المقالة

المؤتمر: بين الشرعية والتشريع

“الخروج على النص لا يؤدي بالضرورة الى بروز فنان موهوب”

لا ريب ان المؤتمر الوطني العام يمتلك صفة الشرعية المطلقة، فقد اتت به صناديق الاقتراع، في اول اقتراع شعبي رائع، اول عرس تخرج فيه كل الاسر الليبية للتصويت، ولم يتغيب عن المشاركة غير المسبوقة حتى والدتي التي قاربت على التسعين من العمر، ومثيلاتها في كل ربوع الوطن. كان هذا العرس الرائع وتيقة عهد بين الوطن الذي مثله الشعب وبين المرشحيين الذين ارتضوا ان يحملوا عب بناء الدولة.

حينا خرجنا صوتنا لمن لا نعرف تقة منا بان الثورة هي من ستفرز مواطنيها، واغمسنا اصابعنا في ذلك الحبر، لنتباهي لاول مرة باننا مواطنين لنا صوت يُسْمع، وصوت يَفْعَل، ومَلّكْنَا 200 عضو على عرش اعلى مؤسسة تكونت في ليبيا بعد تغييب كل المؤسسات لعقود اربع.

لا جدال في شرعية المؤتمر، ولا جدال في استحقاق اعضاء المؤتمر للمكانة التي تبوؤها في افق دولتنا الوليدة، ولا جدال في اننا فوضناهم لم فُوِضو له. لكن، هل فهم اعضاء المؤتمر حدود التفويض؟ السؤال ليس مبهم، لكنه يطرح اشكالية. المؤتمر، بتفويض من الشعب اصبح جسم شرعي وتشريعي، كما اسلفنا لا جدال في الشرعية لكن: ماذا عن التشريع؟ هل للمجلس الحق المطلق في االتشريع؟ ام ان هذا الحق مقيد بجملة من الاستحقاقات؟

حتى نجيب على هذه الاسئلة، ونحكم على امر ما، علينا ان نبحث عن مرجعية نعود اليها لاقرار ذلك الحكم، فلا تطلق الاحكام جزافا، بل عليها ان تستند الى قواعد وضوابط يحال عليها. مرجعنا للحكم سيكون الاعلان الدستوري المؤقت الذي مهد الطريق لهذا المؤتمر في أن يتبواء مكانته على عرش الدولة الليبية.

في المادة (30) من الوتيقة تتحدد مهام المؤتمر في التالي:

• يقوم المؤتمر الوطني العام في مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما من اول اجتماع له بالاتي:

1. تعيين رئيس للوزراء يقوم بدوره باقتراح اسماء اعضاء حكومته، على ان يحظوا جميعا بثقة المؤتمر الوطني العام قبل مباشرة اعمالهم كحكومة مؤقتة، وكذلك يقوم المؤتمر بتعيين رؤساء الوظائف السيادية.

2. اختيار هيئة تأسيسية لصياغة مشروع الدستور للبلاد تسمي الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، على ان تنتهي من تقديم الدستور للمؤتمر في مدة لا تتجاوز ستين يوما من انعقاد اجتماعها الاول.

• يعتمد مشروع الدستور من قبل المؤتمر الوطني العام، ويطرح للاستفثاء عليه بـ(نعم) أو (لا)، خلال ثلاثين يوما من تاريخ اعتماده من قبل المؤتمر، فإذا وافق الشعب الليبي على الدستور بأغلبية ثلثي المقترعين، تصادق الهيئة التأسيسية على اعتباره دستور البلاد، ويعتمده المؤتمر الوطني العام. إذا لم يوافق الشعب الليبي على الدستور، تكلف الهيئة التأسيسية بإعادة صياغته وطرحه مرة أخرى للاستفتاء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما.

• يصدر المؤتمر الوطني العام قانون الانتخابات العامة وفقا للدستور خلال ثلاثين يوما

• تجري الانتخابات العامة، خلال مائة وثمانين يوما من تاريخ صدور القوانين المنظمة لذلك، ويشرف المؤتمر الوطني العام والحكومة المؤقته على اعداد كل متطلبات إجراء العملية الانتخابية بصورة ديمقراطية شفافة.

• تتولى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إجراء الانتخابات العامة تحت إشراف القضاء الوطني وبمراقبة الامم المتحدة والمنظمات الدولية والاقليمية.

• يصادق المؤتمر الوطني العام على النتائج ويعلنها، وتدعى السلطة التشريعية للانعقاد في مدة لا تزيد على ثلاثين يوما. وفي اول جلسة لها يتم حل المؤتمر الوطني العام وتقوم السلطة التشريعية بأذاء مهامها.

