من أعمال التشكيلية نجلاء الشفتري
سرد

المدينة الدايخة

جزء من رواية

أول عمل اشتغله الأستاذ ونيس هو رئيس كناسين.. حدث ذلك في بداية السبعينات من القرن المنصرم.. لم يمض آنذاك على قيام الثورة التى قادها الملازم الشاب معمر القذافي ضد نظام الملك إدريس السنوسي شهورا.. الفتى ونيس نحيل الجسم.. متوسط الطول.. قمحي البشرة.. في قدمه اليسرى عرج بسيط نتيجة شلل أطفال.. مستواه الدراسي ثانية إعدادي و لعاهته لم يُقبل في كثير من الوظائف ولا سيما المحتاجة إلى لياقة بدنية عالية كالجيش والبوليس وغيرهما.

قدّم ملفه للبلدية وكان حي المحيشي آنذاك في طور التكوين.. فوجِّه إليًه ليترأس كناسيه..

حى المحيشي مربع سكنى كبير مقسم إلى أربعة أقسام.. كل قسم دُلل عليه بحرف.. حرف أ.. حرف ب.. حرف جيم.. حرف س.. كل مربع به مدرسة شُـيدت من الصفيح المتين.. وهُندست على شكل حرف u أي مربع ناقص ضلع.. في وسط الحي يوجد مركز الشرطة والساحة الرياضية والبلدية والعيادة ودار خيالة الفردوس التي بناها الأستاذ الشعالي الخراز على حسابه الخاص بعد أن تحصل على ترخيص من المحافظ بذلك.. أما السوق التجاري فمبناه جُعل في منطقة حرف س.. أيضا البريد خصص له قسما من دكاكين السوق.. السوق سُمِّي بسوق العبيد.. لموقعه في منطقة حرف س.. هذه المنطقة يقطنها معظم الليبيين ذوى البشرة السمراء القادمين من زرائب العبيد بمنطقة شط الصابري.

في بداية قيام الحي كان لا يوجد جامع.. بعد شهور تمّ بناء جامع جميل في منطقة س سُمَّيَ على اسم أحد الصحابة رضوان الله عليهم.. لكن الإسم الشائع حتى الآن هو جامع سوق العبيد.. جامع ظريف صغير بمئذنة واحدة وقبّة واحدة زاخر أسفلها بالثريات وحيطانه مزدانة بالآيات القرآنية المنقوشة بالجبس.. في سقفه مراوح وفي أعلى جوانب السقف الأربعة ضوّايات طبيعية مغلقة بزجاج ملون بأكثر من لون.. أخضر.. أصفر.. أزرق.. وأبيض سميك.. محرابه منقور في الجدار القبلي ومنبر الخطبة الملاصق للمحراب صنع من خشب فاخر.. المسجد بناه مهندسون وعمال من باكستان.. كانوا عمالا مهرة.. أنجزوه في زمن قياسي.. وبمواصفات ابداعية رفيعة الجودة.

بيوت الحي ليست مكتملة.. لم تُبنى من الداخل بالإسمنت والطوب.. كانت عبارة عن قطع أرض تجانب بعضها.. مسوّرة بجدران اسمنتية.. كل بيت له باب خشب وباب حصيرة معدنية للمرآب.. داخل البيت فضاء على كل ساكن أن يبنى داخله بالطوب أو بالصفيح غرفة ومطبخ وحمّام لقضاء الحاجة.. كل بيت به صنبور ماء عند الباب أمّا الكهرباء فمازالت آنذاك مقتصرة على مركز الشرطة والبريد والعيادة الصحية والسينما والمدارس.

قبل الثورة كان اسم الحي مشروع إدريس بعد الثورة سُمي بحي الإسكان الذاتي أو بحي المحيشي.. بعد سنوات وعلى إثر محاولة انقلابية فاشلة قام بها عضو مجلس قيادة الثورة عمر المحيشي تغيّر اسم الحي إلى حي المختار.. ثم حي العروبة.. ثم حي السلاوي.. ثم حي المختار من جديد.. لكن الاسم الذي ثبت في ذاكرة الناس هو حي المحيشي نسبة لمالك الأرض التي أقيم عليها المشروع.. هناك اسم آخر معروفة به المنطقة هو المدينة الدايخة.. لا ندري بالضبط من أطلقه عليها.. وأطلق عليها لزعمهم بوجود كافة مقاطر الخمور المحلية في هذه المنطقة المنعزلة والبعيدة عن وسط المدينة نسبيا.

من الأسباب التى جعلت البلدية تخصص منطقة حي المحيشي لسكان زرائب العبيد وحلاليق راس اعبيدة والكيش هو قرب هذه الأحياء العشوائية من المدينة وتأثير فوضى وصخب هذه العشوائيات على العمران المنظم المتمتع بكافة الخدمات الصحية وغيرها.. وفكرت أين تنقلهم.. أي تبعدهم…. في البداية أرادت أن تشتري لهم منطقة بن يونس من مالكها.. لكن اختلف معهم صاحب الأرض على السعر فلم يبع وباع المحيشي الأرض للبلدية بسعر معقول.. بعدها البلدية قسمتها قطعا صغيرة وكبيرة وسورتها بترويسة واحدة أربع مربعات بارزة على الواجهة وأربع مستطيلات من المشربيات ذات الفتحات الأربع وطلاء الواجهات كله بني طوبي.. القطع الصغيرة بها ثلاث مربعات وثلاث مستطيلات من المشربيات وخصصتها البلدية لأصحاب الأسر الصغيرة رأس ورويّس.. ولكي تمنح هؤلاء الناس الفقراء ثقة في أنفسهم وسند تملك لهذه القطع طلبت من كل مالك أن يسدد ثمن الأرض وهو مبلغ رمزي صغير دفعه في متناول الجميع.. بعد الثورة منحهم المصرف العقاري قروض بناء فبنوا هذه القطع بالطوب والزلط وحديد التسليح والإسمنت لتتحوّل إلى مساكن صحية نوعا ما.

قطن حي المحيشي خليط من كافة القبائل الليبية.. أكثر سكانه من ساكني الأكواخ والزرائب والعشش التي كانت منتشرة في أحياء الصابري ورأس عبيدة و السلماني والرويسات والكيش وغيرها.. أناس فقراء.. مستواهم الثقافي بالنسبة لأولياء الأمور والكبار ضحل.. لكن بالنسبة للشباب فمعقول وجيد.. أكثر الشباب متعلم.. يمارس الرياضة.. يقرأ الكتب والجرائد و المجلات المنتشرة آنذاك.. يرتاد دور العرض.. هايتي.. النصر.. الاستقلال.. النهضة.. يحضر الحفلات الغنائية ويشاهد المسرحيات في المسارح.. ومنهم من لديه جواز سفر ويسافر إلى مصر ومالطا وايطاليا واليونان.

اشتهرت منطقة س بالفن والرياضة والطبخ.. فمنها مطرب المرسكاوي الشهير احميده درنة صاحب الصوت الرقيق العذب القوي و منها المطرب الموهوب سعد الوسْ و منها مجموعة عازفين مهرة ومجموعة راقصين رشقاء.. بل اغلب أعضاء فرقة بنغازي للفنون الشعبية من حي المحيشي وبالضبط من حرف س.. ومنها أيضا لاعبي كرة القدم الموهوبين ونيس جاب الله ومصطفى المجدوب وفرج البقرماوي ولاعب رفع الأثقال جمعة الديجاوي ولاعب كرة اليد مصطفى القميستا وغيرهم من الرياضيين.

في منطقة س تشم عبق الأكلات الليبية.. أي شيء يطهونه له نكهة.. حتى الشاي تشم رائحته.. هم لا يهدرون الرائحة ويستلذون بنكهة ما يتناولون.. لهم طقوس خاصة في طهي الطعام وبهاراتهم مميزة يرششونها على الطعام بقدر وفي درجة حرارة معينة.. أكثر الطباخات اللاتي يؤجرونهن لإعداد ولائم الأعراس والمآتم من حي المحيشي حرف س.. على شاطئ بحر المنقار يقضون صيفهم.. يصطادون السمك وخاصة الفرّوج والأخطبوط الذي يرطمونه على الصخر بعنف.. يبيتون على الشاطئ معظم ليالي الصيف.. في الليل سمر وغناء.. في النهار سباحة وكرة قدم وأكل شرمولة ودلاع وأسماك مشوية ومقلية ومحشية.. دائما يضحكون.. لا حزن تراه على الوجوه.. من تظنه صامتا تركز قليلا فترى ومضا لأسنانه البيضاء وتلاحظ حركة شفتيه البطيئة المنتظمة.. أي أنه يدندن لحنا باطنيا مازال يتوالد داخله.. الفنان احميده درنة شاب اسمر.. صاحب دكان صغير للمواد المنزلية.. فنان في غناء المرسكاوي.. يطوّر الألحان ويضيف إليها من روحه نغمات جليلة.. أصل المرسكاوي من مرزق في الصحراء الليبية.. وصل إلى الساحل بواسطة القوافل القادمة من واحة مرزق لمقايضة التمر بالملح..

