المقالة

المجتمع المغلق يقذف طلائعه المثقفة نحو المنفى النفسي

الفكر الوطني لايمكنه أن يخاطب- دون صعوبات و عقبات- وسطا متخلفا شديد التخلف ،ومرد هذا أن البيئة المتخلفة المنغلقة تعيق ظهور المفكرين الذين يخصبون الواقع الاجتماعي بأفكارهم ومواقفهم .

هذا العنصر هو مايجب إدراكه إذا كنا مانرغب حقا في رؤية المسألة رؤية صحيحة . إن البيئات المتخلفة تمارسا ( ضغطا ) على نفسية الكاتب والأديب والفنان وتعرقلهم – في كثير من الأحيان – عن مواصلة جهدهم الإبداعي الخلاق .
هذه هي المسألة ..

الوسط المتخلف ، انعدام القيمة الحضارية ، افتقاد التعاطف والمودة الإنسانية – في إطار العلاقات الاجتماعية – بين المفكر والأديب والفنان والمثقف ، أي بين جميع الطلائع الواعية المستنيرة وبين الجماهير ، بين الناس ، بين الآخرين .

لعل هذا هو مايؤرق الكاتب ، بل ما يؤرق كل هذه العناصر الطليعية ويجعل حياتها خاوية من الشعور بالانتساب الحقيقي إلى الشعب ،فهم منتسبون إليه بحكم الرقعة الجغرافية ، بحكم المكان فقط ،ولكن العوامل الأخرى – التي تخلق انتسابا عميقا – معطلة تماما .

إن المجتمع المغلق يقذف طلائعه المثقفة نحو المنفى النفسي . إنه ينفيهم بتخاذله ،وضيق أفقه ،وأفكاره العتيقة وانغلاقه شبه التام في وجه كل دعوة إصلاحية -ولانقول “جذرية”- ورفضه لكل تعاطف عميق معه.

إن المجتمع المغلق ، الرجعي المتزمت ، الذي يأكل أفراده بعضهم بعضا ، مجتمع مقرور ، لامكان للكاتب فيه ،فقد يجد الكاتب مكانا جغرافيا ، ولكنه لايجد مكانا نفسيا ومعنويا ، إنه لا يشعر بالانتماء الكامل إلى قلوب الناس .

لأن الناس في غالبيتهم وداخل ظروفهم الاجتماعية تلك – لايملكون قلوبا حقيقية يمكنها أن تنبض بمعاني الخير والمحبة والتعاون ، بل هم لايملكون تطلعا عقليا إلى مستقبلهم الجماعي ذاته .

وهذا مايدفع الكاتب ، وبقية الفئات المستنيرة ، وهي قليلة الحجم ، على الإحجام عن الاشتباك مع الهيئة الاجتماعية ، اشتباكا ينهض على تبادل القوى ، وذلك لأن الهيئة الاجتماعية تقوم – في جوهر علاقاتها – على العداء والتوجس والتخوف ،ومحاولة تحطيم كل ماهو جميل ، ونبيل وجاد .

وفي تربة من هذا النوع ، في بيئة من هذا النوع ثمة استحالة أكيدة لا في أن يظهر الكاتب ، بل في أن يستمر أيضا ككاتب ، متابعا تطوير نفسه إلى مستويات رفيعة من المعالجة الفنية والفكرية ، فهو يفتقد وجود الحافز النفسي ،وإذا ماغرف هذا الحافز من نفسه أو أنشأه في وجدانه قسرا ، فإن المجتمع المتخلف المنغلق يعود مجددا ليزيل هذا الحافز الداخل أو يضعفه بما يقدمه من مشاعر العداء ، والكراهية والتقليل .

إن المفكر العظيم ، والأديب العظيم ،والفنان الذي يصوغ الشعور صياغة جديدة ،كل هؤلاء لاينشأون في الهواء ، ومن الهواء ،إنما ينشأون في ” وسط اجتماعي ” ويتأثرون إلى حد كبير – بل هم يتأثرون أكثر من أي أشخاص آخرين – برد الفعل الاجتماعي تجاه مايقدمون من منجزات.

فالمجتمع العظيم هو الذي يلد الكاتب العظيم وهو الذي يحتضن طلائعه ويمدها بالقوة وطول النفس . أما المجتمع المغلق المتزمت فلايمكنه أن ينشيء أو يصوغ إلا أنماطا على شاكلته ،لأنه يدعم ويؤيد صورته المشاعة ، يؤيد الرداءة ويحارب الجودة ويضعف في نفوس عناصره المستنيرة حوافز الإبداع ، والاسترسال وبذل الجهد .
وذلك هو مانعنيه بتأثير الوسط المنغلق ، المتزمت، الرجعي ، على مسار الطلائع ومصيرها .

وقد يقال أن الطلائع المبدعة قد ظهرت في فترات اجتماعية سيئة لاتشجع على أن يخط المرء حرفا ، ، أو يرسم لوحة ، أو ينشيء بناءً موسيقيا فذا ، أويعالج شأنا من شئون الحياة في مسرحية .

وهذا قول لايخلو من الصحة ،إلا أن المجتمعات التي أنتجت ” الكبار “لم تكن مجتمعات عاطلة ، – من جميع الوجوه- عن البذل ، فقد كانت هناك قوى فئوية ، عريضة ، ناضجة ، وكانت هناك ( واحات )وسط صحراء المجتمع وقيظه ، تشعر الكاتب والمفكر والأديب بأن ثمة فائدة من العناء .

إن الفترة الاجتماعية السيئة لاتطمس أصالة المجتمع طالما أن هذه الأصالة متوفرة كإرث تاريخي أو كنتاج حضاري عميق الجذور ،عميق المصادر.

صحيح ، بالفعل ،كانت هناك ،” فترات اجتماعية سيئة ” تكتنف ” الكبار” إلا أنها كانت تمر بمجتمع أصيل لايفتقد القدرة على منح الوقود لكتابه وفنانيه ومفكريه وأدبائه .
لقد أحب أولئك الأدباء العظماء مجتمعاتهم ، وكانوا يرغبون في أن يروها في مناخ اجتماعي أفضل ، لكن تلك المجتمعات لم تكن تنفيهم إنما كانت تحتضنهم وتعاونهم – بتجاوبها ،مهما كان هذا التجاوب ضئيلا- على استطراد جهدهم الشاق ،ونضالهم بوسيلتهم الصعبة : الكتابة . كانوا يشعرون بالانتماء ، وكانت هناك في المجتمع فئات تتطلع إليهم برجاء وأمل ومحبة .

إن المجتمعات العظيمة ، الأصيلة ليست مجتمعات عاقرة …وهي – بكل تاريخها الحضاري الطويل – تملك على الدوام قدرة المنح ، أعني قدرة منح دفء الانتساب إلى المعبرين عنها ، وقد تختلف معهم ، وقد لاتقرأ لهم كثيرا ، ولكنها تشعر بالفخر بهم ، تشعر أن هؤلاء هم أبناؤها ، وهم علاماتها ، وهم نتاجها .
_____________________
( الكلمات التي تقاتل )

مقالات ذات علاقة

الصحافة الإلكترونية

رامز النويصري

مراجعة في المنجز الغنائي للفنان أحمد فكّرون

زياد العيساوي

القفة… حنّة العيد

حواء القمودي

اترك تعليق