المقالة

المثقفون الجدد والمشهد الثقافي (2)

 

بغرض الرصد وتقدير ما يحدث وما يؤمل ينبغي الخوض في قراءة تحليلية مكثفة لإبعاد المشهد المنظور برسم كيانه واستكشاف كنهه والذي يفضي عند إخضاعه للمعاينة وبعد التأمل إلى عدة أركان رئيسة :

1 : الموضوع – ممثلاً في الممارسة الثقافية بأصنافها وألوانها المتعددة .

لقد اشتغل المثقفين الجدد بمواضيع الآداب والفنون بمناهج جديدة و قراءت مبتكرة اسقطوا عليها هموم المرحلة التي هي بالأساس همومهم وتساؤلات ذاتهم المعاصرة مستخدمين ما توفر لهم من مساحات ضيقة للفعل وندرة في أدوات العمل. كما أن استيعابهم الموفق لنتاجات الإحيائيين والتقليديين والحداثيين أثرىَ مادتهم المصدرية ووسع من دائرة خياراتهم الموضوعاتية المفعمة بالنزعة التجديدية الموفقة.

إن هذه المواضيع نجحت في التعبير عن فلسفة الغاية من ريادتها وأبعاد نطاقاتها وظروف نشأتها, فهي من ناحية تقدمها كمؤشر للثقافة الإحيائية وتبرز هالة التنوير كملمح أساس في رسالتها, دونما رفض للماضوية البناءة كمصدر جذري للحداثة الأصيلة كقيمة لازمة للتطور, بل أن بعض هذه المواضيع ترقى إلى مستويات الإبداع الإبتكارى غير المسبوق في المشهد التقليدي السابق بفعل حداثة ابتداعها عالمياً وتأخر تداولها محلياً.

2 : المثقفين الجدد – حملة للهم الثقافي وأصحاب ملكة وذوى اطلاع .

ورثة أمناء للتركة الثقافية الوطنية, استفادوا من أدوات العصر وتقنيات الحداثة, بعد أن اغترفوا من مناهل الماضي ونقبوا في تراكمات المعرفة المحلية محاولين الاقتداء بالرواد الأوائل الذين اطلعوا على إنتاجهم ومناهجهم, كما ساهمت جسور التواصل التي بنوها مع المحيط العربي المشارقي والمغاربي في استجلاب محفزات للنمو والانتاج الذاتي فحققوا حضورهم في قاعات وساحات وميادين و مسارح و صفحات ومعارض العمل الثقافي إجمالاً.

أنهم ثلة من الطليعيين والأصوليين في آن واحد مارسوا المغامرة المحسوبة والانتهاكات الجريئة لحجب التردد والاستفزازات المحمودة لعوالم السكون الراكدة, فالقوا بحتوفهم في غمار الحرف واللون والصوت والصورة, غير أنهم كانوا يعبرون دائما عن حضورهم كحماة للذات الوطنية ومدافعين عن الثقافة المحلية والموروث الاجتماعي المقدس مما اكسبهم فضيلة المحافظة وكرامة التجديد.

3 : الأدوات

– هذه ابتدعها ووفرها وسخرها الأفراد فهي لم تكن موجودة بفعل خططي مسبق الإعداد والتجهيز, بل كانت نتاج جهود ذاتية فردية وأهلية, كما أسهمت استثمارات الخواص في استجلاب بعض الآلات والآليات الثقافية كمستقبلات لنتاج المثقفين وموزعة لإبداعهم بين جمهور القراء والمطلعين وأصحاب الذائقة وذوى الاهتمام عموماً. لقد أنتجت جهود الجمعيات والمؤسسات الأهلية والنقابات المعنية بالثقافة والفنون والعلوم كهياكل مؤسساتية للمجتمع المدني موازية للمؤسسات الرسمية تفعيلاً ملحوظاً للواقع السابق المتسم بالركود والرقود,عبر وسائلها المتواضعة وإمكانياتها المحدودة نجحت في بعث حياة الثقافة ونشر ثقافة الحضور وحضور الثقافة من خلال تسويق المنتج الثقافي مجاناً ودون بطاقات, فالدعوة كانت دائماً موجهة للجميع.