في مرزق تمر..

في بنغازي ملح..

 مرزق تطفئ حرارة سكرها بملح بنغازي..

بنغازي تؤجج نار ملحها بحلاوة مرزق..

فوق مرزق سماء

فوق بنغازي سماء

تحت مرزق ماء

تحت بنغازي ماء

لا تغادر نوق مرزق حتى تضرس نوى التمر.. والفالت من أشداقها ينبت نخيلا ظليلا في سباخ بنغازي.. المرسكاوي لم يترسّخ إلا في بنغازي.. هذه المدينة الكوزومبولية القابلة والمرحبة والمتفاعلة مع كل شيء.. بقية المدن الليبية ملتصقة أكثر بالبادية.. لها زماميرها وشعرها الشعبي وأهازيجها البدوية الخالصة ووشاياتها القذرة جدا.. المرسكاوي ترانيم وافدة عاشت في بنغازي وتطورت في أعراس أحيائها الفقيرة و ألحانها العذبة تقبلت كافة الكلمات الشعرية المنجوبة من معاناة الإنسان اليومية ونواحات الملح المزمنة..

الفن حلاوة وملوحة..

 الحلاوة طهارة..

الملوحة طهارة..

والمرارة آهٍ كم هي فائضة.

مع هذي القوافل وصل كثير من العبيد.. منهم من أعتق ومنهم من تمَّ بيعه لتجار مصراتة في شوارع قصر حمد والعقيب وكويري.. ومنهم من التحق بقريب له وسكن زرائب العبيد قرب البحر.. وصلوا من الجنوب.. من واحات الصحراء الآمنة.. من ادغال افريقيا ومنارات تمبكتو وغابات السودان وتشاد.. كانوا يرفلون في الرغد الإفريقي.. غـُدر بهم.. كبلوهم بسلاح ناري لا يملكونه واقتيدوا عنوة إلى أفلاك البحر..

 لحن المرسكاوي خليط من الحياة والموت.. آهات طبول افريقية وزفرات نسيم بحر وأخاديد سراب راقصة.. ونور من ليالي السماء المقمرة.. وندى غزير على خد نائمة في هودج مفتوح.. أما كلماته فهي العذوبة و الصدق والرجاء والأسى.. في أغاني المرسكاوي لا يوجد مدح سوى للحبيب ولا يوجد ذم سوى للفراق ومن يسببه.. الصورة الشعرية في الكلمات بسيطة لا تـقعر ولا افـتعال ولا استمناء.. مشعّة كشروق الشمس واضحة نقية.. احميده درنة يلحن ويغني ويؤلف الكلمات أيضا وأحيانا يغيّر كلمة فقط في بيت قديم ليجعله نابضا بالآن.. باحة البيت مزدحمة.. السماء تشارك فرحة العرس بنجومها وقمرها.. احميدة درنة جالس.. شنته الحمراء على رأسه.. نظارته السميكة على عينيه.. بجانبه عازف الكمان لامين.. على يساره عازف الاوكرديون.. بجانبهم ضاربي الدف وناقري الطبل والدرابيك.. لا توجد في العرس مجموعة صوتية خاصة.. جُلَّ الحضور من شباب حرف س وغيرهم من سكان المحيشي هم المجموعة الصوتية.. كلهم يحفظون الألحان عن ظهر قلب.. ولهم قدرة عجيبة على حفظ أي لحن مرسكاوي بمجرد سماعه مرة واحدة.. الجو مبهج والوافدون إلى العرس يتكاثرون فيفسح لهم الجالسون والواقفون أماكن جديدة.. ” وين تصفى النيّة البيت ياسع ميّة “.. في ركن قصي بالباحة يوجد الشوهاي يرغوي الشاي المنعنع بنوعيه الأخضر والأحمر.. وفي ركن آخر منزو قليلا يوجد ساقي الخمر.. من يرغب في احتساء كؤوسه يتجه إلى ذاك الركن.. قرابا أو بوزة.. الجو بهيج جدا وحميده درنة انتهى من أغنية :

 سيدي الفقي لو ريت بوتكليلة.. يحرم عليك الدرس ما تمشيله

وبدأ يبرول بتبرويلة :

أنت يلي شالك لاويه…. جرحت الخاطر روف عليه

ويرمي احميده درنة شملة الرقص على شاب اسمر رشيق يُـنـَطـِّـق بها خصره ويرقص في منتصف الجلسة بمهارة وسط صرخات المعجبين وتغزلاتهم البريئة ويواصل احميده درنة تبرويلته :

شالك ملفوف..

خمسطاشر لفه عالجوف

الخاطر من عشقك ملهوف

طلب مرّة في العمر عطيه

وانت ياللي شـــــــالك لاويه

وتتعالى حدة الصراخ ويرمي الشاب الراقص شملة الرقص على فتى مكـتـنز أبيض يجلس جنب ونيس الذي تظهر على وجهه آمارات الغضب والغيرة ويتردد الفتى في الوقوف.. صراخ الحضور يرتفع أكثر يحثه على تنفيذ العرف والوقوف للرقص فالشملة الساقطة على أي كان قدر غير مردود.. الشاب الأسمر يوقف الفتى الأبيض الوسيم والخجول.. يطاوعه فيقف.. يربط الشملة حول خصره.. ينزلها مائلة قليلا من الخلف إلى أسفل وركيه.. أحد السمر يناول ونيس كأسا من خمر القرابا وقطعة شواء.. يتجرع الكأس دفعة واحدة ويلحقه بقطعة الشواء.. والفتى الأبيضاني يبدأ الرقص بطيئا خجولا متعثرا وجهه محمرا نازا بالعرق.. كل الحضور يتصايحون لرجرجة مؤخرته و يرفعون وتيرة الصراخ مع تبرويلة احميده درنة الجديدة :

هالغزال لمن يا ربي.. يمشي في الشارع ويصبِّي

الفتى الأبيضاني يرقص وونيس يبتسم ويحكك بسبابته زغب شنبه ثم يشير للفتى أن يرمي الشملة على صديقه احميده درنة.. لكن احميده درنة يتفطن له فينهي نوبة الغناء ويصفق الحضور طويلا ثم يشعلون سجائرهم ويوزع الشاي والخمر على من يرغب وتسخن الدرابيك والطبول وتضبط أوتار الكمان والعود استعدادا للنوبة التالية التي يبدأها ونيس بموّال :

 لي قلب يا من يقضَّه..

ويلقاه كامي بغيضه..

كيف الجنين المقمط..

عطشان وأمه مريضة..

ويصدح احميده درنة فور انتهاء الموال بأغنية ونيس المفضلة :

درت المحيشي ما لقيتا ريدي…. روَّحت نمسح في دموعي بيدي

وهذه الأغنية مؤثرة كثيرا في قلب ونيس.. ففي بداية عمله في المحيشي رئيسا للكناسين.. لمح فتاة جميلة تخرج من البيت بجردل القمامة تركنه أمام المرآب وتدخل سريعا.. منذ أن لمحها استقرت في قلبه.. كان مشغولا مع أحد الكناسين فلم يتملـّى منها جيدا.. لكن نظرته الوحيدة لها جعلته لا ينساها.. هو يتذكر ملامحها.. لكنها لم تخرج من البيت ثانية.. هل انتقلت إلى بيت آخر ؟.. أم كانت ضيف لأهل هذا البيت ؟.. منذ أن لمحها صار يضع كتب مكسيم جوركي وكارل ماركس ومجلات الكواكب وسوبرمان وميكي وسمير جانبا و يخرج من كشك العمل الخشبي.. يتجول في شوارع المحيشي متفقدا البراميل في المكب الرئيس والمكبات الفرعية ومراقبا الكناسين الكسلاء الذين يتركون التنظيف ويستظلون بأول سور يثرثرون ويعدون الشاي والشرمولة.. كل يوم يمر من ذاك الشارع أكثر من مرة.. لكن لا يراها.. قرفص أمام العيادة طويلا فلم يرها.. زار مدارس حى المحيشي كلها فلم يرها.. هذه الأغنية جاءته على الفاهق.. مذ أن سمعها في مقهى العرّودي بميدان البلدية حتى وغرت جروحه وغذته بوجدانها الخبئ.. بحث عن احميده درنة وتعرف عليه واشترى من دكانه طقم شاي وقصعة وكسكاس وغربال وإبريق مخصص للوضوء للحاجة أمه.. أمر الكناسين بالتنظيف بالمقاش أمام بيت حميده درنة ورفع قمامته في اليوم مرتين.. بل أمرهم أيضا برش الماء في شارعه بالكامل خاصة في أيام القيظ.. وعندما خصّه أحميده درنة بسهرة صاخبة في حقفة الجخ غنى له فيها أغنيته المفضلة :

 درت المحيشي ما لقيتا ريدي.. روحت نمسح في دموعي بيدي.. بأكثر من لحن.. أعطاه ونيس (أدجيروا) على سيارته البي إم دبليو الحمراء و مساء اليوم الثاني أمر سيارة رش المبيدات الحشرية برش شارع احميده درنة ثلاث مرات متتالية.. كان ونيس يقول لحميده درنة.. أنت فناني المفضل.. مداوي جرحي.. لا أريد للبعوض أن يقرصك أو يلوث أوتارحنجرتك.. فليقرص مطربي البلاد اعليويكه والحاج ابريك وشادي الجبل.. أنت ثروة لهذا البلد.. منذ اليوم لابد أن يكون شارعك نظيفا.. ودكانك نظيفا.. أنت فنك نظيف.. و قلبك نظيف.. لا مكان للبعوض والذباب والعناكب والصراصير وبنات آوي فيه.

وتنتهي حفلة العرس عند الفجر.. ويغادر شباب المنطقة والضيوف إلى بيوتهم.. ونيس يترنح والفتى الأبيضاني الوسيم الذي لم يسكر يسنده و يساعده في المسير.. يركبان السيارة.. ويدير ونيس المحرك فلا يدور.. السيارة باردة.. ما العمل.. ينزل الفتى الأبيضاني يفتح غطاء المحرك.. يتفقد خيوط الشماعي والسبانتاروجي ويتأكد من وجود ماء كافٍ بالمبرد ويتأكد من ثبات المكبسين الموجب والسالب على حلمتي النضيدة.. يدير ونيس المحرك فيدور قليلا ويقف مجددا.. تحتاج دفعة بسيطة.. يطلب الفتى الأبيضاني من شابين أسمرين المساعدة.. يرحبان بالمساعدة وكلاهما يتمتم للآخر ما أحلى الدف.. هيا ندف.. هيلاهب.. هيلاهب.. ويدفعون جميعا السيارة بونيس.. يدور المحرك فتندفع السيارة أماما بقوة.. الشابان يمسكان بالفتى الأبيضاني ويجرجرانه بعيدا محاولين نزع سرواله.. حتى أنت تحتاج إلى دف.. الفتى يقاومهما بشراسة ويـنتش رقبة أحدهما فيصرخ متأوها.. ونيس يسمع الصرخة فيجذب قضيب التعشيق إلى الخلف ويتوجّه بسرعة نحوهم.. يقفز من السيارة شاهرا سكين بوخوصة وصارخا يا عبيد يا زوامل.. يخز أحدهما في ساقه ويخلص فتاه..

يركضان نحو السيارة ويبتعدان..

بينما الشابان السكرانان يكيلان لهما الشتائم ويقذفانهما بالطوب.

خرجت السيارة من شوارع حرف س و دخلت الشارع الرئيس المعبد.. انعطفت يسارا فقال الفتى لونيس طريقنا إلى اليمين يا أستاذ.. ونيس يغني درت المحيشي مالقيتا ريدي.. يقول للفتى سنمر من أمام بيتها.. ربما تخرج في هذه الفجرية المنعشة.. يدخل شارع خلف النادي الرياضي.. ينعطف عدة انعطافات وأمام بيت يضئ نور السيارة المبهر ويضغط على المنبه ثلاث مرات.. رجل نصفه العلوي عار يخرج من البيت ويصيح شنو فيه.. خير انشاء الله.. ونيس يخرج رأسه من النافذة ويغني درت المحيشي مالقيتا ريدي.. يصافحه الرجل بيده الموشومة.. تفضل أستاذ ونيس.. نشعل الفنار وانديرولك قهوة مرّة وللشاب رفيقك كأس شربات.. ونيس يصافحه ويشكره.. أنا نبيها.. وينها.. شفتها أطلت من هذا الباب.. أو من باب مثل هذا الباب.. الأبواب متشابهة وحبيبتي لا شبه لها.. يجاريه الرجل وهو تعرّف على ونيس من خلال علاقته بالكتب فونيس قارىء نهم وهذا الرجل بائع كتب قديمة على رصيف المستشفى الكبير.. يكرر استضافته.. دقيقة أجهز لك قهوة وللشاب شربات.. ونيس يشريل ويرد.. منوّر.. منوّر.. نحن ماشيين مروحين.. حبينا انمسي بس.. يغادر بالسيارة.. يخرج من حي المحيشي.. يصل الصابري.. حيث يسكن الفتى.. آذان الفجر ينطلق من عدة جوامع في آن واحد.. ينزل الفتى مودعا ونيس.. ونيس يناديه بعد أن يبتعد خطوات.. تعال.. أقرب مني أشوي.. أريد وجيهك السمح.. يناوله الفتى خده.. يقبله ونيس ويصرخ فيه.. انحبك يا شدوق التفاح.

يدخل الفتى بيتهم.. أمه تسلم سلام انتهاء الصلاة.. وتقف معاتبة.. تأخرت كثيرا هذه الليلة.. أين كانت الحضرة.. وأين الشيخ لم يصحبك كالعادة.. يتلعثم الفتى.. الحضرة في حى المحيشي.. الحي الذي اسمه المدينة الدايخة.. قال لنا الشيخ الحضاري في المناطق التي بها موبقات وخمر وسيئات ننال عنها حسنات كثيرة مضاعفة.. تقدم له الأم كوب لبن وكسرة خبز تنور.. يشكرها ويضع الكوب والكسرة على نضد صغير.. أريد دخول الحمّام أولا.. الأم تتأمل وجهه وعينيه المحمرتين وتقول لكن هذه الليلة رائحتك ليست جاوى وفاسوخ ووشق.. هناك رائحة غريبة عالقة بك.. وينز العرق من الفتى وتحمر خداه.. رائحة ماذا يا امي.. ربما رائحة العبيد.. كنا في حضرة في حى المحيشي.. في حرف س.. حيث يقطن العبيد.. لا يا وليدي.. صنان العبيد ماني غابية فيه.. هناك رائحة ليست آدمية.. رائحة خمر والعياد بالله.. خف ربك.. تعال أقرب مني أريد أن أشم فمك.. الله لا تسامحك ياوليدي دنيا وآخرة لو كان شربت الخمر أو دخنت السجائر.. أبوك قبل أن يموت أوصاني بك.. وكان رجلا صالحا.. وانا أخدم منظفة في مدرسة دكاكين حميد من أجل إطعامك بالحلال.. ورفضت الزواج من أجل تربيتك تربية عفيفة.. وأجهشت في البكاء والفتى أيضا.

الفتى جميل وجسمه متناسق ونضر.. ابتدأ حفظ القرآن في إحدى الكتاتيب التابعة لأحدى الزوايا الصوفية ومنه إلى المدرسة النظامية.. في الصباح يدرس في المدرسة النظامية وبعد الظهر يرتاد الزاوية يتلقى مبادئ التصوف.. يحفظ الأوراد.. ويشارك جوقة المنشدين إنشادهم..

عندما شب بدأ يشارك في الحضاري.. يضرب الدف.. ويسخن البنادير ويساعد في أي أعمال يكلفه الشيخ بها.. أصطفاه الشيخ من عدة صبيان ليكون خادمه ومعاونه..

في غيابه يترك له مفتاح حجرته ومفتاح الزاوية.. صار محل حسد من باقي الصبيان ومن بقية المريدين القدماء.. حتى المكافآت كان الشيخ يساويه بالشيوخ الآخرين متعللا بيتمه ونشاطه وامه الأرملة الوحيدة.. وطاعة الشيخ في الزوايا الصوفية واجبة.. رفض أوامره حرام.. بل من الكبائر.. لا أحد يتصرف في شيء في الزاوية إلا بعد إذن الشيخ.. الطعام لا يقدم إلا بإذنه.. الأناشيد لا تنشد إلا بإذنه.. ماء الزهر لا يرش إلا بإذنه.. أي تصرف يقام بدون أمر الشيخ باطل وضلال وجب التبرأ منه.. وطرد فاعله من رحاب الزاوية.. عاش الفتى في هذه الأجواء.. يطيع الشيخ طاعة عمياء.. يرافقهم في الحضاري ويرى كيف يلحسون الرفوش والمعاول المتجمرة وكيف يلتهمون المسامير ويغرزون الأسهم في الأشداق والسكاكين في البطون.. كان الفتى منبهرا لهذه الخوارق.. يحكيها لأمه بانفعال فتقول امه تستور يا اسيادي.. أي شيء يطلبه منك الشيخ افعله.. أريدك شيخا يا وليدي وبعد ما تموت بعد عمر طويل تصير مرابط يزورك الناس.. طاعة الشيخ طاعة واجبة.. لا ترافق أولاد السوء.. دائما يصطحبه الشيخ حتى البيت يسلم على أمه ويمنحها بعض اللحم أو الفواكه أو المال.. فتوصيه على الولد.. فيقول لها في الحفظ والصون.. المرحوم أبوه صديقي وهو أمانة في عنقي.. وذات مساء سمع صراخ وعويل من بيت الشيخ القريب.. الشيخ مات.. مات فجأة.. سكتة قلبية.. مات ووجه مبتسم.. ومصحف القرآن مفتوح أمامه.. حفيدته جاءته بطاسة الشاي فوجدته دون حراك.. لم يعانقها كما كان يفعل ويمنحها حفنة لوز.. مات الشيخ عبدالسلام.. وحزن عليه الفتى مثل حزنه على أبيه الذي لم يره.. بكى كما بكت أسرة الشيخ.. وبعد أسابيع خف الحزن.. وعيّن لمشيخة الزاوية شيخا آخر من المريدين.. الشيخ الجديد كهل سمين دائما يبصق ويحشو فمه بتبغ المضغة.. الفتى لم يتقبله.. لكن طاعة الشيخ واجبة.. صار يخدمه كما يخدم الشيخ عبدالسلام رحمة الله عليه.. والشيخ يصحبه حتى البيت إن تأخر الوقت وأظلمت الدنيا.. يتجاذب مع أمه أطراف الحديث.. يسألها إن ينقصها شيء أو تشعر بأي خوف.. فتقول له الدنيا آمان والبركة في الجيران.. يغادر بعد أن يقول أنا دائما في الخدمة.. طيلة الأربع وعشرين ساعة.. أرسلي في طلبي في أي وقت.. حتى بعد منتصف الليل.

