حوارات

المدينة متاهة البَدَوي.. حوار مع الكاتب أحمد يوسف عقيلة.

حاوره: خالد المهير.

القاص الليبي أحمد يوسف عقيلة
القاص الليبي أحمد يوسف عقيلة

ربما السؤال الذي كنت أود أن أطرحه على أحمد يوسف لماذا الدهشة حين يصف لنا المكان.. أو الأمكنة التي يأخذنا لها في أعماله.. أسئلة عن أحمد وقرية عمر المختار .. وسيدي محمد الحمري.. وأحراش الجبل الأخضر.

= أحمد نود منك أن تحدثنا عن قريتك الصغيرة عمر المختار؟ وكيف استهوتك إلى درجة واضحة في إعمالك؟

ــ من الطبيعي أنّ الكاتب حين يبدأ الكتابة يتحسّس محيطه.. يكتب عن الأشياء التي يعرفها.. عن التفاصيل التي يراها يوميًّا.. التفاصيل التي لا يراها العابرون.. وعمر المختار في أعمالي القصصية هي مُجَرَّد نموذج للقرية الليبية.. ولا أدّعي أنّها تتميّز بشيء مختلف.. وإن كان هناك اختلاف فهو أنّ عمر المختار ولدَت قرية كاملة من حيث البناء.. فقد بُنيت سنة 1935.. بناها أهلها تحت إشراف مهندسين طليان.. وفق مخطط.. بساحة ومساكن من القرميد وشوارع ومدرسة ومستشفى صغير ومركز شرطة وطاحونة وفرن وكنيسة شامخة.. عكس معظم قُرانا التي بُنيت عشوائيًّا دون مخططات وبمواد بناء بسيطة.. وبعض المشاركين في بناء قرية عمر المختار لا يزالون أحياء.. وقد استقيتُ منهم كل تفاصيل التأسيس.

= كيف تعلق على طفولتك في القرية.. وسنوات التكوين؟ هل من الممكن أن ترحل بنا إلى محطات الطفولة؟

ــ طفولتِي الأولى لَم تكن في القرية.. بل كانت في النّجع.. نَجْع البدو المترحِّلين.. حيث فضاءات جنوب الجبل الأخضر غير المحدودة.. حين كنّا نطارد الجرابيع حُفاة.. ونجني القمحي والترفاس والطرثوث والسيكران والبَرقوق.. ونحشّ ثمار الأرض.. التّمَّيْر والبَزّون والحنْزاب.. حين كانت قطعان الغزلان ترعى بجانب الأغنام.. قبل أن تحلّ علينا لعنة البنادق الأوتوماتيكية وسيارات الدفع الرباعي.. حين كان سيل الأودية يستمر لأسابيع.. كنّا نتسلل إلى أعشاش الطيور الجارحة تحت حواف الصخور العالية التي نَحَتَها السيل.. كلّ مخزوني في الكتابة راجع إلى تلك الطفولة الأولى.

= هل تعتقد أن ابتعادك عن ضجيج المدينة وراء هذا الإنتاج؟

ــ رُبّما.. لا أستطيع الجزم.. لكنّ الحياة مليئة بالقصص حتى في المدينة الضاجّة.. وغزارة الإنتاج من قلّته لها في الغالب أسباب أخرى.. إنني أعجب من الكُتّاب الذين يشتكون من فقر المحيط.. وأنّه لا يَمْنح الكاتب ثراءً في المواضيع.. هذه شكوى لا أفهمها.. العالَم مليء بالقصص.. صدّقْنِي يا خالد.. كلّ شيء من الممكن أن يصبح قصة.. سُئل تشيكوف يوماً: هل تجد صعوبة في كتابة القصة؟ فقال ــ وكانت أمامه منفضة سجائر ــ ليست هناك صعوبة.. أستطيع أن أكتب لكم الآن قصة بعنوان المنفضة.

= كيف تصف علاقتك بالمدينة؟ لم تكن واضحة في أعمالك؟

ــ علاقتي بالمدينة كعلاقة كل بدوي.. اعتاد على العيش بعقلية العراء.. يستطيع أن يمشي في بيئته حتى مغمض العينين دون الخوف من أن يصدمه شيء.. وحين يأتي المدينة يفتقد ذلك العراء الشاسع.. ويتوتر حتى في مشيته داخل الشوارع.. أمام سياراتها المسرعة.. وزحامها.. المدينة متاهة البدوي.. ومن الطبيعي ألاّ تظهر المدينة في أعمالي.. فأنا باختصار لا أعرفها.. فكيف أكتب عن شيء لا أعرفه؟!