إن ما قامت به هذه المؤسسات الأهلية يرقى إلى مستوى حملات التوعية والتثقيف ومحو الأمية الثقافية والعلمية بانتهاجها برامج المواسم الثقافية والمحاضرات المجدولة والندوات الدورية.

إن التعاضد والتعاون والتكاثف كانت كلها صفات ملحوظة وممارسات رائجة بين جمهور المثقفين الجدد الذين كانوا يحرصون على التواصل البيني والتعاون الحماسي لخدمة مشاريعهم الثقافية بشفافية وإيثار يبدو ذلك واضحا في رصد صداقات الثقافة وجماعات الحقل الثقافي الواحد كالشعراء والقصاصين والتشكيليين وغيرهم , كان لتعاونهم دور في تحقيق نجاحات معقولة لبعضهم البعض , كانوا ولازالوا يعملون في صمت.

مما لاشك فيه أن دور الإعلاميين والصحفيين المحليين الشبان قد عزز تلك الجهود واسهم في إبرازها وإثرائها, هذا الدور النشط احدث حالة المواكبة والوصال بين المثقف الجديد أو المطور والمواطن المتلقي القديم والدائم, بل قاد إلى إفرازات ايجابية مهمة خاصة ما يتعلق منها بالقراءة النقدية والاستقراء الواعي ناهيك عن المتابعة الجادة ونشر عادة القراءة وثقافة الكتابة كسلوكيات يومية وحضارية.

من هنا تجدر الإشارة إلى هذه الحالة الجديدة التي يمكن أن نسميها بالايكولوجيا الثقافية بمعنى البيئة الثقافية الجديدة بصفة مجتمع المثقفين أو بيئة المثقفين التي تتمحور حول الثقافة كمنتج وطني والمواطن المثقف في زمن ومكان نسميه البيئة ألا وهو الوطن بفضل دفق المبادرة والوعي الكامن بقيمة الثقافة والاحتفاء بقدرها لدى أبنائها كأنصار للثقافة وللمعرفة والمتحمسين لنشرها وتفعيل دورها في المدينة والوطن كمطلب داخلي إبداعي ذاتي موجه للجماعة الوطنية وكمظهر حضاري للإنسان والعصر في الوطن يراه الأخر.

4 : البيئة التاريخية ( المكانزمنية )-

الوطن الليبي ظل إلى زمن قريب ولازال معبرا وموطنا للمنتجات الثقافية الوافدة من المشرق والمغرب وهذا مكون تاريخي وجغرافي يؤسس للثقافة الليبية في دائرة الثقافة العربية عموما والمدينة الليبية كانت ولازالت تمتلك خصائص المدينة وصفة المدنية منذ نشأتها وهى تتفرد أيضاً بمحافظتها على جماليات الريف وحميمية القرية . حققت ذلك بفعل الاجتماع البشرى والتساكن العمراني على قاعدة الأرض الانتماء, والمدينة الوطن, بهمة روادها الأوائل تمازجت الدماء وتصاهرت الجماعات وبفضل علمائها نِظمت الحياة الاجتماعية والثقافية, وبعمل وجهود التجار والصناع والزراع بنيت الهياكل الاقتصادية.

