المقالة

الليبيون في الحبشة

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

تلك الأيام صحا العالم من نومه واحتفل كعادته كل عام بعيد الفصح. تبادل الأنخاب والهدايا والأمنيات الطيبة وأكل البيض الملون. وخطب القساوسه والرهبان في الفاتيكان ومعظم كنائس الشرق والغرب ورتلوا المواعظ من كتاب الصلوات ومنحوا البركة لرعايهم.

وهناك.. هناك في رمال وتلال قصية عن روما وسواحلها ثمة كتائب من الجيش الإيطالي تحتفل باحتلال الحبشة والفصح معا بعد سيول ضخمة من الدماء وطوابير من الجثث. كانت حربا جرت وانتهت في تلك الأرض على مسمع الفاتيكان وكل الكنائس وامتلأت بكل العار والقذارات مثل بقية الحروب الكافرة التي ظل يشهدها التاريخ.

كان ذلك في إبريل 1936. ثم في السادس من مايو شارع كورسو إمبرتو في روما المؤدي إلى قصر البندقية يغرق في الزحام إلى رأسه وساحة القصر تزدحم بالجماهير ذات القمصان السود الفرحة بالانتصار في الحبشة.. البلد المنهوك القوى الذي ليس لديه شئ سوى الكنيسة والأمبراطور هيلاسلاسي والأرياف القاحلة والماعز وأشجار البن والمزيد من الحزن الذي يخترق أكواخ القش المنتشرة على مد العين ونظرات الأطفال البائسة على الدوام.

في تلك اللحظة تماما خرج الدوتشي موسوليني من الشرفة وألقى خطابا بصوته الضخم أعلن فيه نهاية الحرب في بلاد الفقر وهزيمة العدو والثأر لمعارك قديمة هزم فيها الأيطاليون في عدوة وماحولها أواخر القرن التاسع عشر مشيرا إلى أن الملك فيكتور عمانويل الثالث أضحى هو الآخر أمبراطورا ثم سخر كثيرا من هيلاسلاسي الذي تمت هزيمته وقذف في ظهره المزيد من اللعنات الفاشية وقال بأنه ذهب لكي يذرف الدموع في عصبة الأمم.

(دوتشي.. دوتشي) هكذا كانت الألوف من الحناجر تصرخ بلا توقف وتلوح بالقبضات فوق الرؤوس وقاربت الساحة كثيرا على الاهتزاز. لكن عبر هذه الحشود والصراخات غابت حقيقة تاريخية مهمة أخفاها ذلك الدوتشي ولم تظهرها بلاده ردحا من الزمن. وضاعت في بحر من الخديعة والأكاذيب. الحقيقة مفادها باختصار شديد:

أنه لم تتم الإشارة أو القول أن إيطاليا عبأت مجموعات من الشباب الليبي تحت اسم فرقة (ليبيا الباسلة) وشحنت نفوسهم بالحقد حيال الأحباش المساكين وجندتهم إجباريا منذ عام مضى 1935 وأنها حققت انتصارها في الحبشة عن طريقهم. كانوا يمتلئون شجاعة وعزيمة لانهاية لها.

قد استدرجتهم إيطاليا التي تحتل وطنهم بخديعة عريضة ووجهتهم لخوض الحرب دون أي معنى أو مفهوم. أوغرت صدورهم لأخذ الثأر والتشفي من السمر.. الأحباش الذين ساهموا معها في احتلال ليبيا كما قالت لهم وأضافت في تبريرها بأن أولئك الأحباش عملوا الأفاعيل الحقيرة في المدن والقرى وقتلوا وشردوا وفتكوا بالأجداد في السجون والمعتقلات.

