوى لمُساهمة المرأة في بناء أيِّ مُجتمعٍ مُعاصرٍ، إلى درجة أنَّ مُشاركتها أصبحت مُحرِّكاً للرُّقيِّ الاجتماعيِّ ومقياساً للتَّنمية الاقتصـاديَّة(2).

ويرى بعضُ العُلماء أنَّ: “نضال المرأة لم ينتظر نهاية الألفيَّة الثانية حتى يبدُو ظاهراً، هذا ما كتبهُ عالمُ الاجتماع مانويل كاستلس. إنَّهُـنَّ ومُنذُ الأزل إحدى مُكوِّنات التَّجربة الإنسانيَّة، حتَّى ولو ارتدين أشكالاً مُختلفة تجهلُها كُتُبُ التَّاريخ، أو كانت غائبة كليا عن الوثائق المكتوبة”(3).

إن ألوان الاضطهاد الذي عانت منه المرأة في كثير من بلدان العالم في فترات تاريخية مختلفة سببه عدم إدراك دور المرأة في المجتمع، والنظرة الدونية لهذا الدور، وبالتالي، فإن “إعلاء شأن المرأة مفتاح الطريق نحو نهضة إنسانية شاملة؛ إذ لا نتصور أن تقوم تنمية إنسانية ونصف البشرية ضعيف أو مستضعف، خاصة أن هذا النصف يملك من القدرات الخاصة ما يمكنه من التفوق في مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وهو الأمر الذي يحرم المجتمعات المُضعِفة للمرأة من مزايا ضخمة من منظور التنمية الإنسانية”.(4)

كيف يُمكنُ أن نبني مُجتمعاً قويّاً بدُون مُساهمةٍ فاعلةٍ من المرأة؟، لا يُمكنُ ذلك بالطَّبع؛ لأنَّ بناء المُجتمع القويِّ وتحقيق النَّهضة المنشُودة يقُومُ على تضافُـر جُهُـود كُلِّ أبناء ذلك المُجتمع رجالاً ونساءً، على اختلاف أدوارهم ووظائفهم وتخصصاتهم وطبيعة مساهمتهم في تحقيق ذلك الهدف.

وقد دأب الدارسون على رصد مشاركة النساء في مختلف حقول المعرفة تنظيرا وإنتاجا وإبداعا، وتوصيف مواطن الإضافة، ومواضع التقصير(5).

ولو ألقينا نظرة سريعة على “المرأة في الأدب الإنساني” فسوف نلاحظ أن قضية المرأة كمضمون فكري فرضت نفسها –كما يرى دكتور/ نبيل راغب-بقوة ووضوح على الأدب العالمي منذ أن تبلورت ملامحه، وواكب المسيرة الحضارية للإنسان. ذلك أن الدور الذي لعبته المرأة كان دورا عالميا وتاريخيا في الوقت نفسه، وبدأ في الأدب مع بدايته منذ هوميروس و يوريبيديز حتى عصرنا الحاضر. وكانت الخصائص التي شكلت دور المرأة متشابهة تشابها فريدا على مر العصور وفي مختلف البقاع، مما يدل على أن المرأة كانت تفكر تفكيرا غريزيا بعيدا عن التقاليد المحلية المؤقتة”.. ويضيف د/ راغب: “أنه عبر تاريخ المرأة في الأدب العالمي كان الأدب المسرف في العاطفية يسير موازيا لشخصيتها، أحيانا كان بمثابة الظل وأحيانا أخرى كان الواجهة التي نرى المرأة من خلالها”.. ولا عجب في هذه الأهمية للمرأة حيث أنها كانت وستظل محورا من المحاور الرئيسية التي يدور حولها الأدب الإنساني(6).

ولقد سبكت ثقافتنا العربية المرأة في ألواح ملونة من الصور، من المرأة المحبوبة إلى الأعرابية، إلى المرأة الذكية الغيورة… ولقد شكلت المرأة ومازالت تشكل مجالا خصبا للكتابة، إذ حظيت بمكانة بارزة داخل الثقافة العربية، سواء كانت مكتوبة كالشعر والنثر (القصصي والروائي)، أو كانت شفاهية كالحكايات والأمثال الشعبية وغيرها من فنون التعبير(7).

ولقد كرَّم الإسلامُ المرأة تكريماً عظيماً، ومنحها حُقُوقاً عديدةً، ومن أبرزها مثلاً المُساواة في الإنسانيَّة، قال الله تعالى -:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. {سورة الحجرات: الآية 13}. ويقُولُ رسُولُ الله عليه أفضلُ الصَّلاة وأزكى السَّلام: “إنَّما النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَـالِ”، أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع(8).

ورغم هذه المكانة المهمة للمرأة نجد أنه ما يزال هناك من يصف بسمات تستدعيها أدوارها الإنجابية، ولا يأخذ بعين الاعتبار الآثار التي تحدثها التغيرات التي طرأت على واقعها في التعليم والعمل وغير ذلك(9).. وما نحتاجه اليوم من أجل الحد من هذه النظرة التقليدية المتخلفة هو تطوير الذهنيات، والتوعية المجتمعية المستمرة بمكانة المرأة المهمة في المجتمع، من أجل بناء مجتمع إنساني متوازن، يتمتع أفراده بحقوقهم، ويعيشون حياة كريمة، دون تهميش أو إقصاء(10).  

