من أعمال التشكيلي الأردني وليد الجعفري
المقالة

المدينة

صفحة: في رحاب نجيب الحصادي

من أعمال التشكيلي الأردني وليد الجعفري
من أعمال التشكيلي الأردني وليد الجعفري

لا أعرف لعبارة “الدولة المدنية” أصلا، وقد علمت من بعض المختصين أنها عبارة شاعت إعلاميا على أيدي نشطاء حقوقيين ومحللين سياسيين، وأنه لا يوجد في علم السياسة مصطلح بهذه الدلالة. وحسب المعنى المتعارف عليه لدى هؤلاء النشطاء والمحللين، تكرس الدولة المدنية مبادئ من قبيل المواطنة، والمساواة في الحقوق والواجبات، ودولة القانون والمؤسسات، وتداول السلطة، والكفاءة كمعيار للتفاضل.

غير أن ركيزة الدولة المدنية إنما تتعين في كونها دولة لا يحكمها العسكر ولا رجال الدين بوصفهم كذلك، تحديدا بسبب المخاطر التي يشكلها حكمهما على الديمقراطية. ذلك أن الحاكم العسكري قد يستمر في الحكم بقوة السلاح، مستغلا ولاء الجيش؛ وقد يوظف رجل الدين سلطته الدينية في دعم توجهات سياسية بعينها، بل إنه قد يفلت من الرقابة بمقتضى كونه يتكلم باسم الله. باختصار، التراتبية العسكرية والقداسة الدينية، حين تسطوان في غير مجال سلطانهما، تتنافيان مع الروح الديمقراطية المضمرة في الدولة المدنية. وفضلا عن الاحترازات الديمقرطية التي تجمع بين العسكر ورجال الدين، ثمة ما يجمع بينهما على مستوى المظهر، فلكليهما في العادة زي موحد يميزه. الغريب أن الحظر الناجم عن الاحترازات الديمقراطية لا يطال رجال الشرطة، الذين يُلحقون بالمدنيين، على الرغم من أنهم يحملون السلاح، ويرتدون زيا خاصا. 
ولأسباب مشابهة غالبا ما يطال الحظر نظام الحكم المؤسس على القبيلة والعرق والحزب الواحد، بحسبان أن احتكار السلطة لدى أي فئة بعينها من المجتمع انتهاك صريح لمبادئ المواطنة المضمرة في مفهوم الدولة المدنية.
وأشهر من تعبير الدولة المدنية تعبير الحقوق المدنية، المقررة للأفراد لحماية حرياتهم وتمكينهم من مزاولة نشاطهم في المجتمع، كالحق في الحياة والتملك؛ في مقابل الحقوق السياسية، التي تثبت للأفراد بمقتضى انتسابهم إلى الدولة، كالحق في الترشح وتولي الوظائف العامة. وكما يتضح من الأصل الإنغليزي (civil rights)، ليست هناك علاقة بين المدن والحقوق المدنية، فالحقوق المدنية لا تقتصر على سكان المدن، بل هي ضمن حقوق المواطنة، أيا كان محل إقامة المواطنين. 
غير أن هناك خطرا آخر من شأنه أن يقوض مفاهيم الدولة المدنية والحقوق المدنية، فضلا عن السياسية، يتمثل فيما أسميه النزعة المدينية، بمعنى التعصب إلى المدينة. والمدن، حقيقة تاريخية وجغرافية ليس لأحد أن ينكرها. وكذا شأن اختلافها، فلكل مدينة خصوصيات في نمط العيش وأسلوب الحياة تميزها عن مدن أخرى. غير أني أجادل في التمييز وفق هذه الاختلافات. ثمة شعور بشري عام بالانتماء إلى المدينة، وثمة عاطفة مشبوبة يمكن تفهمهما لدى أبناء كل مدينة إزاء مدينتهم. لكن السؤال هو ما إذا كانت هناك أفضلية لأي جماعة على غيرها من جماعات لمجرد انتمائها إلى مدينة بعينها.
ويكاد الشعور بالأفضلية ينتاب الجميع، تماما كما هو حال شعورهم إزاء ما يتبنون من عقائد وأيديولوجيات. حقيقة أنك تعتقد أن مدينتك أفضل مدن بلادك، ليست حكرا عليك، ولا على أبناء مدينتك، بل لعلها تعم كل مواطني بلادك، إن لم تعم مدن بلدان العالم. غير أن مبلغ ما يثبته اعتقادك بأن مدينتك هي أفضل مدن بلادك هو أن مدينتك، لديك، هي أفضل مدن بلادك.
وعادة ما يتأسس زعم التفاضل بين المدن على اعتقاد صاحب الزعم في تعميمات من قبيل أن أبناء مدينته أكثر ثقافة، أو شجاعة، أو وطنية، أو تحضرا، أو كرما من سائر مدن بلاده. كما لو أن لأبناء مدينته منظومة قيمية أو ذهنية تخصهم، تميزهم عن أخلاقيات وقدرات أبناء سائر المدن. ويتغاضى من يحابي مدينته على هذا النحو عن حقيقة أن ثقافة وأخلاق وسجايا من ينتمون إلى البلد نفسه عادة ما تكون متشابهة أو متقاربة، أساسا بحكم المشترك التاريخي والثقافي، أي الظروف المتشابهة التي مرت بأبنائه والتي شكلت وجدانهم وهويتهم.
والمحاباة المدينية ليست بأي حال مؤسسة معرفيا على أي وقائع يمكن التحقق منها والاتفاق عليها. فتماما كما أنه لا سبيل معرفية لإثبات أن عرقا بشريا ما أفضل من غيره من الأعراق، لا سبيل معرفية لإثبات أن مدينة ما أفضل من غيرها من المدن، سواء على المستوى المحلي أو القطري أو الدولي. وما يحدث هو أن عاطفة الانتماء إلى المدينة، وما تورثه من اعتزاز بالهوية المدينية وشعور بالتميز والتفوق، تستحوذ على صاحبها، فيصبح صريعا لأوهام يحسب أنها وقائع، أو يؤول الوقائع على هواه معتقدا أنه لا سبيل لتأويلها على خلاف ما فعل، أو يتغاضى بوعي أو بدونه عن وقائع أخرى لكونها لا تسعفه في إثبات تميز مدينته عن سائر بلدان وطنه. وأهم حقيقة يتغاضى عليها المتعصب لمدينته هو غياب جامع كاف بين أبنائها يسوغ ما يخلص إليه من تعميمات. ليست هناك على سبيل المثل مدينة يتسم جميع سكانها، ولا حتى أغلبهم، بالشجاعة أو الكرم أو أي سجية أخرى، أكانت محمودة أو خلاف ذلك. الفروق الفردية بين البشر أكثر شيوعا من أن تمكّن من التعميم، حتى على مستوى الأسرة الواحدة. 
وعلى الرغم من أن المحاباة المدينية تتميز على التحيز القبلي والعرقي في كونها تقسيما أفقيا مفتوحا، وليس تقسيما رأسيا مؤسسا على معيار انتساب مغلق؛ غير أنها تظل نزعة إقصائية، وتتنافى من ثم مع فكرة المواطنة. وعلى الرغم من أن هناك تفاوتا بين أبناء المدن من حيث قدر تعصبهم لمدينتهم، فثمة من يسرفون في هذا التعصب، وثمة من هم أكثر اعتدالا؛ فإن هذا هو شأن كل تعصب، أيا كانت طبيعة ما يُتعصب له. المفارق أنه في التنافس الرياضي، تتذرر العصبية المدينية، فتصبح عصبية لناد بعينه ضد سائر الأندية، خصوصا أندية المدينة المعنية نفسها. 