أيقظت إيطاليا بروحها الفاشية كل أسباب المقت في النفوس وغذته بمشاعر الكراهية والحقد. والواقع لم يكن كذلك على الإطلاق. كان يتمثل ببساطة متناهية لم تقلها إيطاليا لليبيين المخدوعين بأنها تريد أن تنتقم لما حدث لها في السابق في تلك البلاد الفقيرة البعيدة. أن تواصل مد نفوذها وسيطرتها في إفريقيا الشرقية ومواجهة النفوذين الفرنسي والإنجليزي على شواطئ البحر الأحمر. والواقع يقول أيضا أن إيطاليا حين قدمت إلى بلادنا كان معها كتائب سمراء بالفعل، لكن أفرادها ليسوا أحباشا وإنما من الصومال وأرتريا. نجحت الفاشية المتخمة بالعنصرية في تلك الخدعة. ضربت على وتر اللون. وحشدت الليبيين بهذه الوسيلة ضد الأحباش سييء الحظ.

لم يكن الليبيون يدركون هذه الحقيقة. اعتراهم الإحساس القوي بأن مايقوله الطليان مؤكد وصحيح. نالتهم الحمية وظلوا يحاربون بشراسة متناهية. استعملتهم إيطاليا بكل رخص ورمت بهم في جبهات المعارك وستفعل ذلك معهم لاحقا خلال اندلاع الحرب العالمية الثانية، وسيقع أغلب الشباب الليبي في الأسر اللعين في معارك براني والعلمين.

هذه النظرة الاستعمارية الحاقدة استلت كل معاني الحقد والتمييز والكراهية وأرسلت أبناء مستعمراتها إلى الجحيم وسيسجل التاريخ ذلك في صفحاته العديدة. لقد فعلها الأسبان. استغلوا المغاربة في أزماتهم وحربهم الأهلية. وفرنسا استعملت أبناء المغرب أيضا والجزائر وتونس في معاركها المختلفة في الحربين العالميتين. في الهند الصينية وفي كل مكان وكذا جندت العديد في السنغال وتشاد ومالي وساحل العاج لصالح حروبها التي تشتعل وبسبب سياساتها المتناقضة وعنصريتها التي لاترعوي.

لم تفطن تلك الشعوب إلى هذه اللعبة المميتة سوى في زمن لاحق وبعد دفع الثمن الغالي من الأرواح مع المزيد من الحزن والدموع وفقدان جسور الثقة في العلاقة الإنسانية.

الأحباش والليبيون كانوا من أصحاب الحضارات القديمة وقد التقوا بحضارتهم تلك في أجزاء من السودان المجاور وبنوا أهرامات وقلاعا وآثارا هناك. ثم كان هناك التواصل الرائع مع الإسلام زمن النجاشي طيب القلب الذي احتمى به فقراء مكة من بطش قريش بعد أن أرسلهم النبي الكريم ليجدوا السكينة والطمأنينة في رحابه.

حين شرعت إيطاليا في تجميع الليبيين وإعدادهم للقتال من كل الأنحاء في البلاد ودربتهم على الأسلحة وفنون الحرب قالت لشيوخ القبائل تمهيدا لهذه العملية بأن هذا العمل (التاريخي) سيكون ردا على ماقام به الأحباش وهذه فرصة لاتعوض ولابد من اقتناصها. أحد الشيوخ تقدم خطوة وقال: (نحن امسامحين). لكن هذا الجواب ذهب مع رياح القبلي دون طائل. وفي رصيف الميناء في بنغازي اقتربت عجوز من أحد الشباب وهمست في أذنيه بعد أن زغردت: لاتقصروا. عطوهم على روسهم. النبي في ظهوركم. افعلوا فيهم مافعلوه بنا. ورد واعدا بالخير والثأر للمظالم!

الفرقة الليبية قاتلت ببسالة حار أمامها الطليان أنفسهم. أقلعت بهم البواخر من بنغازي وطرابلس والبردي وحين وصلوا قطعوا مسافات تقارب الخمسين كيلو مترا مشيا على الأرجل حتى بلغوا ميادين القتال: (كنا نحمل فوق ظهورنا الأسلحة والأدباش والأثقال ولم نشعر بالألم. الخطوات تمضي. ونحن نمضي نقطع الوديان السوداء بكثير من غناوي العلم) قال الراوي المعاصر للأحداث.