ولا سبيل إلى ذلك إلا باعتماد سياسات تدعم منزلة المرأة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بما يضمن توسيع مشاركتها في مسيرة التنمية الوطنية الشاملة(11)، ويمكنها من السير بمجتمعها إلى بر الأمان في معطيات عصر العولمة الحالي والنظام العالمي الجديد(12).


* الهـوامـش:

(1) أمينة الفردان، الأنثى والموروث الثقافي القروي: دراسة إثنوجرافية في قرية بحرينية أنموذجا كرزكان، المنامة/ مملكة البحرين: منشورات الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر، 2015م، ص13. 

(2) علي محمد عبد الله، المـرأة العـولمة والعـطـاء، القاهـرة: وكالة الصحافة العربية، 2012م، ص ص4-5.   

(3) جان فرانسوا دورتيه (إشراف)، معجم العلوم الإنسانية، ترجمة: جورج كتورة، ط1، أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (كلمة)، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2009م، ص977.     

(4) للمزيد أنظر: منى حسين أبو طيرة، “دور المرأة العربية في عملية التنشئة الاجتماعية: التحديات والمواجهة”، في: مجموعة باحثين، أعمال مؤتمر المرأة في مجتمعاتنا على ساحة أطر حضارية متباينة، القاهرة، جامعة عين شمس، (14-16/نوفمبر/2006م)، الجزء الثاني، القاهرة: جامعة عين شمس، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع، ومركز الدراسات المعرفية، 2006م، ص6.

(5) آمال قرامي، “قد آن أوان إزالة الحجب”، في: مجموعة باحثين، المرأة: التجليات وآفاق المستقبل، أوراق مؤتمر فيلادلفيا  الدولي التاسع عشر، (28-30/تشرين الأول أكتوبر/2014م)، تحرير ومراجعة: غسان عبد الخالق وآخرين، عمَّان/ الأردن: منشورات جامعة فيلادلفيا، 2016م، ص ص14-15.

(6) أنظر: د.نبيل راغب، موسوعة الفكر الأدبي: الجزء الأول، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988م، ص ص157-162. 

(7) “المرأة في الأدب العربي الحديث”، عرض تقديمي، تاريخ الاطلاع: 22/11/2020م، متاح على الرابط المختصر التالي:  https://cutt.us/Lrt5F وأنظر حول تناول المرأة في الأدب العربي المعاصر: إبراهيم السعافين، “النسوية الهامش والمركز: تقاطعات الرواية والسيرة الذاتية”، في: مجموعة باحثين، المرأة: التجليات وآفاق المستقبل، أوراق مؤتمر فيلادلفيا الدولي التاسع عشر، مرجع سبق ذكره، ص ص385-387.

(8) للمزيد أنظر مثلا: نجاح أحمد، بدايات الحياة العلمية والأدبية في المملكة العربية السعودية، جدة/ السعودية: دار المحمدي للنشر والتوزيع، 2003م. وكذلك: سعاد القدسي وزينب رضوان(إعداد)، دليل تدريبي ومواد تعليمية في مجال: حقوق النساء في الإسلام، اليمن: ملتقى المرأة للدراسات والتدريب، بالتعاون مع المؤسسة الألمانية (GTZ)، 2004م.    

(9) عزة شرارة بيضون، “الثبات والتحول في أدوار النساء النمطية: التصورات والاتجاهات(حالة لبنان)”، المجلة: العربية لعلم الاجتماع(إضافات)، بيروت، العدد: 25، شتاء 2014م، ص67. 

(10) للمزيد أنظر: المرجع السابق نفسه، ص ص 81-82. وكذلك: عبدالرحيم العلام، “ترسانة قانونية تحد من تطور وضعية المرأة في المغرب”، المجلة: العربية للعلوم السياسية، العددان: 45-46، شتاء-ربيع 2015م، ص ص125-133. و: د.سعاد إبراهيم صالح، “التكامل بين الجنسين وأثره علي استقرار الأسرة”، في: مجموعة باحثين، أعمال مؤتمر المرأة في مجتمعاتنا على ساحة أطر حضارية متباينة، القاهرة، جامعة عين شمس، (14-16/نوفمبر/2006م)، الجزء الثاني، مرجع سبق ذكره، ص ص 19-28.

(11) علي محمد عبد الله، المـرأة العـولمة والعـطـاء، مرجع سبق ذكره، ص ص 14-16. وأنظر مثلا: فتوح عبد الله الشاذلي، الحقوق الإنسانية للمرأة بين التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية، ط1، الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2010م.  وكذلك: عبد العال عبد الرحمن سليمان حسين، مصر والاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان، رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2008م. 

(12) آسيا محمد الشريف، “حقوق المرأة العربية في ظل العولمة: الخصوصية الثقافية للمجتمع”، مجلة: العلوم والدراسات الإنسانية، جامعة بنغازي، العدد: الرابع، ديسمبر 2014م، ص17.

مقالات ذات علاقة

استمر صنماً

نجوى بن شتوان

الأرض يا إنسان !

علي بوخريص

محكية بلا ضفاف

مهدي التمامي

اترك تعليق