ثمة اختلاف إذن بين التعصب العرقي والقبلي والمذهبي من جهة وبين التعصب المديني من جهة أخرى، يتعين في أن صنوف التعصب الأولى تعصبات لكينونة محددة، يمكن بطريقة أو أخرى ترسم ملامحها. أما التعصب إلى المدينة، بما يطرأ عليها من تغيرات مستمرة، ديمغرافية وثقافية واجتماعية، فتعصب لكينونة يصعب تحديد هوية ثابتة لها. سكان المدينة التي يتعصب لها المرء في شبابه، ليسوا هم سكان المدينة التي ظل يتعصب لها في شيخوخته؛ المدينة التي كانت تتاجر في البضائع، قد تصبح مدينة تتاجر في السلاح؛ المدينة التي كان أغلب سكانها من الحضر، قد يغدو أكثرهم من أصول بدوية؛ المدينة التي كانت تعرف بانفتاحها الثقافي قد تصبح مأوى للمتطرفين؛ والمدينة التي كانت تشتهر بتسامحها وقبولها للآخرين قد تصبح مدينة تعرف بكراهيتها للوافدين. وبطبيعة الحال فإن هذا دأب التعصبات المفتوحة، في مقابل التعصبات المغلقة. قد يشجع المرء فريقا رياضيا، ويتعصب في تشجيعه له، على الرغم من التغيرات التي طرأت على إدارة النادي، وطاقم المدربين، وأعضاء الفريق، ولون غلالته، وحتى اسمه. لكن هذا قد يشي بأن تعصب أبناء المدن لمدنهم ليس أكثر عقلانية من تعصبهم لأنديتهم.

من كتابه : يمشى على مهل ويسبقنا

مقالات ذات علاقة

ديانا ومارادونا و”ذكرى” الربيع العربي

سالم العوكلي

هموم الثقافة الليبية.. القطاع الثقافي الليبي والتسمية الأجدر

حسن أبوقباعة

يوسف القويري

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق