شخصيات

المجاهد عيسي الو كواك

 .

إعداد: صلاح الدين أبو سيف بوزيد الجبو

 .

عندما نتحدث عن شخصية عيسي الوكواك البطولية وكأننا نتحدث عن أحداث يخيل إليك أنها ضرب من الأساطير والخيال ولكنك ستشعر بالفخر والاعتزاز عندما تعلم أنها شخصية وطنية جسدت أحداثها علي أرض الوطن.

ولعل من الجدير بنا عندما نتحدث عن هذه الشخصية أن نذكر ما قيل عنه من قبل أعدائه فقد كتبت سيدة ايطالية (كرستينا أيلو) وهي أرملة الميجور انطونيو عنه تقول: (أنني أعجب لجيش ايطاليا المدعم بجميع وسائل القوة كيف يعجز عن القبض علي رجل بدوي حافي يحمل بندقية جل ذخيرتها هي غنائم من جنود ايطاليا لهذا أنذركم بأنني سأقتل طفلي الاثنين _ وسأقتل نفسي أذا لم يعدم عيسي الوكواك) التوقيع كرستينا أيلو

وعندما تقرأ هذه السطور القليلة التي كتبتها هذه السيدة يخيل إليك أنها تتحدث عن قوة جرارة أو عن شخصية أسطورية من العصور الغابرة لم تستطع أي قوة التصدي لها حتى تتجرأ هذه السيدة وتتحدث بنبرة مليئة بالحقد والغضب علي عيسي الوكواك الذي قتل العديد من الجنود والضباط الايطاليين وعلي رأسهم زوجها الماجور أنطونيو.

وبالفعل نحن نتحدث عن شخصية ليست بالعادية لعبت دوراُ ليس باليسير في حركة الجهاد ضد جحافل الغزو الايطالي وكان جهاده متميزا بطابع خاص أعطي الشخصية أبعاد خاصة وملامح خاصة فهو قائدا بارزا لعديد من المعارك ومقاتل عنيد تحت لواء عمر المختار.

هو عيسي عبد السلام المبروك الوكواك من قبيلة العرفة السلاطنة، ضرب به أروع الأمثلة في الشجاعة والفداء في سبيل إرهاب الغزاة الطليان وهو الذي قال فيه عمر المختار أثناء المحاكمة وصدور حكم الإعدام عليه: (وراءكم عيسي الوكواك والمجاهدون سوف لن تستريحوا أبدا).

ولد الوكواك سنة 1884 م. تقريبا بموقع سيدي إسماعيل بين مدينة المرج وقرية بطة ووالدته هي هنية الشيلبية من قبيلة العواقير وزوجته تدعي اشميسة الجربية أنجبت له ولدا توفي قبل العدوان الايطالي علي ليبيا ولم تدم مدة طويلة حتى أفترق هو وزوجته الأولي وتزوج مرة ثانية من قريبة له تدعي مبروكة علي الوكواك.

عقب الغزو الايطالي كان الوكواك في جولة مع ابن عمه بمدينة بنغازي فقبض عليهما الطليان وترك لهما الخيار السجن أو الانخراط بالجيش الايطالي فرفض ابن عمه لذلك نفي خارج البلاد ووافق الوكواك وبقي جنديا بالجيش الايطالي ونقل للعمل بمنطقة سوسة وأجاد اللغة الايطالية ومكث هناك طيلة سنة 1918 م. حتى منتصف سنة 1919 م.

غير أنه لم يستمر في العمل مع الطليان فقد كان مجبرا منذ البداية لذلك دبر أمر الفرار والانضمام إلي فصائل المجاهدين وفي أحدي الليالي تمكن من الحصول علي بندقيتين من الجنود الطليان أثناء نومهم ودخل علي الملازم الايطالي المدعو (ماساتيلو) في فراشه وقتله وهرب علي ظهر جواده إلي مقر الدور والتحق بالمجاهدين وبدأت حياة عيسي الوكواك النضالية بداية ذلك اليوم.

وفي هذه الأثناء بدأ تاريخ الجهاد الليبي يسجل لهذا المجاهد الصفحات البطولية ضد أعداء وطنه فأخذ يشن الغارة تلو الغارة علي القوات الايطالية بالمرج، كما شارك في عدة معارك أخري منها معركة ابلال (الكراهب) والبريقة في يوم 10 و11 /6/ 1923 م. وكذلك معركة المحيريقة في سنة 1924 م التي استشهد فيها أخوه إبراهيم وجرح عيسي نفسه جروح بالغة كادت أن تقضي عليه.

تعافي الوكواك من جروحه وعاد إلي ساحة القتال من جديد أكثر صلابة وقوة واتضحت قدرته كجندي فدائي وذاع صيته بين المجاهدين لمواقفه القيادية والشجاعة حتى أنه لم يحضر معركة مع المجاهدين إلا وكان له أمر قيادتها أو معونة قائدها. كم أصبح علي رأس معظم الغزوات الليبية التي كان ينظمونها المجاهدين بأمر من عمر المختار ضد المواقع الايطالية.

