المقالة

المدرسة وإعادة الإنتاج الآيديولوجي

تتركز مهمة الدولة، عموما، في محاولة إعادة إنتاج الآيديولوجيا المهيمنة في المجتمع، التي هي، بالضرورة، آيديولوجيا الطبقة الحاكمة أو التحالف الطبقي الحاكم، وتثبيت الوضع القائم. وهي تفعل ذلك عبر وسائط وأجهزة متنوعة تشكل نسقا.

الفيلسوف الفرنسي الماركسي لويس ألتوسير هو أول من تكلم، بشكل محدد ومركز، على هذا الجانب، وذلك من خلال دراسته الشهيرة والمهمة التي عنوانها: “الآيديولوجيا وأجهزة الدولة الآيديولوجية”. فالدولة “آلة” قمعية تمكن الطبقات الحاكمة من تعزيز سيادتها على الطبقات الأدنى في المجتمع (1: 70). وهكذا تكون الدولة، في نهاية الأمر “ما أسمته الكلاسيكيات الماركسية أجهزة الدولة” (1: 70). وهو يفرق بين “سلطة الدولة” و “أجهزة الدولة”، حيث تختص الأولى بـ “الحفاظ على سلطة الدولة أو الاستيلاء على سلطة الدولة، الذي هو هدف النضال الطبقي السياسي” (1: 73). وتمثل الثانية الأجهزة التي تستخدمها سلطة الدولة في إدارة الدولة.

وهو يميز بين “أجهزة الدولة القمعية” التي تستخدم (1: 78) ، بحكم التعريف، العنف المادي بشكل مباشر أو غير مباشر ، والمسؤولة على تطبيق القانون، وهي الشرطة والمحاكم والسجون، إضافة إلى الجيش الذي، رغم أن مهمته المحددة تتعلق بحماية الأمن الوطني، إلا أنه يكون أحيانا أداة قمعية مساعدة حين تلجأ إليه الدولة من أجل التدخل عندما تتجاوز الأحداث المعاكسة حدا معينا من الخطورة تعجز معه الشرطة المختصة بمكافحة الشغب عن السيطرة عليه. وبين أجهزة الدولة الآيديولوجية التي لا تستخدم (1: 78)، بحكم التعريف، العنف المادي، فهي “تؤدي وظيفتها، ليس من خلال العنف، وإنما من خلال الآيديولوجيا” (1: 78).

يورد ألتوسير من أجهزة الدولة الآيديولوجية أهم ثمانية أجهزة، يهمنا منها هنا الجهاز التعليمي المتمثل في المدارس من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية والمعاهد والجامعات حيث يتشرب الدارس جملة من القواعد تمثل “في التحليل الأخير قواعد النظام المؤسس على سيادة الطبقة [الحاكمة]” (1: 51 ) والمدرسة “تنجز [غرس] الآيديولوجيا “الراسية” في ممارسات تجعل من الممكن اكتساب واستخدام “خبرة know-how ” موضوعية غير قابلة للاختزال في آيديولوجيا معينة” (1: 77)

تنبغي الإشارة إلى أن الصياغة الأولى لدراسة ألتوسير هذه نشرت سنة 1970، أي بعد حوالي سنتين من ثورة طلاب الجامعات، وحتى الثانويات، التي عصفت بفرنسا، وأثرت اهتزازاتها في أوروبا غربا وشرقا وأمريكا وبلدان أخرى، سنة 1968، ما يعني أن الدراسة كتبت وأعيدت صياغتها لاحقا تحت تأثير هذه العاصفة التي قال عنها إدغار موران، بعد مرور خمسين سنة على حدوثها، أنها مازالت تشكل صدعا مفتوحا (2: 21)

من جانبه، يؤكد فان دايك (3) أنه “في مجال التعليم، تظهر الحاجة إلى الرقابة وفرض القيود العامة على الآراء الاجتماعية والسياسية الأكثر راديكالية لتجنب القضايا ‘‘المثيرة للجدل‘‘ التي تتعارض مع الأيديولوجيات الاجتماعية والسياسية المهيمنة” (3: 95). كما أن الكتب التعليمية الإلزامية التي تقرأ على نطاق وطني تعبر عن “الرأي الشائع المسيطر […] لذلك نادرا ما يسمح بأن تكون ‘‘مثيرة للجدل‘‘” (3: 142).
______________________________________________________________

* يشير الرقم الأول إلى رقم المصدر أو المرجع في القائمة أدناه، ويشير الرقم الثاني إلى الصفحة المأخوذ عنها.
1- Louis Althusser, Trans. by G. M. Goshgarian, Preface by Etienne Balibar, Introduction by Jacques Bidet, On the Reproduction of Capitalism: Ideology and Ideological State Apparatuses, Verso, London- New York, 2014
2- الدوحة، ع 128 يونيو 2018. قطر
3- توين فان دايك، ت: غيداء العلي، مراجعة وتقديم: عماد عبد اللطيف، الخطاب والسلطة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2014

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

الثقافة الليبية زمن الدكتاتورية القذافية

المشرف العام

مومياءات ليبيا أكثر قِدَماً من المصريّة

منصور أبوشناف

مَلْحَمَةُ الْإِنْسَان

علي بوخريص

اترك تعليق