المقالة

الماضي المنقطع في سرد الحكايات، والنصوص، وفي الترجمة

د. نورالدين الورفلي
محاضر بكلية الفنون والاعلام – طرابلس

لا أدري بالضبط كم من اللغات غير الإيطالية تتحدث بصياغات الماضي المنقطع، Passato remoto، أي الماضي الذي انقطعت أحداثه منذ حقب، وهو يستخدم في الحكاية، حين يكون الحدث قد طوى من الزمن مائة عام وأكثر على أقل تقدير، وواقع الحال أن الماضي المنقطع لا يعني أنه انقطع عن الأحداث، أو مضى بلا عودة، لا أبداً، فهو مركزي جداً في اللغة السردية للحكاية عند الطليان، إضافة إلى أن الجنوب الإيطالي برمته تقريباً مازال يتحدث به إلى هذه الساعة في لهجته اليومية، أما بالنسبة للأدب الإيطالي الرفيع، فهو من المستحيل أن يكتب سرداً روائياً بمعزل عن صياغات الماضي المنقطع في الحكاية، سواءً في الإسطورة أو في الرواية أو في بعض القصص السردية الطويلة وفي الشعر الإيطالي عموماً، بما في ذلك الأساليب الشعرية الحديثة، ويندر فقط في القصص القصيرة الغير توليدية، أي تلك القصص القصيرة الغير حبلى بقصص أخرى أقصر منها مثلاً.

في لغتنا العربية على سبيل المثال، الماضي البعيد جداً أو المنقطع، موجود، لكنه لا يوجد له “لفظ” لساني خاص به، كأن نقول حين نسرد قصة عربية مولودة من قصص أخرى في ألف ليلة وليلة: “وكانت شهرزاد تقص كل ليلة، وكان شهريار يعشق سرد الحكايات”. نقول كان وكانت وكانوا وكن الخ، لكن لا يوجد لدينا مرادف آخر لفعل الكينونة، من ماض منقطع، وأغلب الظن أن ذلك نابع من أن بيولوجيا اللغة العربية غير متجزء فيها هذا الماضي البعيد، أي نقول كنا فقط في كل الحكايات مهما ابتعد زمن السرد عنا لآلاف السنين، نقول مثلاً، نحن العرب كنا أمة واحدة، أو نقول أيضاً، بما جاء باللسان العربي في القرآن الكريم من قول الله تعالى: ” كنتم خير أمة أخرجت للناس”، ولا حاجة لي لتفسير الآية الكريمة، إنما سقتها كمثال فقط.

حين يقوم المستشرقين الطليان مثلاً، سواء أولائك المسلمين منهم أو المسيحيين أو حتى الملحدين، بنقل لغة القرآن الكريم، فإنهم سينقلونها بناءً على مفاهيم لغتهم الأم بالمعاني، وهم بطبيعة الحال دقيقين جداً في الترجمة عن أية لغة كانت، وخصوصاً النصوص المقدسة، لذا فهم لكي ينقلوا معنى الكلام القرآني مضطرين إلى نقل القصص الحكائية فيه بما يلائم اللغة الأم التي نقلوا عنها، فكلمة كنتم التي أوردناها في الآية الكريمة السابقة، ستتحول بالضرورة إلى الماضي البعيد للغة المنقول عنها الكلام، لتكوين الصيغة الصحيحة للحدث، ونقل المفهوم بناءً على فقه اللغة العربية التي تحولت إلى إيطالية، لا على اللغة الإيطالية ذاتها، وهنا تنسحب المعاني بالضرورة من العربية إلى الإيطالية، ولن ينقلوها نظراً لتوخي الحذر والدقة، إلى ماض منقطع بعيد باللغة الإيطالية، بل إلى ماض بناءً على الصياغة العربية، “كنتم” Voi siete، أو ماض مستمر، كنتم Eravate ولن تأت في صياغة الماضي البعيد جداً أو المنقطع، Foste، أو Voi foste، ستأتي الآية بناءً على صياغات معانيها العربية كالآتي: Voi siete la migliore comonita che sia stata suscitata tra gli uomini . لكن إذا ما لم تكن الترجمة نصاً مقدساً، لجائت Voi foste لأن المترجمين في هذه الحالة سيتوخون نقل المعاني بأشكال جمالية يتعمدونها هم، لا بمعانيها كما هي. هنا تكمن جدلية ترجمة الكتب المقدسة، وخصوصاً منها القرآن الكريم والذي يعد الكتاب المقدس الوحيد الذي بقى على حالته التي جاء بها منذ 14 عشرة قرناً.