نتج عن ذلك الوصول إلى مرحلة السلم الأهلي والتضامن الاجتماعي والتماسك الديني مع التسارع في وتيرة التطور الاقتصادي فتحققت قيمة الولاء للمدينة كعاطفة جامعة لأهلها والتي تجلت في ثقافة حب الوطن وثقافة حب الثقافة, هذه الميزة الفريدة جعلت من هذا الوطن يختزن في عقله الباطن حالة وعي فريدة بثقافة التسامح وتسامح الثقافة وقبول الأخر, وبالتالي نجد أن المثقفين الليبيين السابقين واللاحقين قد تميزوا بانفتاحهم على الشرق والغرب دونما تردد أو تعال بل أن البعض قد بالغ في القول بان هذا الأمر قد اضر إلى حد كبير بالذاتية الوطنية وافشل المشروع الثقافي المحلي أو عطل قيامه منذ أمد. وهنا أقول إن النزعة الفرعونية التي طالت بعض وجوه الثقافة في مصر والتيار الفرنكفوني الذي ضرب ثقافة الأطلس المغاربية لم نجد له مرادف أو مشابه في المشهد الثقافي الليبي, فالمثقف الليبي بوعي منه أو دون أن يدرك لم تستهويه الثقافة الايطالية كثيرا ولم ينبطح أمامها وان كان يتمتع بخاصية مميزة في التعامل معها على الصعيد العربي, كما انه لم يعانق كل ما هو مصري ورفض قواعده الثقافية المحلية أو يتنصل من علاقاته التاريخية بالمغرب الكبير, إننا بحق حالة فريدة وجديرة بالاحتفاء بها. مما تقدم نصل إلى قاعدة بيانات معلوماتية موجزة عن خلفيات ومحفزات ومنشطات الإبداع الثقافي الليبي الراهن من حيث كونه يستلهم قديمه وينفتح في شجاعة وجرأة عل ساحات العمل الثقافي بحرية تسكن روحه دونما معاناة أو عقد داخلية تشده للوراء تمنع انطلاقاته المرغوبة والمتجددة وان كان الاستقرار المعنوي والمادي لازال يشكل عائقا كبيرا أمام تحقيق انطلاقات قوية وجبارة للمشهدية الثقافية الليبية نأمل أن تزال بجهود التراكم في الإنتاج الثقافي والمعرفي عموما وتراكم جهود الاختراق والقفز على المعوقات وتعبيد دروب العبور والتواصل مع الجديد والمفيد, وهذا بعينه ما نرى أن المشهد المنظور وتيار التجديد الراهن يحث خطاه نحوه بشكل غير مسبوق وبوتيرة متسارعة وسوف يحقق النجاح ما لم يتم إجهاضه بمعوقات خارجة عن إرادته.

صفوة القول إن الانفتاح والاطلاع الذي وفرته ثورة المعلومات وتقنيات الاتصالات وتسويق أدوات الإنتاج الثقافي والفني للاستخدامات الفردية والأهلية قد أسهمت رفقة الموروث الثقافي وطبيعة الذات والعقل الباطن للمثقف الليبي ومجمل الثقافة الليبية قد أدت مجتمعة إلى طرح نسق أدائي جديد وممارسات سلوك ثقافي غير تقليدية صاغت حالة الراهن بجهود مثقفين محليين لم يجتمعوا في قاعات مؤسساتية للتخطيط للمشروع الثقافي بل أن الأجواء والعوامل السابقة قد وفرت مناخ التلاقي لاحقا ليكتشف الجميع أنهم منهمكين تلقائيا ضمن مشهد أو وسط للثقافة المحلية وكثير منهم كان ولازال لا يعرف الأخر إلا عبر شبكة الانترنت أو عبر قراءة المقالات في الصحف والمجالات والكتب الصادرة والمتداولة بطريقة الصداقات الشخصية.

من هذه العناصر الأربع الإنسان والدين والعمران والأرض والمصحوب بدفق معرفي وافد لم ينقطع من المشرق والمغرب على وجه الخصوص أُرسيت قيم ومعايير ثقافية حياتية عامة اطلعت بها مؤسسات المجتمع الدينية خاصة الزاويا وحلقات الدرس في المساجد التي يعود إليها الفضل في غرس قيمة العلم وأهمية وقدر المتعلمين والعلماء, وبالتالي فان الموروث الثقافي والمعرفي إجمالاً الذي اكتسبته ليبيا عبر تاريخها السابق وفى زمنها الحاضر يرد أساساً إلى عهود بناة اللبنات الأولى من الشيوخ والفقهاء والعلماء , الذين ندرك اليوم أفضالهم وننعم بتراثهم المادي والمعنوي والذي ننظر إليه كمؤشرات مؤكدة على أهلية البلاد وأهلها للإنتاج المعرفي وأيضاً كبراهين ساطعة على كينونة وصيرورة الممارسة الثقافية كمورث حضاري أصيل للبيئية والإنسان وللمكان والزمان يمكن استحضاره وبعثه.

هذه الذخيرة من مناجم المعرفة وكنوز الثقافة التاريخية جعلت من أبناء اليوم ورثة ومورثين وحملة أمناء للمعرفة وأصحاب شغف وهيام بالثقافة والعلوم والنبوغ فيهما, فلم يفتقدوا يوما الذائقة الراقية والحساسية المرهفة والذهنية المُفكِرة.

عند هذا القدر من التحليل الموضوعي و التسبيب التاريخي الموجز ودون سرد للأمثلة والشخوص, أجد من الضرورة الوقوف عند خارطة المشهد الواقع وتفحص بناياته ودروبه وأروقته بغية استكشافه وتفحص خصائصه وسماته الافتراضية المثلى, والتي يمكن من خلالها التعرف على فلسفة الثقافة كمركب ضروري في إحداث التفاعلات الحيوية في كيمياء المجتمعات الناهضة, وأيضا لفهم أبعاد وأغراض الممارسة الثقافية من حيث كونها نشاط بشري راقي وسامي وليست حالة أو رغبة مكنونة للتزين والتبرج في مسارح السفور والجلوس في منصات الوجاهة والتعالي, لقد تجاوز إنسان اليوم المتحضر والواعي عهود الاستحواذ والصالونية.

المجتمع الثقافي من غايات الاجتماع البشري وضروراته يرتقي بقيمة الحياة من قيعان الروتين اليومي إلى درجات ومشارف الشاغل والهم الوطني المتصل بالإنسان وقضاياه .

فالمجتمع الثقافي يتفاعل باستمرار في حواراته ناشداً البقاء رافضًا الزوال ، لأنه تعبير عن غايات وتطلعات بوسائل غير قابلة للتلاشي والاندثار، طموح وتطلع إلى التطوير والارتقاء بالمجتمع , دعوات وحملات للتوعية والحركة ، رفض للجمود وحث على التحرر والانطلاق إقصاء للتعويق تحفيز للنهوض ، استشراف للمستقبل بعد استقراء للفائت والآني …

تفجير للكامن, تحريك للراكد, توليد وابتكار, طرق على الأبواب, فتح للمسارات.

إن نهوض النخبة وتقدم الثلة الطليعية للصفوف العاملة والنشطة كان دائما أمراً معتاداً ومشهداً تقليدياً في ديناميكية المجتمعات الناهضة حضارياً والتفاعلات الثقافية الإنسانية منذ القدم, فلا ينبغي النظر إلى النخبة المثقفة كجماعة مغلقة من المتعالين الاعتزاليين أو المتغطرسين البرج عاجيين, فهم في واقع الحال وسائر الأحوال لابد وان يكونوا قلة ولكنهم أيضا القلة المتوهجة بالنور المتقدة بالحماسة, ينحتون من صخر الواقع حروف ويكتبون قصص الحياة بأقلام الخيال يرسمون صورة المكان والإنسان, أنهم في حقيقة الأمر أصحاب رأى وأهل رؤية وأولى بصر وبصيرة.