= من هي الشخصيات القروية التي أثرت في شخصيتك؟ وهل هناك شخصية معينة أثرت في تفكيرك؟

 ــ ليست هناك شخصية مُحدّدة.. فأنا ألتقط الشخوص الْمُهمّشة غالباً.. الشخصيات التي لا يعيرها أحد اهتماماً.. التي تقضي كل حياتها في الظل.. أو الظلمة.. كل ما أفعله هو أنني أنقلها إلى بؤرة الضوء.. فيكتشف الآخرون ثراء تلك الشخصيات.. وقيمتها.. وعوالمها الغنية.. والتي هي في غالب الأحيان أكثر غِنَىً وثراء من أولئك الذي تسطع عليهم الأنوار حتى في الليل!

= نتمنى منك أن تعود بنا لسنوات الفصل الأولى في القرية والمعلم وحنين الماضي؟

ــ إنك تفتح جرحاً.. لكن لا بأس.. ذات صباح خريفي مُضَبِّب سنة 1964م انتزعني أبي من بين الجديان بجوار النَّجع.. ووضعني فوق ظهر الحمار.. متوجِّهاً إلى الشمال.. إلى المدرسة الداخلية بقرية ماميللى.. عمر المختار حاليًّا.. أول يوم دخلتُ فيه المدرسة.. هالني ذلك العدد الكبير من الطلاب.. وبدا لي ذلك شيئاً يبعث على الدهشة.. حيث لَم يسبق لي أن رأيتُ كل هذا العدد من الأطفال.. فأطفال النجع كانوا محدودين.. أذكر أنني الْتحقتُ بالفصل قرب نهاية اليوم الدراسي.. زَجَّني أبي داخل الفصل وأغلق الباب.. فوقفتُ مَصعوقاً.. كل العيون مُسَدَّدة نحوي.. ارتعشتْ رُكبتاي.. كنتُ على حافّة البُكاء.. كنت أعتقد أنني سأجد أبي عند خروجي.. لكنه كان قد اختفى.. هو والحمار! الْتفتُّ ناحية الجنوب.. مُحاولاً التطاول على مِشْطَي قدمَيّ.. ولكن لم يكن هناك أثر لأيّ أحد دون تعرّجات الأفق القِبْلي.. واقتربْتُ من حافّة البُكاء مرَّةً أخرى.. لكنَّنِي سأظلُّ مَديناً طوال حياتِي للمُعَلِّم (عثمان عبدالله عبدالْمجيد المسماري).. فهو أَوَّل من عَلَّمَنِي الأَبْجديّة.. ومَنَحَنِي دهشة الكلمات الْمَصْفوفة على الورقة البيضاء.. وحِيْن قابلته بعد حوالِي أربعيْن عاماً.. وقد تقاعد من الوظيفة.. كان يمشي مُطْرِقاً.. يُحدِّث نفسه.. وحيداً على الرصيف.. على هامش الشارع.. وعلى هامش الحياة أيضاً.. في تلك اللحظة أَحسستُ برغبة جارفة فِي أن أَحْمله على عنقي إلى الأبد!

= هل هناك دور للجامع في تكوينك؟

ــ إطلاقاً.. فليست هناك جوامع في البادية بالطبع.. وحتى جامع القرية بُني حديثاً.. بعد بناء الكنيسة بحوالي أربعين عاماً! وفقهاء البادية كانوا سحرة مشعوذين.. وكنت أخشاهم في طفولتي كثيراً.. كانوا يرعبونني أكثر من الغول والعفاريت! مرضت ذات مرة في طفولتي فذبح أحدهم دجاجة سوداء على عنقي!

= وكيف ترسم عالم القرية من وجهة نظرك؟

ـ هناك فكرة نَمطيّة عن القرية.. مكان محدود به بعض العجائز.. وقاطنون أميّون.. القرية الآن اختلفت.. ففي قريتنا الآن من يحملون مؤهلات عُليا حتى الدكتوراة.. وسقوف منازلنا مزروعة بصحون الستالايت.. وكل فرد تقريباً يملك النقال.. وهناك ألعاب ألكترونية أيضاً.. المسافة بين القرية والمدينة تقلصت كثيراً.. وقرانا الآن أصابها الكثير من التشويه للأسف.. لكنّ هذا لا يعنيني كثيراً.. فأنا أرسم قريتي الأدبية الخاصة.

