من اعمال التشكيلي الليبي .. علي العباني
طيوب النص قصة

الليل يا ليلى يواعدني

السقيفة الليبية

من اعمال التشكيلي الليبي .. علي العباني
من اعمال التشكيلي الليبي .. علي العباني

(1)
كان المساء جميلا يانعا كصوته حينما يغني الهوى ليلى، وكانت يمامات الليل تتلفع مرتمية على وسادتها تتأمل مسارب النجوم، كأنها تسر لها أمرا. النساء في مدن الخواء يغزلن من الكلمات أمانيَ وأحلاما يبحثن عمن يفسرها.. وأخريات يحلمن بمعجزة تأتي ولو بعد حين، تحقق رؤاهن المبثوثة بين الأحاديث المكبوتة.

(2)
لا تقلق المرأة المشبعة بالحب سوى من اثنتين: واحدة تسرق قلبها، وثانية تحل محلها بعد مماتها، الأفكار عندما تسيطر على الإنسان: إما أن تحوله إلى كومة مهترئة لا تشبه سوى الهشيم الذي تذروه الريح، كلما حملت رسالة ما إلى جهة ما بطريقة ما.. أو تحوله إلى ماردٍ يعبث بالقوانين.. الشعوب التي تتمتع فيها الأفكار بطريقة الصعود السلّمي: هي شعوب لا تقلق من شيء، سوى العواصف التي تحمل بيوتها وترحل.

(3)
كانت تبتسم للمساء كثيرا، تبحث عن موجة تبعدها عن الأخبار؛ هي لا تحب الكلام كثيرا، وتصاب بالإحباط كلما سرد مذيع النشرة بوجه مليء أبيض مشع؛ أخبارا بائسة عن الحرب وعدد الموتى وانتشار الحرائق، والثورات التي تدفع أبواب البيوت تنذر بالواقعة، لا تعلم سبب جهلها بمثل هذه الأمور، كانت تستمع إلى حديث جدتها ذات ليلة حينما أخبرتها: أنه في يوم من الأيام سيطر السكون على مدينتها حتى كادت تتحول إلى صحراء قاحلة، فلا شيء سوى الصمت.. نسمع أصوات الرياح من مسافة كذا وكذا.. وكان الشعر يتحرك تلقائيا، الرجل يجول براحلته في الصحراء بحثا عن النوق البيض، ليمهر عروسه.. وأنتِ يا جدتي؟ كنت أنا العروس التي تنتظر النوق البيض! النوق يومئذ كانت ثورة العربي والشعر كلمته، والمحبوبة وصاله، والسيف يغمد في سواد الليل ليشتق من الكون: ولي دونكم أهلون!

(4)
في الطائرة التقت بكثيرين، لمحت على وجوههم معالم القلق؛ سألت أحدهم ما الذي يربك الجميع، اعتدل بعد أن وضع الجريدة جانبا، سحب فنجان القهوة السوداء؛ قال: القلق الذي ترينه يعتري الجميع له عدة أسباب: أنا مثلا قرأت في أخبار الصباح أن هذه الطائرة احتمال أن تتأخر بعض الوقت.. فقلقتُ من أجل موعد الوصول! رشف الثانية ثم قال: والذين من حولك تضاربت أنباء مخيفة بعد أن ارتفعت الطائرة؛ عن احتمال تغيير مسارها. رشف الثالثة متنحنحا: أما الخبر الأكيد الذي تداولته النسوة اللواتي يجلسن خلفك مباشرة وحسب سماعي منهن: أن الطائرة مخطوفة. اعتدلت التفتت لتنظر في وجوه الجميع، كانوا يتمتمون بهدوء.. لا شيء حتى الآن -»المضيفة «- تجول بين الناس بأكواب ورقية تملؤها بالقهوة موزعة بسكويتة التبسمات بين صفوف القاعدين.

(5)
أصابته رِعدة الغضب، أقفل جواله للحظات، ثم أعاد تشغيله، رفع صوت التلفاز.. كان برنامج الحديث عن التسامح والحب بين الأهل والأصدقاء، أحدهم صرخ لا يريد أن يغفر لأخيه؛ وظل يدعو عليه بأشنع الألفاظ.. خرج غاضبا من الأستديو بعد أن بصق في جهة ما مجهولة لم يظهرها المصور. نظر الرجل في هاتفه.. أقفله لحظات.. أعاد تشغيله.. أقفله، أعاد تشغيله، وكأنه في لعبة مع الوقت. كان على موعد بقرار ما.. وعدها ألا تهجره، وكان يقيس مقدار الغياب: كل مسافة لها معنى: هذه غاضبة ـ هذه تتدلل- وهذه ما عاد ثمة حاجة لي بها- أما هذه فلا معنى لها… الليل يا ليلى يواعدني ويقول لي: لا تبرح قلبها.. ما الذي يجعلني أصر على؟
عندما وَضبَّ فراشه لينام طرقت جواله رسالة أضاءت أركان جوانبه.. هرع إليه أم إليها؟ كان مضمون الرسالة: عشر مكالمات فائتة منذ ساعات مرّت على قلبه ووقته وليلته التي لم يكن فيها سوى الندم!

مقالات ذات علاقة

صدور “تقاسيم الفلسطيني” لسناء الشّعلان

المشرف العام

أنا أفكر .. أنا أنسحب

حسن المغربي

الدرجيحة

عزة المقهور

اترك تعليق