كل يوم في غرفته بالزاوية يستلقي على بطنه ويطلب من الفتى أن يدلكه فيقف على ظهره ويمشي أماما وخلفا مهرسا كتفيه وجنبيه ووركيه.. الفتى حافي القدمين يمشي على ظهر الشيخ والشيخ يتأوه ويقول هنا.. هنا.. أسفل قليلا.. يسارا.. فوق.. تمام.

يجلس الشيخ من رقدته.. يحضر الفتى الإبريق والطست.. يصب عليه الماء.. الشيخ يتوضأ.. ويطلب من المؤذن أن يرفع الآذان للصلاة.. وتوالت هذه التماسات.. وذات ليلة بعد صلاة العشاء.. أحضر الفتى الكانون ووضع فيه حفنة بخور.. وطلب الشيخ من الفتى أن يضرب له الدف.. والشيخ بدأ يجدب.. ويقول الليلة سأعلمك كيف تضرب الموس في بطنك.. والفتى سعيد بهذه الخارقة التي سيتفاخر بها أمام الفتيان والناس.. الفتى يضرب الدف.. والشيخ يجدب.. وحفنة أخرى من البخور يضعها الشيخ في الكانون فيصير جو الغرفة مضببا.. يجذب الشيخ الفتى إليه.. يطاوعه.. يطرحه على بطنه.. يدلك له كتفيه وسلسول ظهره وجنبيه.. ويهبط بأصابعه التي توترت إلى وركيه.. يمرسهما قليلا.. أصابعه تغوص في اللحم الناعم المكتنز.. يلعن الشيطان.. الشيطان يلعنه.. الفتى صامت مطيعا كما أرضعته الزاوية.. الشيخ يبصق المضغة بعيدا.. ويهيم في عالم النشوة.. في عالم النسيان.. ما عاد هناك شيء.. لا شياطين ولا ملائكة.. جسد يشتهي جسدا.. يفك تكة سروال الفتي ويؤخره للوراء حتى ركبتيه.. يوشوشه لا تخف.. كل ضاربي الأمواس في البطون مضروب لهم.. كي يحتمل جسدك السكاكين.. لابد لك من احتمال هذا الحقـن.. وبصق بين إليتيه ودفعه فيه.. الفتى صرخ.. والشيخ وضع راحته على فم الفتي وهمس في أذنه.. اصبر وإياك أن تخبر أحدا عن هذا الأمر.. إن أفشيت السر ستؤثر فيك السكاكين وتميتك إن غرزتها وسيدقدقك الشيخ الكبير.

وواصل هذا الشيخ معاشرة الفتى والاستمتاع به بكافة الأوضاع.. وكل مرة يسأل الفتى متى أضرب السكين فيجيبه الشيخ مازال الآوان لم يئن.. وفي يوم من الأيام قرر الشيخ العودة إلى مدينته الساحلية حيث النخيل.. لقد نشب صراع هناك حول بعض الأراضي الموروثة له.. أبناء عمومته سيلتهمونها.. الأرض صارت منطقة تجارية في قلب المدينة واسعارها ارتفعت كثيرا.. لو بقى هنا في رباية الذايح بنغازي ستضيع أرضه.. عرض على أم الفتى الزواج ليأخذها معه مع ابنها فرفضت.. وعرض عليها أخذ الصبي معه.. ليواصل تعليمه هناك في المنارات والتكايا الصوفية.. لكنها تمسكت بابنها.. فغادر حزينا.. واستلم الزاوية شيخا آخر.. طلب من الفتى عدم الحضور إلى غرفته.. أي أنه لا يريد خادما.. وإن أراد الحضور كمريد فمرحبا به.. سأله الفتى ألن أضرب السكين فقال له الشيخ أنا لست مؤمنا بهذه الشعوذات.. منذ هذا اليوم الزاوية ليس بها شيء سوى ذكر الله وحفظ القرآن والصلاة.. ارتاد الفتى الزاوية أياما.. ثم بدأ يتغيب.. ويذهب إلى منطقة الفندق البلدي.. يدخل سينما هايتي أوالنصر أوالاستقلال.. وأحيانا يتمادى فيبتعد ويتجول في سوق الحشيش و شارع عمرو بن العاص.. ذات عشية دخل مقهى دمشق وطلب طربوش آيس كريم و صار يمتصه.. لمحه ونيس الذي كان يقرأ جريدة الحقيقة فأعجبه.. تعرف عليه بكلمات معسولة وعرض عليه أن يوصله إلى البيت في السيارة.. صارت صداقة بريئة بها بعض الجنون المحبوب.. الفتى لا إخوة له استأنس بونيس المثقف الذي عامله برقة وبرؤية نفسية متحررة.. فتح له الفتى قلبه و باح له بمشاعره و أماله.. حكى له عن أمه ووصاياها وفي لحظة شديدة من البوح الصادق باح له بقصة الشيخ اللوطي الذي شبع فيه نيك..

 تمتم ونيس بخفوت اللعنة على هذا الشيخ الفاسد.. يعطيها في صغره ويدورها في كبره.

لم يستغل ونيس سذاجة ومراهقة الفتى ليضاجعه هو أيضا.. اكتفي بتقبيل خديه كلما اشتد به الوجد وجذبته نشوة السكر.. أبعده عن الزاوية وشجعه على مواصلة دراسته الصباحية.. وفي العشية يمر عليه بالسيارة ياخذه معه إلى المباريات الرياضية.. الفتى صار يشجع الأهلى بنغازي.. لم يشجع فريق منطقته التحدي.. تأثر بونيس وفلسفته وألوانه وحتى بقراءاته.. بدأ الفتى يقرأ الجرائد والمجلات وبعض الكتب.. ابتعد قليلا عن الجو الديني والصوفي الذي ترعرع فيه.. يحل الكلمات المتقاطعة ويقرأ المغامرات.. ونيس سعيد بعمله رئيس كناسين.. كل الكناسين يفرزون الكناسة قبل رميها في المكب ينتشلون كل ما هو ورقي.. رسائل.. أوراق رسمية.. كتب مجلات.. جرائد.. ونيس يصففها في المكتب ويفرزها ويقرأها جميعها والذي ينفع يوزعه على الاصدقاء أو يبيعه لصديقه تاجر الكتب القديمة تحت سور المستشفى الكبير والذي لا ينفع يأمر الكناسين بحرقه.. الكتب الجميلة يحتفظ بها ويعير بعضها للفتى.. الفتى يقرأ ويناقش ونيس فيما قرأه وونيس يشرح له.. تعلق الفتى بالأدب الروسي.. وصار كتاب الأم لمكسيم جوركي لا يفارقه.. قرأه أكثرمن مرة.. وقرأ لأمه منه صفحات أعجبتها.. لكن الكتاب الممتع الآخر الذي شد الفتي هو كتاب ألف ليلة وليلة.. يقرأ منه ويغمض عينيه ويحلم بشهر زاد ويستمنى عليها أحيانا.. ويستغرق في شخصية سندباد.. ويكونه.. وعندما يإتي إلى ونيس في العمل يتنقل بين أكوام القمامة.. ونيس يناديه من شباك مكتبه الخشبي والفتي يقول له دعني أبحر بين جزرك النافعة.. ويبحر الفتى مزاحما القطط والكلاب والفئران والتي يرفض ونيس التخلص منها أو وضع السم لها.. أكوام القمامة خمسة أكوام.. كل حرف من أقسام الحي له كوم.. الكوم الخامس هو كوم الحكومة.. كوم قمامة مركز الشرطة والعيادة والبريد والبلدية ودار الخيالة والنادي.. في هذا الكوم يجد الكناسين كثيرا من اللقي ذات القيمة.. الأكوام الأربعة الأخرى يجدون فيها بعض الكتب والمجلات.. كناسة البلدية والشرطة مليئة بالطعام والمعلبات.. كناسة دار الخيالة يجدون بها دائما بعض النقود الساقطة من المشاهدين في الظلام.. كناسة العيادة نتنة لكن بها بعض المواد الطبية وبعض علب الحليب المجفف وغيرها.. يتنقل الفتى بين الأكوام ينكشها بعصا رفيعة ويلتقط منها كل ما يراه مفيدا.. الكتب والمجلات يحضرها الى مكتب ونيس بعد ان ينفضها من التراب ويمسحها من العوالق اللزجة.. يقرأ فيها ويسأل ونيس عن كل ما غمض منها.. كل الكتب وجدها في الكناسة.. كل المجلات والجرائد بكافة اللغات.. الكتاب الوحيد الذي لم يجده في الكناسة هو القرآن الكريم.. هكذا قال له ونيس عندما سأله عن معنى المدينة الدايخة.. قال له لو كان هؤلاء الناس دايخين كما يقولون عنهم لرموا القرآن في القمامة.. إنها مدينة مستيقظة رزينة فيلسوفة.. مدينة قمامتها كتب.. وكلما أقول أن الكتب نفدت أجد كتبا جديدة.. إنهم يقرأوون ويشترون الكتب شراءهم الخبز.. والكتاب المقروء كتاب ميت.. يرمونه ويحضرون غيره.. والحقيقة أيها الفتى أنا استفدت من العمل في هذه المدينة الدايخة.. القمامة جعلتني مثقفا ومفكرا وكاتبا.. جعلتني أفكر أن أصير زعيما بطلا.. جعلتني صديقا لأحلى فتى رأيته في حياتي.. الجميل أيضا أنه عندما تشرب الخمر في هذه المنطقة لا يشنتلون بك للشرطة.

