المجاهدة سليمة بن المقوس
شخصيات

المجاهدة سليمة الفزانية


إسمها سليمة المقوس النائلي .. جاءت من فزان إلى طرابلس في منتصف فبراير عام 1912م، لكي تلتحق بالمجاهدين لمحاربة الايطاليين. ولدت نهاية القرن التاسع عشر لأسرة تمتهن الزراعة في صبراتة من قبيلة النوايل، ولم تكن قبل الغزو الإيطالي إلا فتاة ليبية عادية لتتحول بعدها إلى رمز ملهم لليبيات.

التحقت بالمجاهدين الليبيين كمقاتلة تحت قيادة “سوف المحمودي” ثم كقائدة لمجموعة من الفدائيين الذين يهاجمون معسكرات وتجمعات الطليان. كانت تمتطي جوادا أسودا وتنادي رفاقها بالهجوم على الطليان والصمود، وكانت بملابس الرجال، وكانت تقود المهاجمين، ورغم إصابة يدها اليسرى بجرح كبير إلا أنها واصلت النداء للرجال بالصمود والاستمرار في الهجوم.

كانت “سليمة” أم لأربعة أطفال أيتام في مقتبل العمر وأجبرتها ظروف الحياة على العمل في معسكر للجيش الإيطالي كمساعدة طباخ مقابل حصولها على بقايا الطعام لإطعام أطفالها. خلال عملها لعدة شهور وفي بدايات الغزو الإيطالي لليبيا كانت تسمع وترى تفاخر الجنود الطليان بقتل العرب، فضلا عن تعرضها للإهانة وهو ما كان يترك في قلبها غصة.. فتعود كل مساء إلى بيتها المتهالك في أطراف طرابلس وهي تبكي.

المجاهدة سليمة بن المقوس في زي الرجال

وفي أحد الأيام اشتكت للضابط الإيطالي مرضها وأنها لن تقدر على أداء العمل في ذاك اليوم فقام بضربها وإجبارها على العمل.. لتكون تلك الصفعة القطرة التي أفاضت الكأس وأخرجت من ثناياها وحشا كاسرا. في اليوم التالي باعت بيتها بثمن زهيد وأرسلت أبنائها الأربعة إلى عمهم في فزان (والتي لم يحتلها الإيطاليون بعد، آنذاك) واشترت ببعض ثمنه سما قاطعا من السوق .

وأثناء تحضير طعام العشاء رمت بالسم في قدر وفرت هاربة بعدما تركت الجنود الطليان يعتصرون ألم الموت . بعد ذلك التحقت سليمة بساحات الجهاد وشاركت في عدد من المعارك منها معركة سيدي بلال ومعركة عين زارة والاصابعة ومحروقة وغيرها الكثير .

كانت امرأة شديدة البأس لا تهاب الموت أبدا، حتى ذاع صيتها في الصحف الأوروبية آنذاك، حتى أن المراسل الفرنسي “بول تريستان” عام 1912 من صحيفة الفرنسية (لو بوتي Marseillais) وأعطاها سيفا لما رآه منها.

عندما انتشرت صورها في الصحف، أطلق عليها بعض الصحفيين لقب (جان دارك* العرب). الكاتب الإنجليزي “ألن اوستلر” صدر له كتاب في لندن بعنوان (العرب في طرابلس) باللغة الانجليزية، وقد كتب عنها كيف كانت تجري إلى المعارك وهي تزغرد. كانت كل الصحف تكتب إسمها كالاتي (سليمة .. جان دارك العرب).

ويضيف: كانت تلك المرأة الفزانية تركض في اتجاه المعركة ومعها كثير من النساء اللائي التحقن بالرجال، فكانت تركض في عجلة لتتقدم الرجال، فأصيبت بشظية مدفع في يدها، فكانت تومئ بها والدماء تسيل منها في اتجاه المحاربين وتقول لهم: والله إن أرتد أي منكم سنقطع وجهه بأظافرنا هذه ونرمي به ليعيش مع الأطفال. ووصلت إلى مرحلة لم تعد تتمالك فيها نفسها، فكانت أول من وصل إلى حافة الخندق الأول الذي غادره من نجا من الإيطاليين هربا بحياته، فغطست ذراعها حتى المرفق في ترعة حديثة من الدماء، ثم وقفت على حافة الخندق منتصبة وكأنها آلهة حرب إفريقية تنادي الرجال لدخول المعركة. وعلق أحد الحضور ما شاء الله… ما شاء الله أنا متأكد من أنها كسرت جمجمة أو جمجمتين بعصاتها تلك. وهكذا شاهدتها هذا اليوم تولول وترقص رقصات الحرب وهي لا تزال متوهجة المشاعر تطلب بندقية للدفاع بها عن وطنها. فقربت من خيمة القائد التركي وطلبت منه أن يعطيها بندقية، وكان قد سمع بقصتها وبأنها كانت في المعركة تحارب بعصاتها، فابتسم ولبي مطلبها فخرجتْ من الخيمة ببندقيتها وهي ومن معها يرقصون من الفرح. 

المجاهدة سليمة بن المقوس
المجاهدة سليمة بن المقوس

شكلت “سليمة بنت المقوس” سرية من المجاهدات في فزان – بعدما ارتحلت لها بعد احتلالها – عددهم 12 امرأة من أجل القتال في طرابلس وأصيبت عدة مرات في المعارك. 

أصبحت “سليمة” مشهورة في شهر فبراير 1912 بعد معركة “قرقارش” حيث أنها كانت تشارك في كل معركة ضد الاحتلال الايطالي في طرابلس إلى أن أصيبت بطلقة في صدرها وعولجت في بيتها وعادت إلى ارض المعركة بعد أسبوعين واستعادت مكانها بين المجاهدين. كان سلاح “سليمة المقوس” عصا طويلة، تتنقل بها بين مواقع المجاهدين، تبث فيهم الشجاعة بأهازيجها وزغاريدها.

يذكر بشير محمد رمضان: ظلت واقفة تثير حماس المجاهدين بزغاريدها حتى تمكنوا من الهجوم على مسيرة القوات الإيطالية واستولوا على مواقعها وأعادوا سائر مواقع القوات الايطالية هناك حتى اجبروا على الانسحاب. 

وقال الصحفي الرحال جورج ريمون: وصحب (فرحات يي) إلى خيمتي مرة امرأة من قبيلة (النوايل) تدعى “سليمة بنت مقوس” كي ألتقط لها صورة فوتوغرافية، وقد اشتهرت هذه المرأة باشتراكها في جميع المعارك التي نشبت مع الايطاليين عند طرابلس، وقد أصابتها عدة إصابات. 

ويقال أنها استشهدت بقذيفة مدفع، لكن الروايات متضاربة وأقربها أنه لم يعرف سبب ولا مكان وفاتها.

_______________________________________________
* جان دارك Janne aDarc: بطلة قومية فرنسية وقديسة في الكنيسة الكاثولكية. ولدت يوم 1 يناير 1412م، وتوفيت يوم 30 مايو 1431م. وتعتبر رمز يحترمة الفرنسيين وكل الأوربيين.

مقالات ذات علاقة

المحامي علي الديب… سيرة رجل 

المشرف العام

مرضية النعاس.. أول روائية ليبية

أسماء بن سعيد

حطّاب الوعر، فتّاح الدروب

المشرف العام

اترك تعليق