طيوب عالمية

المدينة الوحيدة

وائل عقيلة

كتاب المدينة الوحيدة


حقيقة أننا وحيدين دائماً ما نريد الهرب منها، نرفضها بشدة لكونها مخجلة وتعطينا انطباعاً سيئاً بأننا فشلة وليس ثمة ما هو مثير فينا لكي يتجمع الناس حولنا.

في كتاب المدينة الوحيدة، سردت الكاتبة أوليڤيا وحدتها في نيويورك بأسلوب رشيق وحضريّ، أسلوب يتماشى مع العزلة التي تفرضها المجتمعات على من هم بتفكير فريد وغير سائد، في هذا الكتاب عرّفت الوحدة على أنها: ذلك النوع من أسلوب الحياة الذي بالرغم من مرارته وقسوته، إلا أنه ينقذ الإنسان من مجرد كائن يأكل ويشرب وينام فقط، من وجهة نظرها الوحدة لولاها لما كان هنالك لوحات ادوارد هوبر، ولا أعمال أندي وارهول، ولا صور ديفيد وونناروفيتش.

لقد تجرعت الكاتبة مقداراً كبيراً من الوحدة، انتقلت من إنجلترا إلى أمريكا في محاولة منها لبناء قصة حب عظيمة، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل في غضون لحظات، وذلك حينما قام حبيبها بتركها فجأة في ظروف غامضة، لتواجه عزلة نيويورك بمفردها. لم يعلمها الحب سوى أن تفتقد لشيء عزيز عليها، ولم يعلمها كيف تتماهى مع الوحدة.

في البداية مكثت في استوديو صديقها في بروكلين، ومن ثم استأجرت شقة في منهاتن، كانت عندما تنهي عملها، تمارس في أغلب الأحيان الأنشطة ذاتها، تخرج لتناول البيض وتحتسي القهوة، تسير دون وجهة على الأرصفة، تتنزه بالقرب من النهر الشرقي ولا تنظر لجمالها على سطح النهر مثلما كان يفعل نرسيس، بل تراقب جريانه، وتشعر بأنها مهددة “بخطر التلاشي”، وبأنها محصورة داخل نفسها.. تعتقد أوليڤيا “أن القرب المادي وحده لا يكفي لتبديد شعور الداخلي بالعزلة”، إذ من السهل أن تشعر بأنك مهجور وأنت محاط بالأخرين.

في المناسبات الاجتماعية والأعياد مثل هالويين، كانت تكره أن تكون مكشوفة أكثر من اللازم، مثل هذه المناسبات تكشف للناس عن وحدتها، عن آلامها الشخصية، وعن أنها بحاجة ماسة إلى من ينقذها من شعورها بالوحدة.

كان آندي وارهول يحيط نفسه بالكاميرا وجهاز التسجيل لكي يخفي نفسه في المناسبات الاجتماعية، لكي يقول للناس لا تقتربوا مني، لا تتوقعوا مني الكثير. لكن أوليڤيا تمنت في عيد هالويين لو أنها ارتدت قناعاً، لكي يساهم في التقليل من كونها مرئية أكثر من اللازم.

في مدينتي لا يوجد لدينا الأماكن التي تواجه بها وحدتك أو تخفي بها وحدتك، في مدينتي التي انهارت بسبب الحرب، لا أعتقد أن لدينا نهر مثل الذي كانت تمشي أوليڤيا بالقرب منه، لدينا بحر، يعزز البحر من شعورك بالوحدة، لكن الأنهار تجعلك تتقبل حقيقة أنك وحيد برحابة صدر.

في بعض الأحيان أشعر بأنني وحيد، وحيداً لدرجة أحسست بأنني مجرد مشهد من لوحات إدوارد هوبر، أملك أصدقاء رائعين، أسرة تحبني، لكن ثمة ما هو بعيد كل البعد عن القرب الجسدي.

يقول فرناندوا بيسوا في كتابه اللاطمانينة: “أن نحبّ معناه أن نتعب من وجودنا وحيدين.” أن نتعب من كوننا تجسيداً واقعياً لأعمال إدوارد هوبر العظيمة.

الكاتبة البريطانية أوليفيا_لاينغ (الصورة: عن الشبكة)

كان إدوارد هوبر قليل الكلام، حتى أن في مقابلاته كانت زوجته “جو” هي من تقوم بسد ثغرات إجاباته عن الاسئلة.كان يعمل بمقولة بيسوا بأن الفن عزلة وأن على الفنان أن يختار العزلة. عندما كان يجد صعوبة في الرسم يسير في المدينة ليحفز مخيلته، وبعض أعماله كانت مستلهمة من الأماكن التي يسير فيها بوحدة في المدينة. أن تأملي للوحات إدوارد هوبر كان بمثابة لقاء خاص، لقاءٌ مع أوقات يصعب فيها المرء عن وصف حالة يمر بها.

أوليڤيا على حسب قولها كانت على وشك التحول إلى إدوارد هوبر قائلة: “مثله تماماً وجدت نفسي مختلسة، مخيفة، متلصصة على النوافذ المفتوحة، أجوب بحثاً عن مشاهد مثيرة”.

المدن تتحول بدورها من أماكن للتواصل إلى أماكن للعزلة، فتجد نفسك تذهب إلى بعض الأماكن لتمارس فيها الوحدة بكامل حضورها، في كتاب المدينة الوحيدة وضحت لنا كيف أن فنانين من الطراز الرفيع عاشوا الوحدة بين حشود مدينة نيويورك، بين أضواء النيون، وكيف أننا في العصر الرقمي، عصر الوصول إلى من تريد بسرعة فائقة تغمرنا غمة الوحدة. لكن هناك من يرى بأن الوحدة نوع من التحرر، نوع من مخالفة القطيع، فرناندوا بيسوا في كتابه اللاطمأنينة كتب بخصوص هذا الأمر “إذا وجدت العيش لوحدك مستحيلاً، فقد ولدت عبدا إذن” وأوليڤيا كتبت أن في ظروف معينة أن تكون غريباً، ولا تنتمي للجموع قد يكون مصدراً للرضا وللمتعة، والرضا قد يكون نابعاً من كون: “الوحدة جزء لا يتجزأ من كون المرء حساساً وذكياً ومبدعاً”لكن عندما يتعلق الأمر باختلاف اللغة فإن كل ما ستشعر به هو أنك إنسان غريب، أوليڤيا تعاظم لديها شعور الوحدة والغربة نتيجة اختلاف لكنتها، ذات مرة شعرت بالقلق والإحراج عندما طلبت من النادلة كوب قهوة ولكن النادلة طلبت منها إعادة ما قالت!هذه الهوة التي تفصل بين الشخص و الآخر، بين الفرد والمجتمع بسبب اللغة، اللكنة، بسبب التباين في الأفكار هو ما يزيد من وحدة الإنسان، فنغشتاين هو كذلك كان مطارداً من قبل الصعوبة في التواصل والتعبير.أما أنا فلم أكن أفكر في كل هذا عندما ينتابني إحساس بأني وحيد، بل دائماً مااعتقدت أنني كلما تقربت من الناس، كلما تيقنت بأن المسافة التي بيني وبينهم تزداد.

مقالات ذات علاقة

إبراهيم الكوني يكتب عن أبوبكر يوسف في أربعينيته: فتنة الظل (1 – 2)

إبراهيم الكوني

الهجرة غير الشرعية للمخطوط العربي

عزالدين عناية (تونس)

السيرة الذاتية للفيلسوف كيركغارد مترجمة للعربية

مهند شريفة

اترك تعليق