أنا أحب القمامة.. أحب الفقراء.. البسطاء.. سكان زرائب العبيد.. أحب أن أخدمهم من عيوني.. أنظف مساكنهم.. تنظيف المساكن يسعدني.. لا يتعبني كما يتعبني تنظيف القلوب.. في هذه المدينة أستمع الضحكات وكأنها أغاني وأسمع العطسات وكأنها أناشيد.. منذ السادسة تجدني في مكتبي.. أحد الكناسين يعد لي الشاي على الخشب.. يناولني طاسة شاي وكسرة خبز.. ارتشف وأقرأ الكتب التي وجدوها بالأمس.. هم يسعدونني كلما يحضرون لي كتابا.. يتسابقون على فعل هذا.. بقية اللقي ذات القيمة المادية يحضرونها لي.. أضعها في درج المكتب.. آخر الإسبوع أذهب صحبة مندوبين منهم ونبيعها.. الذهب في سوق الذهب وبقية الأشياء من المنيوم ونحاس وخشب وملابس في سوق الترك وسوق الظلام.. نتقاسم المبلغ بالتساوي وإن كانت الحصيلة ضئيلة اتنازل لهم عن حصتي.. هم يحبونني كثيرا ويستمعون لحديثي قبل توزيع الحصيلة.. أحدهم قال لي أنت كلامك أفضل من كلام شيخ الجامع.. وآخر يقول له قل استغفر الله.. فالأستاذ ونيس حديثه حديث دنيا وشيخ الجامع حديثه حديث دين.. ويحسم ونيس النقاش قائلا كل انسان حر في رأيه.. رأيه في كلامي أحترمه ورؤيتك حول حديث الدنيا وحديث الدين أحترمها.. نحن في النهاية أخوة نحب بعض وليزداد هذا الحب خذا حصتي هذا الأسبوع واقتسماها فكلاكما اسرته كبيرة والمدرسة على الأبواب ويصيح أحدهما لا يا أستاذ ونيس.. نحن مستوران والحمدلله.. لكن ونيس يصر على الأمر.. يقول لهم أنا لست متزوجا ومصاريفي قليلة وراتبي من البلدية جيد.. خذا حصتي وعلى قلبي كيف العسل.. يقول الذي وعظ بالدنيا والدين انشاءالله تكمل نصف دينك وتتزوج ونغني لك جميعا ومعنا صديقك حميده درنة.. يقول ونيس يا ريت.. ياريت.. لكن أينها الحبيبة التي أخرجت جردل الكناسة ذات يوم.. وجهها أحفظه.. لكن لم أجدها.. أحد الكناسين قال أعرف تقازة تجدها لك يا أستاذ ونيس.. ويضحك ونيس ربما مثل تقازة صاحبك ذاك ويشير إلى أحد الكناسين المتقرفصين أمام موقد الشاي التي عرضت علي ابنتها الهجالة للزواج وأكدت لي أنها هي من رأيتها.. سأجدها بنفسي.. صورتها محفورة في ذاكرتي.. سأجدها وأخطبها وستزفوننى أنتم أيها الكناسين الشرفاء.. سأدخل عليها في هذا الكشك.. إن تحبني حقيقة تحب كناستي أيضا.. أنا لا أنتج القمامة.. المجتمع ينتج القمامة.. القمامة مفيدة.. سماد للحياة.. كل طعامنا قادم من العفن.. نحن عفن.. رائحتنا نتنة.. يقول أحد الكناسين لم أفهم يا أستاذ ونيس.. يجيب ونيس إن فهمت تموت.. دعك في حياة البحث.. ويقفل ونيس كتاب الشعر الفرنسي المترجم الذي كان يطالعه.. يطلب طاسة شاي.. ويصرف العمال كل إلى عمله ويمنح اثنين منهم اجازة مرضية وآخر إجازة لحضور حفلة كشك وسباق ميز في منطقة برسس.

عندما خرجت ليلى بجردل الكناسة ووضعته أمام مرآب البيت كانت قد لمحته أيضا.. وما دار في قلب ونيس دار مثله في قلبها.. اللمحة فعلت فعلتها.. دقة قلب ولدت في آن واحد.. دقة قلب مشابهة لأختها.. دقات القلوب كما البصمات تختلف من مخلوق لآخر.. تختلف عن بعضها.. في زمنها ومكانها.. وحلمها.. هناك دقة أنثى ودقة ذكر.. الدقة التي خرجت آن اللمحة من كلا القلبين جنسها الحب.. أي لا ذكر ولا أنثى.. دقة تلاشت في عالم الصخب.. دقة ركلت صمتها.. غادرت رحمها الساكن.. لاندري هل غادرته طوعا أم كرها.. كانت في طابور يتقدم.. طابور مدفوع من الخلف.. صوب هوّة الحياة.. طابور يهدر تباعا.. القلب مكانه.. والمجهول قائده…. يهدر في معاشات كثيرة مختلفة.. عبثية وموضوعية.. حسب المعيّار الطاغي ذاك الآن.. مرفأ الوصول لمحة عين ونيس.. لمحة عين ليلى.. الدقة ذابت في درب البصر.. سكنت في ذاكرة صاخبة.. ونيس يتذكر ليلى.. ليلى تتذكر ونيس.. ونيس يبحث عنها.. ليلى تبحث عنه.. تائهان في اتساع الوجود.. ذهبت إلى المدارس.. إلى العيادة.. قرب النادي الرياضي.. قرب مركز الشرطة.. أمام المسجد.. في أروقة سوق العبيد.. إلى البريد.. لم تجده.. هي لم تذهب إلى مكب القمامة قرب سواني عصمان.. فهناك المنطقة فضاء.. و لا أنس.. ولا سكان.. كلاهما يبحث عن الآخر.. وكلاهما له في قلب الآخر بهجة يريدها.. وقدر يريد أن يعيشه فيه.. الأقدار تعاش في بعضها.. والبعوض التائهة قدرها يضحك.. كانت ليلى زمن اللمحة في زيارة خالتها خديجة والخالة خديجة امرأة من أصل يهودي دخلت الإسلام هي وأختها زينب ( أم ليلى ) واشتكت اسرتهما للسلطات البريطانية التي كانت تدير ليبيا عقب الحرب العالمية الثانية فحاولت هذه السلطات أن تعيد الفتاتين إلى دينهما اليهودي أو التنصر على الأقل بيد أن الفتاتين رفضتا رفضا قاطعا وعندما أرادت هذه السلطات بمساعدة الأسرة القبض عليهما التجأتا إلى بيت القاضي الإسلامي الذي أجارهما واعترف بإسلامهما وبارك هذا الإيمان الطوعي.. ومنحهما اسمين جديدين خديجة وزينب عوضا عن اسميهما اليهوديين.. بل نسبهما القاضي إلى نفسه فمنحهما اسمه ولقبه وصارتا بنتين ليبيتين للشيخ يتقاضى عنهما حصص التموين التي توزعها السلطات البريطانية على الشعب آنذاك والمسماة (جرامات).. هو لا يتقاضى الجرامات نتيجة عوز.. فمرتبه من السلطات البريطانية ومن الهبات القادمة من شيوخ القبائل وشيوخ الزوايا الصوفية يكفي ويوفي.. لكنه يتقاضاها وفقا لمقولة الشعرة التي تنتفها من إبط التيس مكسب.. بقى أن نعرف أن الجرامات والمال الذي توزعه بريطانيا على الليبيين هو تعويضات تدفعها دول المحور المهزومة في الحرب العالمية الثانية للدول المنتصرة التي تقودها بريطانيا و المسمّاة الحلفاء.. البنتان جميلتان.. متعلمتان.. ذات بشرة بيضاء وعيون سوداء وشعر به حمرة هافتة بلون الحِنـَّـاء موزع إلى ضفائر عدّة.. سرعان ما تزوجتا.. وأنجبت زينب لؤي و ليلى بينما خديجة لم يمنحها الله ذرية.. الخالة خديجة تعيش بمفردها في قطعة بحي المحيشي وأختها زينب تعيش في منطقة الفويهات فزوجها التاجر من عائلة بنغازية غنيّة.. ألح زوج زينب كثيرا أن تشاركهم الخالة خديجة البيت.. لكن الخالة خديجة رفضت وفضلت أن تعيش في حلاق صفيح في منطقة رأس عبيدة مع زوجها العامل في الميناء ومن ثمّ انتقلت مع المنتقلين إلى حي المحيشي.

خديجة دائمة الصلاة.. تحفظ الكثير من سور القرآن الكريم ومن الأحاديث النبوية الشريفة.. وزوجها أيضا رجل صالح رغم أميته وفقره.. فهو يعاملها برفق ومحبة ويساعدها في أعمال البيت وإذا مرضت يحزن كثيرا ويجلب لها الأدوية من صيدليات شارع عمر المختار.. وينقلها إلى المستشفي الكبير في سيارة أجرة أو على كارو بحصانين.. هي ضعيفة تعاني من ربو مزمن نتيجة البرد الذي لفحها صغيرة.. فطفولتها عاشتها في مدينة المرج الجبلية الباردة صحبة أختها ولم تأتي إلى رباية الذايح بنغازي وتقيم فيها إلا بعد أن ضرب الزلزال المرج في أوائل الستينات من القرن الماضي.

نجت خديجة و زوجها بإعجوبة.. صنورة الغرفة انقسمت نصفين ونصف ارضية الغرفة غاصت في صدع أرضي عميق والجدار المشرف على الشارع انهار.. هما آنذاك لم يكونا في غرفة النوم.. كانا في المطبخ قرب الموقد.. تناولا تعويذة تساعد على الإنجاب و استغرقا في فعل الحب.. هو يعتليها ويلهث للوصول إلى نشوته وهي منتشية إلى أبعد حد.. تغرز أظافرها في ظهره وتصرر أسنانها ببطء وآن الرعشة له ولها صرخا معا وحدث الزلزال فالتصقا ببعضهما أكثر وغابا في اخدود لذيذ وصراخ الناس يأتي إليهما متساربا لا هو بالحقيقة ولا هو بالخيال.. وسقوط المباني يحدث دويا فاجعا.. والمطر يسقط والريح ثائرة والظلام حالك جدا.. لم يغادرا مكانهما.. لكن عندما همدا سترا نفسيهما وخرجا من باب المطبخ ليستطلعا الصخب وليصرخا معا.. البيت مدمر.. بل الشارع.. بل المدينة بأسرها.. بل العالم جلّه.. والمرج انكان عليه تسال.. فضيحة خلاه الزلزال.

أما زينب فعندما حدث الزلزال كان زوجها في بنغازي.. يتاجر في سوق الظلام مع التجار القادمين من مصراتة ومع الصينيين مندوبي شركات الإستيراد والتصدير وكانت هي ساهرة تطرز مفرش سرير برسومات.. طيور وأسماك وورود وفراشات.. كانت ليلى تنام قربها متوسدة فخذها بينما لؤي ينام في مهده المفروش بنطع صوف في الغرفة المجاورة.. كانت زينب تطرز على نور فتيلة زيت.. وليلي تعبث بكبّة الخيوط الملونة المتشابكة وتفرز كل لون على حدا.. تساعد أمها في وضع الخيط بثقب الإبرة.. وأحيانا تشارك الأم في عملية النقش فتقترح لونا لازوردي لذيل السمكة وفيروزي لجناح الفراشة ونيلي لمنقار الزرزور.. وعندما تقول لها أمها الأزرق مثل ماء البحر أزرق.. ستتداخل الألوان ولا تتضح.. تجيبها ليلى.. انثري حفنة من الخيوط البيضاء على صفحة البحر لتكون مثل الأمواج.. وتختار ليلى لونا لازوردي لأجنحة الطيور فتقول لها أمها زينب ما هذا يا بنيتي ليلى.. لن يتضح شيئا.. أجنحة العصافير زرقاء والسماء زرقاء.. فتقول لها ليلى انثري حفنة من الخيوط البيضاء في السماء تكون مثل السحب.. لكل سؤال إجابة عند ليلى.. سريعا ما تفلسف الإختلاف وتخلق المبررات.. أمها تطلب خيطا أسود.. أسود مثل هذه الليلة.. ليلى تعطيها خيطا أسود في بدايته إبرة وفي نهايته عقدة ليثبت في بداية الثقب البكر.. الخيط الأسود واضح جلي في الزرقة وفي البياض وفي بقية الألوان المستخدمة في النقش.. زينب تغني ليلى ليلى.. ليلى تجيبها نعم يا ماما.. زينب تغني ليس أنت.. أغني عن ليلى آخرى.. ليلة باردة.. مليئة بالقلق والوحدة.. اقتربي مني أشعر ببعض الوحشة.. أحن لأمي.. لجدتك التي فارقتها من أجل عقيدتي الجديدة.. أحن لجدتك التي غادرت هذا الوطن غاضبة مني.. جدتك طيبة.. لكن القرآن أطيب.. ليلى تعانق أمها وتعبر معها وتمسح دموعها بطرف المفرش الذي نقشته منذ قليل.. الريح سريعة.. والمطر يسقط.. والأرض تتصدع تحتهما وحولهما.. وأصوات صراخ قريبة وبعيدة.. ومباني تتهاوى.. تلتصق ليلى بأمها وأمها تستغيث يا ساتر.. يا مغيث.. أشهد أن لا إله إلا الله.. وأن محمدا رسول الله.. تركض إلى الغرفة المجاورة وليلى تتبعها واجفة.. لا تجد الغرفة.. الأرض ابتلعتها.. تصرخ لؤي.. لؤي.. وليدي.. تصرخ ليلى.. خويا لؤي.. خويا لؤي.. صراخ لؤي.. ماما.. بابا.. ليلى.. ماما.. بابا.. لي……. ثم جأرة مؤلمة و صمت.

حزنت البلاد على ضحايا الزلزال.. وأتت النجدة والتبرعات من كل ربوع ليبيا.. وانهالت التعازي ورسائل التعاطف والمواساة من كافة أنحاء العالم.. خاصة بلدان العالم الإسلامي.. أكثر الناس بقت في المرج.. انتقلت إلى منطقة المرج الجديد.. والبعض الآخر غادر إلى مدن أخرى قريبة.. بنغازي.. البيضاء.. طلميثة.. الأختان خديجة وزينب غادرتا صحبة زوجيهما إلى بنغازي.. استقرت زينب وزوجها وليلى في منطقة الفويهات في بيت جميل اشتراه زوجها من أحد الطليان العائدين إلى بلادهم بينما بنى زوج خديجة حلاق صفيح قرب سبخة رأس عبيدة جنب المرابط الشهير سيدي شاهر روحه.

