قصة

المربوعة

3faf_Essomali_01

غرفة ملحقة بالبيت، وغالبا ما تكون واسعة ومشرقة، لها مدخل خاص وقريبة من باب البيت الخارجي المؤدي إلى الشارع. المربوعة هي حجرة الرجال. تنطلق من داخلها قهقهاتهم العالية الخشنة، ونبرات صياحهم المتشابكة، يسبح فيها دخان كثيف لسجائر يمتصونها بقوة ثم يسحقونها في طفايات متناثرة على أرضيتها. تتكدس خارجها أحذيتهم وخفافهم بشيء من الفوضى.

بلغ فتح الله الستين من العمر دون زواج. تيتم باكرا مع شقيقيه وعاشوا في كنف جدتهم لأبيهم. حين تزوج شقيقه الأكبر انتقلا معه إلى بيته حيث بنى مربوعة واسعة لصيقة بالسور الخارجي للبيت.

تزوج شقيقه الذي يصغره وأنجب، ولم يتبق إلا هو دون زواج… تردد في البداية عندما أرسلت اليه زوجة أخيه برسالة عن طريق زوجها بأنها عثرت له على عروس من قريباتها.. ليجيبها بعد ايام بعدم الرغبة.

وبعد وفاة شقيقه، تجاسرت إحدى بنات أخيه وعرضت عليه تزويجه، فأعرض عنها ولم يكلمها لأشهر. بعدها لم يتجرأ أحد من قاطني البيت على فتح موضوع الزواج خشية أن يجمع حوائجه ويرحل.

كان فتح الله طويل القامة، تشوبها انحناءة خفيفة نحو الأمام تجعله يبدو في حالة خجل دائم، ملامح وجهه قاسية، عيناه ضيقتان وأنفه مدبب. منذ رحيل شقيقه استلم مفتاح المربوعة، يفتح ضلفتي بابها كل خميس بعيد المغرب، يطرح المنادير المكدسة على بعضها البعض في ركن المربوعة، ويضعها كسلسلة مترابطة ملاصقة لحوائطها، ثم يوزع عليها المخدات. يقبل الرجال جماعة أو فرادى ينزعون خفافهم أمام بابها، يدخلون وهم يلقون التحية بصوت جهوري. بعضهم يجلس على المندار متربعا، وآخر يحني احدى ساقيه بزاوية قائمة ويستند عليها، أما أغلبهم فينطرحون على المنادير وهم يقبضون على المخدات بأذرعهم في حركة أشبه بالمصارعة التي تنتهي بفوز الضيف وطرح المخدة أرضا.

كان لفتح الله شخصية أخرى داخل مربوعته، يقهقه، ويتحدث بصوت عال، ويطلق النكات والقفشات. لا يصدق أبناء أخيه ما يصل إلى آذانهم من بقايا صوته عبر شقوق نافذة المربوعة المطلة على مدخل البيت..

وللمربوعة طقوس. توزع كؤوس الشاي بانتظام، ثم غالبا ما تنتهي السهرة بوجبة مكرونة امبكبكة حارة في قصاع من الخزف الملون، فتخفت الأصوات في المربوعة لتحل محلها رشفاتهم من الملاعق المليئة بالمرق الأحمر. كما وأن للخروج منها طقوسا، حيث يودّع صاحب المربوعة ضيوفه إلى الباب الخارجي، وهو خروج عادة يصاحبه جلبة وصياح مبهج يصدر عن فتحة الباب بينما يبحث الضيف عن خفيه أو حذائه ما بين تلك المبعثرة أمام باب المربوعة.

في الشتاء…. ما إن يفتح باب المربوعة حتى تهجم سحب الدخان، إلا أنها سرعان ما تخر قواها ويلتهمها الهواء البارد.

تضايق فتح الله من التعليقات التي تلسع أذنه من حين لآخر: “فتح الله مايحبش النساوين”… “فتح الله متعقد”…” كيف يقدر يعيش من غير مرا؟”… “عزري حويل”… يراها في عيون الرجال كما يراها في حدقات النساء التي تدور على وجهه سريعا… لكنه اعتاد عليها بعد أن أصبحت تلازمه كظله.

كان يكبر دون امرأة لكنه لم يشعر بالوحدة، ولم يشعر بالحاجة إليها… يومه مزدحم بالعمل في انتظار يوم الخميس حين تمتلئ المربوعة وتضج بالأصوات الجشاء والقهقهات العالية التي تتصادم داخلها…

حتى بدأ فتح الله يشعر بوخزات تنطلق من عيني “حليمة”… لم يلتفت إليها… وفضل استقبالها بظهره حتى اعتاد عليها..