= هل لديك طقوس معينة في الكتابة؟

ــ لا طقس سوى العزلة.. فأنا لا أستطيع أن أكتب في وجود أحد.. أثناء الكتابة الإبداعية لا أحتمل حتى الموسيقى الهادئة.. وأكتب في أي وقت.. في الليل أو النهار.. أحياناً استيقظ من نومي فجأة كالملسوع وأشرع في الكتابة.. أكتب على الحاسوب مباشرة.. لم أعد أستعمل الورق.. ولذلك ليست لدي مسودات لأعمالي.. وهذا شيء مؤسف.. مؤسف بالنسبة للنُّقّاد.. فهم يهتمون كثيراً بمسودات المبدعين.. لأنها تُظهر مراحل نضج العمل الواحد.

= هل مررت بتجربة بنت الجيران؟

ــ لَم تكن المرأة هاجساً في حياتي.. حتى في مرحلة المراهقة.. لَذّاتِي في مُجملها غير مادّية.. الجلوس على صخرة في الوادي لحظة لا أعدلها بالدنيا وما عليها.. أحب المشي تحت المطر.. لا أدري.. بلَل المطر يشعرني بالنشوة أكثر من كل نساء الدنيا! والقول بأن المرأة هي مُلهِمة المبدع لا يُمكن تعميمه.

= حين نقول أحمد يوسف عقيلة يعني المكان وغناوة العَلَم والعبارات الشعبية، لماذا؟

ــ هذا جزء من خصوصيتنا.. من تراثنا.. بحُكم نشأتي في مجتمع بدوي تشبعت بالتراث الشفوي.. وبحبّ المكان إلى درجة التعلّق الصوفي.. لازلنا حتى الآن نبكي على (الدار ولَوهام).. (بكيت فيك نين ابطلت.. إن جاء عزيز يا دار اشهدي).. وتعابيرنا وأمثالنا الشعبية جزء من إبداعنا الجماعي.. وقد جمعت منها أكثر من ثمانية آلاف مثل وتعبير في كتاب.. وأنا أستدعيها وأوظّفها في أعمالي بحسب الحاجة.. التعلّق بالتراث يعني أن تقف على أرض صلبة.. لسنا أبناء حرام.. لدينا إرث غنيّ ككل شعوب الأرض.

= هل لديك خصوصية في هذا النوع من الإبداع؟

ــ ذلك شيء لا أستطيع الحكم عليه.. الآخرون سيكونون أقدر منّي على الحكم على أعمالي.. أنا فقط لا أريد أن أكون ظلاًّ لأحد.. مهما كان هذا الأحد.. أحاول أن أقول نفسي.. أن تكون لي بصمتي الخاصة.. التشابه شيء مزعج.. أقرب إلى الاستنساخ.

= عبق الزعتر البري، الشماري، سيدي محمد الحمري، لديك خصوصية في التعامل مع هذه الأشياء، هل تعتقد دفء الأمكنة ورائحتها؟

ــ الذاكرة غالباً ترتبط بالشَّمّ.. (الشَّمّ هو حاسة الذاكرة) كما يقول مارسيل بروست.. نقول في أمثالنا الشعبية (يا خالتِي عَلَيك بَنّة أمِّي).. فنحن نتذكّر الأمّ بالرائحة.. والرائحة جزء من تفاصيل الأمكنة والأشياء.. حين ينْزل المطر في الخريف لأوّل مرّة على الحقول الحاسرة تعبق رائحة الثرى.. ومعظم الكائنات تستدل على القرين أو العدو أو الفريسة بالرائحة.. الذي لا رائحة له لا هويّة له.

= كيف تصف علاقتك مع الزمن؟ هل هي علاقة متعثرة؟

ــ الزمن في حسِّي آلة حادّة.. (الوقت كالسيف).. شيء لا ينتظر.. يسحق.. لا يرحم.. أتمنّى أن يكون اليوم أكثر من أربع وعشرين ساعة.. حين أنظر إلى عقارب الساعة أرى عمري يجري مع عقرب الثواني.. والساعة الرقمية ألعن.. الإنسان حين يولد يبدأ عمره في العدّ التنازلي.. فأنا في سباق مع الزمن.. كالساعة الرملية ترى حبّاتها تتسرب وتتراكم في القاع.. وفعل الزمن يُمكنك أن تراه في تجاعيد الجسد.. وحتى على الصخور الجامدة.