كما رفض مفاوضات الصلح الذي قام بها إدريس السنوسي مع الطليان سنة 1917 م. فقد بين موقفه من خلال إعداد كمين لبعض القوات الايطالية المتجهة بسيارة عسكرية نحو منطقة البياضة في الجبل الأخضر لأجراء مفاوضات الصلح مع إدريس السنوسي.

كما تمكن من أعداد كمين أخر بتاريخ 21 / 9 / 1922 م فقد استطاع هو ومجموعته أن يفاجئوا سيارة عسكرية عند منطقة البياضة تحمل خزنة رواتب الجنود فقد استطاعوا قتل من فيها من جنود واستولوا علي مافيها من أموال ونقلوها علي ظهر جمل إلي مقر الدور باعتبارها غنيمة حرب. لذلك احتج الطليان بشدة لدي إدريس السنوسي والذي اصدر أمرا بمطاردة تلك المجموعة والقبض عليها حتى لا تعكر صفو المفاوضات.

أنضم الوكواك هو ومجموعته إلي ادوار عمر المختار بالجبل الأخضر واختاروه قائدا لهم لثقتهم به بعد أن غادر إدريس السنوسي البلاد في أواخر 1922 قاصدا القاهرة متعللا بالعلاج هناك.

باشرت هذه المجموعة مهامها تحت لواء عمر المختار واستأنفت عملياتها الفدائية ضد القوات الايطالية ففي أحد الأيام علم الوكواك أن رتل من السيارات العسكرية الايطالية في طريقها من الابيار إلي المرج فأعد لها مع مجموعته كمين بموقع يسمي (الزردة) قرب سيدي مهيوس. بعد أن ارتدي ملابس أحد الحراس الايطاليين المكلف بحراسة الطريق العام واستوقف الوكواك قائد الرتل وكان برتبة قبطان وحياه التحية العسكرية وتحدث أليه باللغة الايطالية وأخبره بأنه يريد الذهاب إلي المرج فأمره القبطان بالركوب مما أمكنه من خلع بندقيته من علي ظهره وصوبها نحو القبطان وأرداه قتيلا في حين كانت مجموعته جاهزة لإطلاق النار عند أشارته وبذلك تم تعطيل السيارات الايطالية ما عدي واحدة رجعت تحمل أنباء الفجيعة إلي نقطة الطليان بسيدي مهيوس.

ومن هول الكارثة دب الذعر في نفوس الطليان لذلك أخذوا يفكرون في وسيلة للتخلص منه فأرسلوا أحد عملائهم واندس في صفوف المجاهدين وتمكن من أطلاق النار علي عيسي الوكواك لاغتياله فأصيب برصاصة في كتفه ونجي من الموت بأعجوبة.

ولم يتوقف الوكواك عن العمليات الفدائية فقد أستمر في تنفيذ العديد في العمليات الفدائية الفردية والجماعية فقد كان يتنكر في الزى العسكري الايطالي ويقوم بدقة باختيار ذوي الرتب العسكرية الرفيعة من ضباط الغزاة وتصفيتهم.