تقطن حليمة ببيت أهلها المجاور، لم تتزوج بعد رغم تخطيها العقد الخامس بتكاسل… معلمة بمدرسة قريبة. تخرج صباحا في ذات توقيت خروجه، تتعبأ عيناها برؤيته كما تتعبأ الوديان بالمطر فتنتعش روحها ولا تبالي بعد بالزمن. حتى خطوط وجهها آلفتها وتعايشت معها. كان الحب الذي لم تستطعمه قد غزا أوصالها وملأ عروقها واختلط بدمائها فتفجرت ملامحها وأزهرت أنوثتها الخاملة. تخفي ضحكتها وهي تتصرف كالمراهقات. قرأت ذات مرة أن الحب كالمطر يغزو حتى الأراضي القاحلة ويعشبها. بدأت ترى تفاصيل الحياة وتعشق الطبيعة التي كانت تتذمر منها… لم تعد تتذمر من شيء، تمشي تحت زخات المطر إلى مدرسة وهي منتشية، تلتحف بالطوها الثقيل وتخبئ كفيها في جيبيه وهي دافئة، ينبع العرق صيفا من جسدها ويسيل ما بين ثدييها فلا يقلقها.. تعبث ريح القبلي بحجابها وتعفر مقدمة شعرها فلا تتبرم .لم تعد تصيح في طلابها، امتلأ قلبها بالحب حتى فاض وعم غرفة الفصل.. ولم يعد لون حائط الفصل الرمادي بالقتامة التي كان بصرها يراه بها.

أصبحت تفاصيل الحياة ايقاعا ترقص عليه يوميا. المهم ان ترى فتح الله صباحا كل يوم.. لم يخلف وعده الذي لم يقطعه على نفسه وهو أمر اعتاد عليه، يخرج كل يوم في ذات الموعد فتراه… فهل يراها.

كان فتح الله مناسبا لها في العمر وقريبا من سكناها… كان أملها أن تقترن به وتنجب… تتكور بطنها، وتنتفخ أطرافها وتتألم وتصرخ حتى يخرج عليها طفل يشبهها أو يشبهه…… لم يطرق باب بيتهم رجل من أجلها رغم أن مربوعة اخيها تمتلئ بالرجال…كلهم يتجهون إلى المربوعة ولم يتعثر أحدهم بها… تتابع بعينيها الواسعتين أجسادهم المتحركة كالأشباح بعد صلاة المغرب وهم يتدافعون بأكتافهم للدخول عبر باب المربوعة الضيق ويتخطون عتبتها بأقدامهم العارية… تحاول التحقق من ملامحهم عبر نافذة المطبخ فلا تستطيع… إلا هو، لا تخطئ قامته وانحناءته وقهقهته العالية.. تحاول جاهدة أن تتخيل وجهه العبوس وهو يقهقه فلا تستطيع….

تعاقبت الفصول على قلبها كما تعاقبت حولها، وذاك الحب الذي غزاها روحا وجسدا خف دبيبه في عروقها… لم يحيها فتح الله يوما، لم يمعن فيها النظر وهي التي تتزين وتلبس له، لم تتجاوز كلماته تحية الصباح التي يردها ولا يبدأها… جف المطر على الأرض الجدباء، فاصفر العشب، ثم تناثر كأوراق الكراريس التي تصححها… تناثر حتى تلذذ التلاميذ بدهسه وسماع هسيسه. هكذا هي اصبحت ورقة شجر مصفرة، بارزة العروق تقذف بها الرياح ولا يراها أحد…

أهكذا يفعل الحب؟ يورق ويينع القلب حتى يهب العاشق ملامح سمحة غير تلك التي ورثها… يفجر فيه طاقات وأحلاما… يدفع إلى فؤاده بمشاعر تتجدد وتتدفق كعيون الجبال، يرسم ويلون ما حوله حتى يكاد لا يرى الا ما يراه قلبه…

هو الحب إذاً، الذي لم يداعبها من قبل… وهو الحب أيضاً التي بدأ يخبو شيئا فشيئا حتى عادت عقارب الساعة الى الوراء ثم دارت من جديد فشاخ الجسد وتدلى ثدياها وأوغرت الخطوط في وجهها فاستسلمت لحزن عميق… هو الحب من باب واحد، يقف عند مربوعة فتح الله ولا يدخلها…

تكورت حليمة وشاخت، امتصت شعيراتها رحيق جسدها واشتعلت بياضا بعد ان شاخ قلبها..لم يعد يطرق بابهم بعد أن تزوج شقيقها سواه وأولاده الذين شبوا عن الطوق وباتوا يستقبلون أصدقاءهم في المربوعة، استبدل أصدقاء أخيها بشباب كانوا طلابا في فصلها… بينما ماتزال حليمة تمارس ذات الدور، تعد أكواب الشاي الصغيرة وترصها على السفرة البلاستيكية، ثم تقف بها عند باب المطبخ و تنادي أحدهم بصوت خافت.

مازالت تتعثر بفتح الله كل صباح لكنها لم تعد تراه، ولا تبحث عن أخباره ولا تنتابها تلك الأحاسيس الفائرة عندما يذكر اسمه… تحول فتح الله إلى تمثال كغيره من التماثيل التي تراها ولا تراها كل يوم… لم تعد للحياة تفاصيل، أصبحت نسقا واحدا… مكررة، رتيبة كطعم الشاي البارد.

علمت بمحض الصدفة أن فتح الله انتقل من حجرته في سكن شقيقه إلى المربوعة، يقيم فيها، ولم يعد يستقبل أحدا…قل عدد الرجال في الزقاق وكثر الشباب..

تمتلئ المربوعة بأجيال أخرى… تتجدد رغم قدمها، تتنفس فيها صباحات جديدة.. تطرح فيها المنادير و يتصارع الرجال مع المخدات أرضا… إلا مربوعة فتح الله، أغلقت عليه، و خلت إلا منه…

مقالات ذات علاقة

أصـــــوات

عوض الشاعري

ذاكـرة الأصـابع

رزان المغربي

القيود

علي فنير

اترك تعليق