هذه الصور المحزنة للخديعة ضاعت من الذاكرة الليبية، لكنها ظلت تنهض من خلال الروايات والشعر الشعبي الذي نقل هذه المأساة الإنسانية. كان هناك شعراء كبار انطلقت موهبتهم الكامنة في تلك المناطق مثل جعفر الحبوني ومصطفى عبيد الهوني وخليفة العبدلي وغيرهم. شاركوا وشاهدوا وخاضوا المعارك وأضحوا شعراء بفعل تلك التجربة، فيما تداعى للحزن شعراء آخرين داخل أسوار من كبار السن وفي مقدمتهم بورويلة المعداني وهيبة بوريم. كانت بينهما مساجلة (عليك وقت متعاكس غلب هندازه.. وكل قلب واخذ م الهموم مجازه) التي أشارت لتلك المأساة رمزا وتلويحا رائعين من بعيد. تسقط الحرب وينهض الشعر بالأمانة.

هناك قرب وديان أديس أبابا ودروب القرى الملتوية كان الليبيون أشداء. قاتلوا بضراوة. انتقموا من أناس لاعلاقة لهم باحتلال وطنهم. أحرقوا قرى بكاملها. طيبوا النية. اغتصبوا وارتكبوا المزيد في حق الأحباش الضعاف. وكان على رأس الحملة غراسياني وبادوليو الذي تحصل على اسم فاتح الحبشة ومنحه الملك فيكتور لقب دوق أديس أبابا. كان الفعل لليبيين والثناء للطليان. رجع أجدادنا بألاطراف المبتورة والعيون العوراء وظلت إيطاليا تمنحهم عطايا عبر قنصلياتها. الموتى والمفقودون بالمئات. وبعض من نجا ظل في الحبشة ولم يرض بالعودة.

أذكر أن د. وهبي البوري، حين كان وزيرا للخارجية، كما حدثني وشارك في أول مؤتمرا للقمة الأفريقية في أديس أبابا بعد مرور سبعة وعشرين عاما على تلك الحرب في مايو 1963 ضمن وفد ترأسه ولي العهد ونشأ عن ذلك المؤتمر تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية.. اجتمع بالليبيين الذين بقوا في الحبشة. دعاهم للعودة إلى بلادهم التي استقلت وستضمن لهم إمكانيات العيش اللائق في ربوعها. لكنهم – قال لي – رفضوا وفضلوا البقاء في البلاد التي ألفوها بعد مرور الأعوام.

ظلت الحرب عائشة في روايات المعاصرين الذين هرموا ثم ماتوا. وفي قصائد الشعر وحكايات الحزن التي تعتري حياة الليبيين دائما فيما خلد موسوليني ذكرى فوزه عندما نقش جنوده له تمثالا في أحد الجبال في عدوه شمال الحبشة. لكن الليبيين عادوا دون نقش أو أي شئ يذكر وظلوا ينظر إليهم بأنهم مجرد مجندين وسباييس مع الطليان لاغير، بعد عودتهم المحزنة في نوفمبر 1936.

في أبريل 1945 لقي موسوليني حتفه. علقت جثته بالمقلوب مع كلارا بتاتشي في محطة للبنزين في ميلانو ثم في أبريل موالي 1946 قام أنصاره بنبش قبره ولم تنجح المحاولة لتهريب الجثة التي أعيدت تحت حراسة مشددة. وفي نهاية أغسطس 1957 احتفلت أسرته بدفنه رسميا في مسقط رأسه بريدابيو وسط حشد حضره عشرة آلاف شخص وأدى له أنصاره التحية على الطريقة الفاشية، على حين مات غراسياني بعد أن أصابته لوثة عقلية عام 1955. ويظل التاريخ يمتلئ بالأعوام والأرقام المملة.. ومع ذلك مات الليبيون في الحبشة. ماتوا في حرب الكذب والخديعة ومظاهر العنصرية وظلت قبورهم مجهولة على امتداد البصر في التلال القاحلة. ودون أن تسقط من عيون إيطاليا دمعة واحدة.

مقالات ذات علاقة

انعدام الحماية والتحالف الموضوعي

عمر الككلي

نوار «بوقرعون»

محمد عقيلة العمامي

فلتسقط الخطوط الحمراء جميعا

إبراهيم حميدان

اترك تعليق