إن التفاتهم إلى بعضهم واقترابهم وتجالسهم واتصال بعضهم البعض لا يستتبع ممارستهم التكبر ولا يفيد الترفع عما حولهم , بل إن هذا السلوك الطبيعي يخدم دورهم ويثرى تجاربهم ويصقل مواهبهم وينقح نتاجاتهم , ولهذا فان اجتماعهم وتجمعهم الصوري أو الوهمي الذي يراه الآخرين لا يعيبهم, بل يشرفهم ويشرف بهم كمجتمع للثقافة وملتقى للمثقفين في صورة مشهد مميز أو وسط خاص يحيط العام ويتداخل فيه , بمعنى أخر لا يمكنهم أن ينفصلوا عن قضايا المجتمع أو يغضوا النظر عن مشاغل المواطن ومشاكل الوطن إنهم معنيون أكثر من غيرهم بحكم وعيهم وامتلاكهم لمشاعل التنوير ومسارج التبصير.

وعلى حد تعبير ( عقل عويط )

‘من سمات المكان الثقافي الخلاق ، أنه يجعل من مواصفاته الحسية احتمالات لمواصفات معنوية وروحية ، تكون على صلة بجوهر الأشياء ومبرراتها الكيانية التي لا تفنى ، بل من سماته القصوى أن الحسي يصبح رديفاً للمعنوي الروحي بل مرآته ، ممتزجاً به غائراً في أعماقه حيث امتناع الانفصال والفصل وحيث التجليات تتخذ أشكالاً شتى تراوح بين الشعرية الحياتية والشعرية الإبداعية’

بالتالي فإن المجتمع الثقافي أو الاجتماع الثقافي يكون وفق هذه السمات والصفات لا ينغلق على خارجه ومحيطه ولا يستأثر بالثقافة لنفسه، فلا يوحي بأن خارجها لا ثقافة أو بعيدة عن همومها وتطلعاتها.

أنها شراكة مفتوحة في الإنتاج ومصلحة متبادلة في الاستهلاك , تلاقح دائم ينشد الإزهرار والإثمار المستمر .

إنه طامح متطلع للريادة ويتقدم بالعمل في سبيل إعلاء الثقافة وأقطابها وحملتها بأجيالهم المتعددة دون إقصاء أو اجتزاء وصولاً إلى تعميق شعور دائم في أروقة المجتمع وصفوف المثقفين بالمسؤولية المعنوية لمنا شطهم وأدواتهم التعبيرية حيال الثقافة في المدينة والوطن بحيث يتحقق الاتصال والوصال بين العبقرية الذاتية الفردية الثقافية الوطنية – وهي تمثل رافداً للمنتج الوطني الثقافي – والحياة العامة التي يعيشها أبناء المدينة أو الوطن إجمالاً بهمومها المتعددة والمتجددة ومشاكلها المكدسة.

وبهذا لا تكون الثقافة منجماً قصياً أو براحاً خاصاً محدوداً مقصوراً على أهله ومريديه من المثقفين بل تنشر نفسها وتحلق في أجواء البادية والقرى في فضاء المدينة وسماء الوطن , فكل مكان هو ميداناً لفعلها وكل زمان هو مسرحاً لعرضها, كما وان نمط الحياة وأدائها باعث للحراك في فكرها وأدواتها يشحذ عزائم أهلها ويعبر بهم إلى فضاءات متجددة وغايات متوالدة.

عاملة على تسييل كتلتها من فيوض العقول المنتجة إلى كل المواطنين, لتتحول إلى غداء فكري ومشروب وجداني ذي تأثير على السلوكيات العامة والخاصة يؤدي في نهاية المطاف إلى إحداث حالة ثقافة وطنية عامة نشطة, قد نسميها متى رأيناها مشهداً أو وسطاً أو ملمحا ، مما يسهم في عمليات التقييم الاجتماعي والإبداعي وبالتالي رسم معالم المشهد الحضاري العام لهذه البلدة أو تلك وكامل الوطن .

