من أعمال التشكيلي.. معتوق بوراوي
قراءات

الليبي معتوق بوراوي يرسم “تايتانك” الفقراء

من أعمال التشكيلي.. معتوق بوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق بوراوي

لســـنوات طويلة مضت، كانت المدن والقرى الليبية تعج بالمهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، يصلون إليها بعد رحلة طويلة عبر الصحراء يموت فيها كثير منهم. ومن يصل إلى الشاطئ الليـــبي يبدأ رحلة جمع ثمن تذكرة ركوب قوارب الموت، فيعمل في كل الأعمال «المشروعة وغير المشروعة» للوصول إلى شواطئ أوروبا.
هم متنوعون، منهم الأمي واللص ومروج المخدرات والفقير المسكين، ومنهم أيضاً المتعلم والمثقف والفنان والشاعر، والفئة الأخيرة لا يتخيل وجودها أحد بين أولئك المهاجرين البؤساء. وفي إحدى المرات، قدّم عامل تنظيف سيارات في طرابلس ديوان شعر له منشوراً باللغة الإنكليزية وقال مبتسماً: «أنا شاعر من غانا».
بعضهم يرسم لوحات وينحت على الخشب، فيما يعزف البعض ويؤلف الموسيقى، كما تجد بينهم العامل الماهر والمهندس، والمقاتل من أجل الحرية، الهارب من استخبارات أهله التي تطارده.
يخفي ستار الفقر والبؤس الفوارق بينهم، ويضعهم في قارب واحد هو «تايتانك الفقراء» يركبونه بعد أن يمضوا في ليبيا فترات طويلة من الكد والعذاب للحصول على تكاليف رحلة الموت تلك، حالمين بالخبز والسلام والحرية… يركبون قوارب الموت الليبية إلى إيطاليا وتغرق غالبيتهم قبل الوصول إلى هناك.

صرخة إنسانية

الفنان الليبي معتوق بوراوي المقيم في إسبانيا عرف هؤلاء المهاجرين في طرابلس، وشاهدهم في إسبانيا، وكان من الفنانين المميزين الذين أقاموا معرضا تأبينياً لأرواح أولئك المهاجرين وتصويراً لملحمة الموت من اجل الحياة التي يخوضها البؤساء.
كان المعرض مشتركاً مع رسامين وفنانين إسبان، وأراد القائمون عليه تقديم نظرة أخرى لقضية الهجرة غير الشرعية وصرخة إنسانية حقيقية لمعالجة تلك الكارثة بشكل متحضر، وأكثر إنسانية، ليكون من ضمن الجهد الإنساني الذي يبذل من أجل عالم أكثر إنسانية وعدلاً.
يرسم معتوق بوراوي انطلاق «تايتانك» الفقراء تلك نحو المجهول مبتدئاً تلك الدراما الإنسانية المفجعة بمشاهد وداع القرى والزوجات والأمهات والحبيبات لشباب يلقون بأنفسهم بين أنياب الموت حالمين بحياة أفضل لهم ولعائلاتهم.
ومن ثم يصور ذروة تلك الدراما وسط عرض البحر حيث تتقاذف قواربهم المتهالكة الأمواج العاتية لتنتهي تلك الدراما بغرق الأجساد الواهنة وتحليق أرواح طليقة من قيود الجسد والجوع والعطش والإحباط، إنها تتحرر في النهاية من كل عذاباتها.
كتب الروائي الإريتري أبو بكر كهال روايته «تايتانيكيات أفريقية « في طرابلس أيضاً، فطرابلس كانت مرفأ تلك «التايتانك» الهالكة دائماً، ويعيد الفنان الليبي معتوق بوراوي سرد وقائع تلك المأساة بريشة شفافة على رغم عنف الوقائع، ويلامس تلك الأجساد والقوارب. يتابع بحزن شفيف تحليق الأرواح فوق سطح البحر كنوارس بيضاء طليقة، ليكتب مرثية تفيض بالحزن والتعاطف الوجداني الإنساني الكبير مع تلك الأرواح.
الماء ولا شي غير الماء، هذا ما توحي به ألوان لوحات بوراوي، المائية التي تغرق سطح لوحات «تايتانك الفقراء»، متمازجة مع أسود الأجساد وأحمر الدم.
درس الفنان الليبي الفن في طرابلس، ومن ثم انتقل إلى إسبانيا، وبرز كرسام شاب في تسعينات القرن الماضي، وامتازت أعماله بإيقاعات لونية عنيفة تضج بالغضب والعنف.

كان مسكوناً بروح رسام غاضب، وألوانه كثيفة حارة وعنيفة، وكائناته تقاتل بعنف من أجل الوجود. هنا في هذا «التأبين» لأرواح غرقى «تايتانك الفقراء الأفارقة»، تتحول تلك الألوان الزيتية الحارة والعنيفة إلى ألوان مائية تمس الأجساد والأرواح بنعومة وشفافية عالية، كأن ريشة معتوق بوراوي تمسد على تلك الأجساد والأجنحة المتكسرة بحنان ورفق وحب، وتنهمر عواطفها مرثية للحياة.
يضيف بوراوي إلى أعماله الزيتية الحارة أعمالا مائية شفافة تفيض بالحزن النبيل، ويضيف إلى أوروبا وفنونها تجربة من الشمال الأفريقي، من ليبيا تحديداً، وأفقاً آخر وزاوية أخرى للنظر.

مقالات ذات علاقة

(زرايبُ العبيدِ)… معاناةٌ إنسانيةٌ تطرزها لغةٌ متراقصةٌ

يونس شعبان الفنادي

المكان الطرابلسي في قصص عزة كامل المقهور

سالم أبوظهير

سؤال الهوية في رحلة المفتي

عطية الأوجلي

اترك تعليق