لقد سطرت كل النقاط التي تضمنتها المادة (30) من الاعلان الدستوري للتذكير، وفي كل هذه النقاط التي تحدد دور المؤتمر الوطني العام الذي نقر شرعيته، الا ان التسأل ليس في شرعيته، وانما في مجالا تشريعاته. ليس من الصعب ان ندرك بان دور المؤتمر مقيد ومناط بدور محدد وزمن محدد لانهاء كل مهمة، والشعب الذي اقترع للمجلس ان يمارس هذا الدور في جله قد لا يكون على علم بالدور المناط للمؤتمر، ومع هذا فهو يعي ان له دور محدد واهذاف قريبة التحقيق، الشعب يرى في المؤتمر تغيير لمفهوم الحكم، فزمن الاستبداد قد ولى، والوقت يُلزم الجميع باستيعاب ان ادارة الدولة ليست حكر على احد، وليست عقد زواج كاتوليكي بين الوظيفة ومن يشغلها.

في تقديري ان المدد الزمنية التي حددها الاعلان الدستوري واضحة كل الوضوح، وهي ما جعلت الجماهير متأكدة بان المؤتمر، حسن ادئه او ساء، ستنتهي مدة خدماته بعد ثمانية عشر شهر، اي في فبراير العام الحالي.

هل من حق المؤتمر ان يصوت على تمديد ولايته؟ ربما اقل ما يقال عن هذ الامر انها “مزحة” تقيلة الدم، ولا يستطيع الانسان ان “يمرئها” كلقمة سائغة، او ان “يضحك” لها كنتة ذكية. ان هذا الحق هو حق المنتخب الذي ادلى بصوته، فصوت الناخب هو الذي وظف عضو المؤتمر في اروقة المؤتمر، وهذا الصوت له صلاحية “كحكة الطماطم” او “باكو الحليب”، حين تسقط هذه الصلاحية مكان “العلبة” قمامة المنزل او الشارع ان غابت “شركة عكرة” للتنظيفات.

لا شك ان المؤتمر قد مر بتحديات جليلة منذ ان باشر عمله ومنذ اولى ايامه، ونحن نتفهم ذلك، ونجد كل العذر له في بعض الفشل الذي نال ادائه واداء الحكومة المنبتقة عنه، الا ان هذه التحديات لا تعطي المؤتمر الحق ان يصوت لنفسه، ليس للمؤتمر صوت، الصوت للناخب وليس للمنتخب. كما وان الفشل في مواجهة التحديات لا يعطي للفاشل العذر في التمديد، على العكس من ذلك، الحصافة والحكمة تقول: اذا عجزت عن فعل شيء اتركه لغيرك عله يفلح فيما عجزت عنه.

ختاما، لا اقول ولا اقبل ان اتهم المؤتمر كما يفعل الكثيرين، لكني اتهم ادائه السيء، وعجزه عن تحقيق ما اناط له به لتحقيقه من ناحية، وانصرافه الى قضايا لا ترتبط بمهامه الرئيسية من ناحية اخرى، فخروجه عن الدور الواجب لم يجعل منه لاعب سياسي فاعل، انه كخروج ممثل جديد العهد بالتمثيل عن النص الذي لقن له، فخروجه لا يجعل منه فنانا قدير بالضرورة. لكل ذلك، اضم صوتي الى الذين ينادون بذهاب اعضاء المؤتمر، امل بان يأتي من يستطيع القيام ببناء هذه الدولة الوليدة، واصر على انها وليدة لان من معاني الدولة وجود المؤسسات، وفي ليبيا غابت كل المؤسسات واختصرت في شخص واحد.

لازال هناك متسع من الوقت للبناء، رغم ان تحديات اليوم هي اكثر بكثير من التحديات التي كانت تواجه البلاد بعد التحرير، كما ان همم الشارع اصبحت تفتر نتيجة الاحباط، الا اني ما زلت متفائل بان اول خطوة حقيقية تتحقق على الارض ستنال رضاء المواطن، وستعيد الى الشارع همته التي فترت، وتؤقد جدوة الثورة فيه من جديد، الا انها ستكون بإذن الله ثورة البناء وليست ثورة التغير، ثورة الانسان على نفسه من اجل القيام بواجبه كمواطن.

والله من وراء القصد

(اميس انتمورا).

مقالات ذات علاقة

من القبلية إلى المواطنة .. متى؟

محمد محمد المفتي

واللغة لعبة لابد منها

الصادق النيهوم

الإختلاف السياسي يفسد للود قضية!

علي بوخريص

اترك تعليق