= ماهو السؤال الكبير الذي تود طرحه في أعمالك؟

ــ إذا تأمّلت كل قصصي دون استثناء فستجد هاجس السُّلْطة.. فهو أكثر شيء يُحيّرني.. ليست السُّلطة بمعناها التقليدي فقط.. بل مُطلق سُلطة.. أي شكل من أشكال السُّلطة.. ومن وجهة نظري فإنَّ معظم شؤون الحياة يقوم على السُّلطة.. فالغرائز سُلطة.. الجوع والعطش والخوف سُلطات يومية.. و(النوم سلطان جائر) كما نقول في تعابيرنا الشعبية.. والحُبّ سُلطة.. والجنس سادِيّة.. والزمن سُلطة أيضاً.. منذ أن عرفتُ أنَّ مُؤشِّر الساعة يُسمَّى عقرباً.. والزمن بالنسبة لي شيء لاسِع.. بل حتى الألُوهيّة جوهرها السُّلطة.. ونحن كمجتمع عربي شرقي ذكوري نرزح تحت العديد من السُّلطات.. كسُّلطة الأب.. والدين.. والعادات والتقاليد.. وحتى سُلطة الأفكار الْمُسبقة.

= ما هي الخلفيات الاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية التي ساهمت في انحيازك إلى كتابة القصة القصيرة؟

ــ في النّجع كنت أسمع الخراريف كل ليلة تقريباً.. وحين تعلّمت القراءة كنت شغوفاً بقراءة الروايات.. كنت أقرأها حتى في الفصل أثناء الحصة.. وحين شرعت في الكتابة وجدت نفسي أكتب القصة القصيرة.. هل لسماعي وقراءاتي أثر في ذلك؟ لا أعرف.. يبدو أننا تبادلنا الأدوار.. فهذا سؤال أطرحه عليك!

= كيف تقيّم تجربتك في كتابة السيرة؟

ــ كتاب (الجراب) هو الوحيد الذي يحمل طابع السيرة.. وهو تداعيات ذاكرة الطفولة.. وقد حظي باهتمام القُرّاء حتى إنه نفد من المكتبات في وقت قياسي.. والقرّاء معيار في التقييم.. لكنّني أرى أن كلّ أعمال الكاتب الإبداعية هي سيرة ذاتية.. الذات تكتب سيرتها.. وإن لم تفعل ذلك بشكل مباشر.

= لماذا لم يهتم النقاد العرب بالأسماء الليبية التي برزت على الساحة مثل صالح السنوسي.. باستثناء الاحتفاء البسيط الذي يلاقيه الأصفر؟

ــ المسالة ترجع في نظري إلى عدم انتشار الكتاب الليبي بشكل واسع.. وفي الفترة الأخيرة بدأ الكتاب الليبي ينتشر على استحياء.. ورأينا بعض النُّقّاد العرب أخذوا يولون اهتماماً بالمبدع الليبي.. الجهد الأكبر على مؤسساتنا في نشر الكتاب.. بعد ذلك سنرى إن كنّا سنطرح هذا السؤال أو لا.

= كيف تختزل اللحظة في عبارة؟

ــ العمر لحظة.. هذا قد يكون إجابة سؤالك.. ولكن دعني أتجاوز مجرّد العبارة.. سُئل نوح عليه السلام وهو على فراش الموت (كيف وجدت الدنيا؟).. فقال: (كأنني دخلت من باب البيت الأمامي وخرجت من الباب الخلفي).. نوح يقول ذلك وقد عاش مئات السنين.. فكيف نقول نحن؟! ولكن من زاوية أخرى قد تكون اللحظة عمراً.. فالعمر لا يُقاس بالسنين فقط.. بل بالمشاعر والأحاسيس.

مقالات ذات علاقة

الفنان كمال أبوريد في حديث الصراحة

المشرف العام

وجها لوجه الباحثة فاطمة غندور والكاتبة حواء القمودي

المشرف العام

الأديب الليبى إبراهيم الكوني: لجنة «نوبل» دنّست حرمة الأدب ومنحت الجائزة لهواة

المشرف العام

اترك تعليق