وعاشا مثلما تعيش كل الناس.. خديجة في الحلاق وزوجها يعمل في الميناء.. زينب في البيت مع ابنتها ليلى وزوجها يعمل في التجارة ويسافر ويدعو تجار ضيوف إلى البيت يأكلون ويشربون ويسكرون ويصخبون.. كانت ليلى ترقب الحياة وتسأل أمها عن كل شيء.. والتي بدورها توضح لها الصواب من الخطأ وفق رؤيتها.. وليلى تناقش وتسأل دائما لماذا.. لماذا.. كل خميس يذهبان إلى السينما.. يشاهدان شريطا أجنبيا أو عربيا تستمتعان به وتتناقشن في فحواه.. وليلى صارت تدرس في مدرسة خاصة.. تعلمت الكثير من العلوم وتعلمت أيضا مبادئ اللغة الإنجليزية التي برعت فيها رغم صغر سنها.. صار أبوها يصحبها معه كلما التقى تجارا نصارى.. وصار يحضر لها المجلات والروايات الإنجليزية.. قرأت مسرحيات وليم شيكسبير.. روايات تشارلز ديكنز.. الكسندر دوماس.. وفيكتور هيجو.. وغيرها.. الكلمة التي لا تفهمها تفتح القاموس أو تسأل أباها.. كل اسبوع تزور خالتها خديجة.. تحمل لها قفة مليئة بكل شيء.. وتدس في يدها دينارا أو دينارين.. وتستمع إلى حكاياتها عن الحياة والألم والحب ومعاناة الناس وعن الأنبياء وعن الطرائف.. الخالة خديجة حكاءة ماهرة وذات ثقافة لابأس بها.. هي تجيد القراءة والكتابة بالعبرية التي تعلمتها صغيرة وأيضا بالعربية التي تعلمتها وهي تحفظ سورا من القرآن الكريم.. أحاديث الخالة خديجة شيّقة وليلى لا تمل من سماعها.. تسمعها وتعيد انتاجها وفق مخيالها لتحكيها لصديقاتها من فتيات المدينة.

ذاك اليوم الذي وضعت فيه جردل الكناسة أمام المرآب كانت في زيارة خالتها.. كانت ستسافر إلى أوروبا في اليوم التالي.. غسلت ملابس خالتها ونظفت لها براكتها ومطبخها وشطفت لها الحمام وسقت لها أصص الزهور و كنست باحة البيت الترابية بالعرجون ثم جمعت كل النفايات في السطل ووضعته أمام البيت.. خرجت سريعا ودخلت سريعا وبين الخرجة والدخلة لمحته ولمحها وتأجج ذاك الشيء الذي لم تجربه من قبل.. ذاك الشيء الذي ساح على فخذيها وهي ذاهلة واقفة خلف الباب الذي قفلته.. لاحظتها خالتها فسألتها ماذا حدث.. ماذا رأيتي.. هل أخطأ أحدهم في حقك.. أم رأيتي ما يزعج.. تواصل السيلان السفلي وسيلان دموعها وشعرت بمغص شديد في بطنها وجنبيها ودوار في رأسها وكادت تسقط أو تصرخ و دنت منها خالتها تتلمس بطنها وتضع راحتها على جبهتها.. لابأس بنيتي.. كنك اتوجعي.. أدخلى الحمام اغسلي وجهك.. دخلت ليلى الحمام وقفلت الباب وأنزلت سروالها وفغرت فاهها إذ وجدت تـبّانها غارق في دم وردي.. خلعته وغسلته.. وغسلت نفسها.. ثم خرجت تطمئن خالتها.. وتبشرها بأنها صارت امرأة.

تلك اللمحة هي الت أتت بالدم.. لمحة استقرت بين الفخذين.. جرحت قربة الخصوبة بسكين الشهوة.. لمحة حياتوية.. فورية.. لا مجال فيها للتفكر أو التأمل.. طيف سريع.. سنونو مرق وغاب.. دقة قلب خرجت وذابت.. رصاصة صمت.. لمحة من ونيس ولمحة من ليلى.. خلقتا كل شيء.. إعجاب متبادل.. رغبة متأججة.. بحث مستميت.. ذاك اليوم غادرت بعد ساعة تقريبا.. وسافرت صحبة والدها.. وعادت بعد ثلاث شهور.. عادت أنضج من ذي قبل.. عادت بنهدين سخيين ومؤخرة ممتلئة وشفتين أشد تورد وتجمّر.. تناولت في اوروبا الكثير من الأجبان والتشيبس وشطائر الهمبورجر والبيتسا والمرجاز الدافئ.. ومرحت مع الفتيان هناك.. وتماست معهم متذوقة بكائر المتع.. لكن ونيس لم يفارقها هناك.. كل فتى تراه ونيس فتتركه يلمس ويجس ويقلب.. في الليل تحلم به.. يأتيها وينام معها فلا تفرق بين الحقيقة والخيال.. أول ما عادت الى بنغازي زارت خالتها وخرجت إلى شوارع المحيشي تبحث عنه.. هى تحفظ ملامحه.. قمحي اللون.. متوسط الطول.. ذهبت للعيادة.. للمدارس.. للبريد.. للنادي الرياضي.. للبلدية.. تسكعت عشوائيا في الشوارع لئلا تصادفه.. لكن دون جدوى فكلاهما إبرة ضيعت خيطها ونست لونه أصلا.

ذات عشية شمّت رائحة غريبة وهي تتجول في شوارع حرف س.. رائحة خمر تقريبا.. أحد البيوت يجري من تحت عتبته غدير صغير يمتصه تراب الشارع.. رائحة كحول خميرة.. وهي تسير وتشم وتضع إصبعيها على أنفها تفركه يفتح الباب ويخرج رجل اسمر طويل في يده جالون عبوة عشرين لتر.. يراها.. يغازلها ماشاء الله على هالغزال.. أنت مش من المحيشي.. هالطلق ماعندنش منـّـا.. تبتسم له وتهزهز رأسها شاكرة وتبتعد صوب الطريق الرئيس تتجه شمالا.. محل احميده درنة للمواد المنزلية.. احميدة درنة جالس يدخن وشريط مرسكاوى له يلعلع :

يا نار ياسر من عذابك ليا.. صوال النبي راهو عزا ما فيه..

وينتهي الشريط فيقلبه.. ونيس يغني موال :

لي قلب يا من يقظـّـه..

ويلقاه كامي بغيضه..

كيف الجنين المقمط..

عطشان وامه مريضة..

ليلى يسحرها الصوت.. تقف أمام المحل أذنها للمسجل وعيناها للأواني المختلفة والحلم.. تتخيّل أن الأطباق والفناجين والطناجر والغرابيل تتراقص.. احميده درنة يدخن ويتأمل ليلى الجميلة والموسيقى والغناء المرسكاوي صاخب.. وقلب ليلى في حلم تائه بين الصوت والأواني.. واقفة أمام المحل.. وبعض السيارات المارة تطلق منبهات غزلية لها وبعضها يعرف احميده درنة فيمر دون صوت.. لاهي تقدمت ولاحميده درنة دعاها ولا الشريط اكتملت أغانيه.. صندلها يصاحب ايقاع الموسيقى بطرقات مشطية خفيفة على عتبة المحل.. طرقات تهتز معها مؤخرتها ونهداها هزات خفيفة.. شفتاها تصاحب الأغاني.. وفي لحظة تجلٍ غابت عن نفسها فرقصت مهزهزة وركيها بوحشية.. فوقف حميدة درنة وسحق عبق السجارة وقال لها تفضلي يا أخت وقدم لها كرسيا وكوب ماء بارد صبّه من جرّة في الركن.. جلست منبهرة.. وحكت معه عن الأغاني وسألته عن أسعار الأواني.. اشترت منه مزهرية بلون اللازورد وعندما أرادت المغادرة سألته من الذي يغني في الشريط قال لها أنا حميدة درنة ومعى مجموعة أصدقاء.. سألته أن يبيعها الشريط فأهداه لها.

في غرفتها وضعت الشريط في المسجلة ولبست لباسا خفيفا على اللحم وصارت ترقص على أغانيه وتتمرغ على السجادة العجمية وتصرخ هذا هو الفن وهذه هي المواويل اللي اتهبّل.. ياناعلي من حي المحيشي.. ومن عبيد المحيشي.. ووضعت كل كاسيتات البوب الامريكية في خزانة إلى حين.

عندما زارت خالتها في الإسبوع التالي غنت لها من أغاني الشريط فقالت لها خالتها هذه أغاني المطرب احميدة درنة صاحب دكان العوايز والمواعين في طريق سيدي يونس.. قالت لها ليلى الذي يلبس شنة حمراء.. أجابت خالتها هو بالضبط.. كيف من أين عرفتيه.. وحكت ليلى لخالتها قصة الشريط وأخرجت لها من كيس كبير المزهرية التي اشترتها منه.. قدمتها لخالتها هدية.. لم يكن في المزهرية ورد بلاستيك.. لقد حشتها ليلى بورود طازجة اشترتها من مشتل بمنطقة الفويهات.. شكرتها خالتها ووضعت المزهرية في نافذة البراكة بعد ان ملأتها حتى المنتصف بماء المطر.

بقعة الدم السائلة من بين الفخذين بقعة فاسدة طردها الجسد من حماه وسفحها على قشرة اللحم الخارجية.. مخاض مؤلم سبق الانبلاج.. في تلكم المناطق من الجسد مكمن اللذة والألم.. الدم رب اللذة والألم.. هو عنفوان الحياة وجحيم الفناء.. البراءة اللصيقة بالأجنة جاءت من هناك.. سبقت فساد الدم وانبلاجه للهواء.. امتطت اللذة وصانت هذا الفساد بحياة وليدة لها بها نفس هذه القذارات المتعايشة في الداخل والفاسدة إن خرجت للهواء.. الحرية بذرة فساد.. الهواء قرب أكوام القمامة نتن بيد أن الأنوف تعودته وقبلته.. خاصة عندما تحرق القمامة وتصّاعد أعمدة الدخان حاملة للسماء كافة روائح الأطعمة والموت..