إن المجتمع الثقافي أو الوسط الثقافي ذي المشهد المنظور بما يختزله في صورته عن ذاته ويرسمه عن عناصره وإنتاجه من كثافة إبداعية وإنتاجية معنوية متوهجة ومشعة بثقافته الذاتية وبثقافات الإنسان وإبداعاته المتعددة ، مردها إلى التواصل والاقتراب والإطلاع والمعايشة لإبداعات ثقافية وحضارية في إقليمه وفى أقاليم وشعوب أخرى, وهو ما سيفيد في تعريف الذات وفرز المحلي وتنقيح الهوية وتطويرها ذاتياً بالاستفادة من تأثيرات خارجية مقبولة متماشية مع قوانين الخصوصية وعقائد ومقدسات الأنا ، ناهيك عن تفعيل حاسة الوعي بمخاطر الغزو وحبائل المؤامرة وهنا نعول كثيرا على التقديرات الذاتية والذائقة الفكرية للمثقف الواعي والحريص الذي يدرك أن ابسط تعريفات الثقافة ينطلق من كونها منتج إبداعي محلى لهذه الجماعة البشرية أو تلك وان فكرة عولمة الثقافة تبرز غباء أصحابها ورغبتهم في الاستحواذ على الجهد الثقافي الإنساني وامتلاكه مستفيدين من خصوصية المرحلة التاريخية كونهم يتربعون على عرشها. وبهذا تصبح الممارسة الثقافية في هذا الحقل الثقافي أو ذاك متناغمة مع إيقاعات الحياة وهموم الأحياء، تمتلك القدرة على التعايش دون الخشية من التلاشي أو الانقراض أو الذوبان في أحواض الآخر ، مع جهوزيتها باقتدار على استقبال الأسئلة المعاصرة دون ارتباك والرد عليها بثقة، كما أنها ستكون مستعدة لمجابهة التحديات الفكرية التي تطرحها الذات أو الآخر في الآن والمستقبل.

الوسط الثقافي بحكم تميزه وإطلاعه بالممارسة وانشغاله بالهم العام مع احترافه للعلم وضلوعه بالمعرفة سيكون مؤهلاً بفضل قدراته ونشاط أفراده المستعدين للتطور والاستيعاب والتجديد والأهم ما سيطرحه من ولادات قيمية وتقويمية مستمرة متلاحقة متواصلة, بمعنى إنتاج القيم الحضارية المناسبة للجماعة الوطنية وإعادة إنتاجها، كما أنه مكلف من ذاته بالحفاظ على المقدس والثابت وملاحقة المتغير ورصده وفق متطلبات اللحظة التاريخية, كما أن دوره الطبيعي والطليعي والضروري, المهم والحاسم في رسم سياسات المؤسسات الثقافية الوطنية، يقتضي منه الانشغال والاشتغال بالموروث الثقافي التاريخي والحضاري والإلمام بمكوناته في جوانب عدة تخص الجماعة الوطنية، مع التوجه دائما ناحية البحث عن مبادرات وانتهاكات للمحيط الإقليمي والكوني, باعتماد المحلية كمصدر أساس وكمنطق وهدف .

وبالتالي فإن المجتمع الثقافي كمؤسسة أهلية يكونها أفراد طبيعيون مطالب بامتلاك إستراتيجية ثقافية تكون تعبيراً خططياً متواصل عن الكثافة التاريخية والرمزية للمجتمع الاجتماعي الذي تعيشه، مع الإحاطة والإلمام بالعمق الحضاري والدور التاريخي الوطن ، حتى تتمكن من ابتداع أساليب وأطر ثقافية اجتماعية تعكس ذلك العمق في الزمن المعاصر, وبالتالي ينبغي للمنتجات الثقافية المطروحة أن تستلهم ذاتها وتتغذى من حقول الوحي المحلي في موضوعاتها وهي بهذا سوف تحقق قدر كبير من الصدقانية مع الذات والتواصل مع بيئتها وأيضا التفرد بخصوصية المنشأ والنكهة فلا تأتي مشوهة أو خلاسية لا طعم ولون لها يصعب تمييزها وتضيع وسط تزاحم المنتجات وتعدد النكهات.

مقالات ذات علاقة

لا تكترث.. عش الحياة

فرج العربي

سعيد المحروق ونقد العقل الكروي

سالم العوكلي

المثقف ليس رتبة عسكرية

المشرف العام

اترك تعليق