غير أن بعض المفسرين من لغتنا قد يتخذ صواباً آخر للوصول إلى المعنى، فقد يفسير بشكل خاطئ، الآية السابقة، دون أن يدري، سيقول أنها تعني أن العرب كانوا في (الماضي) خير أمة أخرجت للناس، متناسياً أن القرآن الكريم، لم ولن يكون بأي حال من الأحوال ماض منقطعاً، فهو بكل أفعاله يتحدث عن الماضي ليتداول في الحاضر، في كل الحاضر، فالماضي في القرآن الكريم سيكون حاضراً ومستقبلاً حتى لا ينقطع فيه الفعل، فالإنسان في القرون الماضية منذ نزول الرسالة وحتى هذه اللحظة مناط بالآيات، وهي بضرورة الحال حية في كل زمان، وفي أي مكان، لذا فإن إنسان القرون الآتية من حاضرنا وحتى ألف ألف سنة، إن بقيت الحياة، سيتعامل بنفس الآيات، غير أن عقله سيستقبل الآيات بناءً على ما حصل عليه من تطور، لا على الآيات، لأن الآيات لن تتغير، غير أن التطور سيحصل في المفاهيم الما بعد نصية، أي في التفاسير، وفي الفقه أيضاً.

في كل الأحوال فإنني أعتقد، أن الآية الكريمة سيقت بمعناها المشروط بوجوب (منهج) لكي يستمر المعنى محافظاً على هيبته في ذوات حامليه، فالله عزوجل لن يتدخل إذا ما فسد الإنسان الحامل لهذه الآية، ثم نراه يقول وهو مازال على غيه: أن الله يقول بأنني من خير أمة أخرجت للناس، فالفساد الذهني خارج عن مسؤلية الآيات الكريمة في رأينا.

لذا فإننا وبأختصار نقول: أن ورثة الكتاب، من الحفظة، سوف لن يتغير حالهم مهما طال الزمن، إذا لم يجدّوا في تشذيب عقولهم وتطهيرها من الأنفة والأنا، وتفسير ما يحلوا لرونفهم منها، بناءًعلى مفاهيم يشوبها الخطأ، ودون أن يكون لهم دراية كافية بالتأويل، حسب مقتضى تطور العقل بحكم الزمن.

ومن ناجية أخرى، فإن تراجم السرد، لن تصل بوهجها في نصها الأصلي أبداً، سواء في النصوص المقدسة، أو في الشعر، أو حتى في الرواية، والتي تعد أسهل الأجناس الأدبية نقلاً إلى لغة أخرى، لسبب واحد ربما كامن في تروس ميكنتها السردية وفي سهولة التصرف في اللغة فيها، ونقلها للأحداث، ومع ذالك يبقى الأصل مشعاً بلمعانه، وتبقى الترجمة مهما كانت بديعة، يكتنفها شيء من الغبار.

ذات مرة، (أسوق هذا الكلام كمثال فقط، بناءً على تجربة)، سألني أحد الأصدقاء الأجانب عن تراجم القرآن، وكيف أنه استمتع به، رغم إلحاده، غير أن الكثير من المفاهيم لم تدخل دماغه ولم يتفهمها، أشرت عليه إن أراد أن يتفهمها أن يقرأ القرآن بلغته الأم، قال وكيف لي ذلك؟ قلت له: “تعلم العربية”.

_______________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

الانتقام من الوطن

المشرف العام

(الأيامُ الجنوبيّة) في حوارِ الأسئلة

يونس شعبان الفنادي

تُونس من جِلدِ ثورٍ ليبي، وجدارها من رمل!

أحمد الفيتوري

اترك تعليق