بحثت ليلى عن ونيس في كل مكان من حي المحيشي.. بقى مكب القمامة الرئيس لم تبحث فيه.. هل يعقل أن تعثر على لميحها هناك.. وكيف ستمشي في هذا الخلاء وحيدة.. وجاءت الفرصة.. وجاء الربيع.. وخرجت الناس للخلاء الربيع قرب السدرة والكسارة وسواني عصمان والجخ.. تتمتع بالورود وتستنشق عبق الهواء وتجمع القعمول ( خرشوف ) والتمّير والجلبان والقمحي والكمأ.. وخرجت ليلى مع خالتها وإحدى جاراتها لإعداد الشاي والكاكوية وطهي طنجرة مقطّع بالقديد والحلبة والثوم وزعتر البر.. المقطع أكلة ليبية عبارة عن خيوط رقيقة من عجينة الدقيق تطبخ في إيدام مع القديد.. الخيوط شبيهة بمكرونة السباغيتي.. تؤكل كإفطار آوان الضحي وتتعشى بها العائلات الفقيرة في الشتاء.. ركبوا كارو يجرّه حمار نقلهم إلى هناك قرب سدرة النبق المباركة.. شجرة السدر محاطة بصخور ملساء متناثرة تبدو كجزر في وسط التراب المغطى بعشب النجيل والقميلة ( المريمية ) والقعمول والزعتر وغيرها من الحشائش البريّة.

رائحة الربيع تفعم الأنوف.. تجعلها تنشرح.. ليلى ترفع يديها للسماء وتستنشق أكبر كمية ممكنة من الهواء العطير.. تزفرها ببطء ولذة وتعيد الكرّة مرات.. تستنشق وتدور حول نفسها تتأمل المكان الجنـِّـيِ.

معظم الزرادة من حي المحيشي ومن المنطقة الملاصقة له من ناحية الشمال سيدي يونس.. أكثرهم أوقد نارا ووضع عليها قدور وطناجر وبراريد طعامه وشايه.. فراشات لوينة تنتقل من وردة حمراء إلى صفراء.. تقف فوق بتلات الزنابق.. تقترب منها ليلى.. تغني لها وتزغرد في خفوت.. تنتقل من زهرة إلى زهرة متابعة الفراشات وبعض عاملات النحل.. تأخذها الخطوات بعيدا وخالتها خديجة تناديها لا تبتعدي.. اعرفي مكاننا جيدا.. هنا جنب سدرة النبق.. الهواء برد قليلا.. والشمس تشرق وتغيبب بين اكوام السحاب..

ليلى تتجول.. يقابلها طفل تلاعبه.. خرجت مجدداُ الى منتهى اليقين.. التفتت ورأت سدرة خالتها بعيدة نسبياُ لكنها معروفة..لفت من وراء السدرة وحاذت سانية قديمة مستورة بأحجار ضخمة غير منتظمة..سانية مليئة بأشحار النخيل والزيتون ويظهر فى وسطها حصان وقطيع غنم وعدة كلاب بدأت تقترب من السور وتنبح.. تجاوزتها وهى تلتفت نحو مكان السدرةحيث خالتها لئلا تتوه..حذائها يؤلمها فتحت خيوطه ليتسع قليلاً..واصلت التجول تغنى أغانى لفيروز وتترنم أحيانا ًبألحان شعبية سمعتها فى اشرطة احميدة درنة و شادى الجبل ومع المسير بدأت الرائحة العطرية تنتابها بعض النتانة..تأملت قرب السور الذى تركته جيفة شاه وُضعت عليها عدة أحجار ابتعدت عن المكان قافلة أنفها حتى عادت رائحة الربيع.. عربات الكارو تمر عبر مسارب غير مسفلتة..وزرادة شباب وعائلات يبتسمون لها كلما لاقوها..ترد سلامهم وتبتسم لهم..هى معروفة ليست من المنطقة..ملابسها أنيقة مستوردة وحذاؤها بكعب وليس يوجد مثله فى السوق وغزتها اللمحة آن هطلت قطيرات مطر متناثرة وغزتها اللمحة إذ فجأها شعاع شمس قوى فلت عبر كوة فى سحابة ضخمة..اللمحة المخزونة فى ذاكرنها اطلت من جديد..أين ذاك الفتى الذى رأيته ذات يوم كل من مر بى ليس هو..كل الاماكن زرتها ما الذى يجعلنى ابحث عنه فى مكبات القمامة..هل لأني لمحته عندما اخرجت جردل القمامة ليس هناك صدف تولد عبثاًً سأتجه إلى هناك حيث شلة الكناسين..حيث الشاحنة الكبيرة التى يملاءونها بالقمامة حيث الكشك الخشبى وبدأ قلبها يدق كلما اقتربت من المكان ونفس تلك الدقة الفريدة التى صاحبت اللمحة.. الكناسون رأوها تقترب فصار كل واحد يعدّل من هندامه.. بنطلونها القماشى الازرق الغامق الفضفاض وجبتها الصوفية ذات اللون الفيروزى..وحذاؤها الاسود اللامع مع كل شعاع يفاجئه..اقتربت من المكان ولم تضغط بإصبعيها على أنفها.. الفت رائحة العفن ورأت أكوام الكتب و الجرائد..أكوام الخشب و البلاستيك.. أكوام الطعام.. أكوام الخبز اليابس.. حيّت الكناسين فحيّوها..تأملت وجوههم واحداً.. وابتسمت لهم و ابتسموا لها ودعوها الى طاسة شاى..فقبلت الدعوة ورشفت من الشاى و مضغت كسرة خبزة.. لم تتناول معهم حديثاً أول مرة.. لكن احدهم قال لها ان أرادت الاستراحة فى المكتب تفضلى..المكتب نظيف وبه كراسى.. دفعها فضولها وبحثها لقبول الدعوة.. فدخلت الكشك الخشبى.. جلست الى المكتب تصفحت بعض المجلات والكتب والجرائد بعدها جالت في أركان المكتب.. تقويم معلق على الجدار.. لا توجد صور معلقة لأي كان.. تفرست فى وجوه الكناسين مجددا ًوشعرت ببعض الضيق والألم.. فتاها ليس هنا.. لم تعرفه في وجوههم.. بعدها استأذنت فى المغادرة وتمنّت لهم التوفيق.. أحدهم سألها فأجابته أنا ليلى.. طالبة أزرد مع خالتى التى هناك عند السدرة..أنا لست من حى المحيشى.. لكن احب هذا الحى وأحب موسيقاه وكل شى فيه ونفسى ترتاح هنا حيث الحياة والحب وكل شى..ابتسم لها الكناسون جميعا وودعوها ملوحين بقبعاتهم البيضاء.. فى هذا اليوم غادر ونيس المكتب بعد أن وزع العمل.. أمه الحاجة مريضة وعليه نقلها إلى مستشفى البردوشمى..أمه تحبه..ولا تسمح لأي من اخوته أن يحملها إلى المستشفى.. حتى عندما ذهبت للحج فى الباخرة اخذت معها ونيس.. كان آنذاك صغيرا ثلاث سنوات أو أربع.. كان أصغر حاج فى الباخرة لكن لم يطلق عليه اسم حاج.. ونيس منعهم من ترديد هذا اللقب.. قال لهم لم احج بمحض ارادتى.. كنت مرافقاً.. ولاأتذكر من هناك شيئا سوى رائحة البركة ونسيم السكينة..سأحج ذات يوم بنفسى.. هذه ليست حجة.. كلما نادوه فى البيت وهو صغير ياحاج بكى وصرخ وقال لهم أنا صغير مانيش شايب..وحتى رجلى سوف تصح وادخل فريق الأهلى ألعب مع اللاعبين الكبار و اسجل الاهداف..عادتن ليلى إلى خالتها عند السدرة ووجدت المقطع بالقديد جاهزا فتناولته بنهم وعيناها على مكب القمامة البعيد وشربت من شاى خالتها الذي لم تره مختلفاً عن شاي الكناسين وابتسمت للسماء التى غيبتها هذه الأثناء سحابة سوداء صنعت ظلاً ًكبيراً على كل الفضاء الأخضر وقالت الخالة علينا أن نذهب..السماء ستمطر الان والشوارع ستوحل وسيصعب علينا الوصول واستقلوا عربة كاروا مارة اوصلتهم الى البيت..

مقالات ذات علاقة

رواية الحـرز (4)

أبو إسحاق الغدامسي

رواية الحـرز (33)

أبو إسحاق الغدامسي

بـتـول

عبدالله الغزال

اترك تعليق