إن أعمال عيسي الوكواك الفدائية ضد الجنود والضباط الطليان وضد الحاميات والفرق العسكرية الايطالية لا تعد ولا تحصي حتى أصبح لدي السلطات الايطالية أشبه بالشبح المرعب وكان الأحباش (المصوع) يحدثون بعضهم عن مواطن خطر بالجبل الأخضر فيقولون عنه (الوكواك مش أكويس) لهذا أصبح الوكواك ومجموعته صالح لأمين المسماري وارحيم جبريل العبيدي وغيرهم من زملائه مطاردين من قبل الطليان في كل لحظة ومكان فأخذ الطليان يعدون الفرق الخفيفة المسلحة لمطاردتهم واقتفاء أثرهم وتتبع أخبارهم ومحاولة الوصول إلي أماكنهم بالجبل الأخضر لذا أضطر الوكواك إلي الانتقال إلي الجهة الغربية من بنغازي وأستقر بمكان يعرف (سيرة بوقطيفة) (الترية) حيث كان له أقرباء هناك يقدمون له المساعدة ويزودونه بالمعلومات عن تحركات العدو. تمكن الوكواك بتلك المعلومات من استئناف عملياته الفدائية فنصب كمينا لدورية ايطالية بالقرب من بوقطيفة قتل أثنين من أفرادها وأصيب الثالث بكسور بليغة وهربت خيولهم إلي اصطبلاتهم بموقع القوات الايطالية فعرف الطليان أن جنود الدورية قد قتلوا وأن الوكواك هو المنفذ لذلك هرعت القوات الايطالية من كل جانب لعلها تستطيع القبض عليه وعندما لم يستطيعوا القبض عليه اتخذت القوات الايطالية عدة إجراءات انتقامية مشددة ضد المعتقلين بمعتقل الترية وخاصة أقرباء عيسي الوكواك ولما علم الوكواك بذل أيقن أن وجوده بتلك المنطقة سيكون مصدر خطر علي أبناء عمومته فغادر المنطقة هو ومجموعته عائدا إلي الجبل الأخضر وبقوا هناك يتصدون لكافة المحاولات الايطالية للقبض عليهم حتى أيقن الطليان أنه لا سبيل للقبض عليهم عن طريق القوة فبادر (دوديا تشي) إلي أسلوب الابتزاز والتهديد فجمع مشايخ قبيلة السلاطنة وطلب منهم أقناع الوكواك بالاستلام أو الانتقام منهم وإعدامهم جميعا فأرسل المشائخ إلي الوكواك يخبرونه بذلك فطلب أن يأتي أليه دوديا تشي بموقع العويلية شرقي المرج بسيارة واحدة تعلوها الراية البيضاء بغرض التفاهم معه علي شروط التصالح وفعلا ألتقي الطرفين وكفل دوديا تشي حق الحياة والاحترام إلي عيسي الوكواك ورفاقه داخل مدينة المرج وبهذه الحيلة تم ترويض ذلك الأسد ليقع في حبال الخيانة والحقيقة أنه كان مرغما علي ذلك أمام تهديد الطليان لأبناء عمومته وكذلك قلة الذخيرة والتموين نتيجة اعتقال الأهالي بالمعتقلات الجماعية وإغلاق الحدود الشرقية الليبية المصرية والتي كانت تمدهم بالإمدادات كل هذه الاعتبارات جعلت الوكواك يصدق مرغما الوعود الايطالية ودخل مدينة المرج وأستقر هناك بين أسرته لمدة ثلاثة أيام ولكن سرعان ماالقي القبض عليه وأودع بالسجن بالمرج ورغم محاولة دوديا تشي الوفاء بوعده ولكن غراتسياني نفسه قال: (هذا عيسي الو كواك الذي طالما أبكي بنات ايطاليا ويتم أطفالها ولايمكن النظر في موضوع احترام الوعود معه) نقل عيسي الو كواك إلي معتقل الترية وأمام حشد المعتقلين أستجوب عيسي الوكواك هو ورفاقه صالح لامين المسماري وأرحيم جبريل العبيدى في أقل من ربع ساعة أعترف فيها عيسي الوكواك بكل ما نسب إليه و أخبر المحكمة أن رفاقه هما جنديان تحت أمرته لذلك أصدر حكم ضده بالإعدام شنقا وبالسجن المؤبد لكل من صالح لامين وارحيم جبريل.

أعدم الشهيد عيسي عبد السلام المبروك الوكواك بتاريخ 15 / مارس / 1932 م وانتقلت روحه إلي ربه عن عمر يناهز السبعة والأربعين سنة وبقي جثمانه مجهولا بمقبرة بوقطيفة حتى كرمه شعبه بنقل رفاته إلي مدينة المرج التي تربى بها حتى يبقي ضريحه شامخا في وسط ميدان الشهداء بمدينة المرج كما أطلق أسمه علي عدة مدارس وشوارع بالجماهيرية العظمي. فلشهيدنا الرحمة وجنة الخلد ولعملاء الاستعمار البغض والخزي والعار مدي الحياة.

______________________________

1. يوسف سالم البر غثي. من أعلام الجهاد في ليبيا عيسي الوكواك، مجلة البحوث التاريخية، ع 2، س 5، يوليه 1983، مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالي، طرابلس. ص ص 211 – 224

2. سعيد عبد الرحمن الحنيديري + محمد علي الحبوني، حركة الجهاد في منطقة الجبل الأخضر 1911 – 1931 م مجلة البحوث التاريخية ع 2، س 11، يوليو 1989 م. مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالي، طرابلس ص ص 27 -41.

3. طاهر علي أبو سنينة، الفدائي الشهيد عيسي الوكواك السلطني، صحيفة أخبار بنغازي، ع 1251، س 9. الخميس بتاريخ 19 / 8 / 2004 م ص 4.

4. مقابلة جمعها الدكتور سعيد عبد الرحمن الحنيديري من الراوي محمد طاهر الاعيمي الخفيفي بتاريخ 8/ 8 /1997 م بنغازي.

مقالات ذات علاقة

في مثل هذا اليوم رحل الشاعر حسن السوسي

المشرف العام

ذكرى رحيل المناضل على عبدالله وريث

محمد عقيلة العمامي

فِي ذّكرى رحيــل الصديــق الصحفي حمــد المسماري 

المشرف العام

اترك تعليق