المقالة

اللودايت

حين ظهرت رواية «عشيق الليدي تشاترلي» للإنجليزي «د. ه. لورانس» بدايات القرن العشرين، شكلت صدمة للمجتمع الإنجليزي المحافظ وأصدرت إحدى المحاكم الإنجليزية حكمًا بمنعها. كان ذلك العام 1928، ثم حاولت دار نشر “البنغوين” الشهيرة العام 1960 نشرها لتُمنع من جديد، الحجة كانت أن الرواية فاضحة ومسيئة للأخلاق.

الرواية كانت في الحقيقة خجولة وعادية، لو قارنا ما فيها بما كان من تفسخ وانحلال، بالمعنى الأخلاقي، في المجتمع الإنجليزي في فترتي نشرها ومنعها، مما يجعلنا نتساءل عن مبررات هذا المنع في مجتمع الديمقراطية العتيد!!

تحكي الرواية عن علاقة غير شرعية بين سيدة أرستقراطية إنجليزية متزوجة بسيد من طبقتها، خاض حروب بريطانيا لاستعمار بلدان أخرى وعاد عاجزًا عن كل شيء إثر إصابته في الحرب. الزوج المحافظ والبطل القومي يعود عاجزًا عن ممارسة أبسط واجباته، ومنها «العلاقة الزوجية والإنجاب».

الليدي تشاترلي زوجة البطل القومي المحطم والعاجز ترتبط، تحت أثر رغباتها كأنثى وشعورها بالانهيار، «خراب الروح والجسد»، بعلاقة محرمة مع حارس الغابة التي يملكها زوجها والعائلة.

حارس الغابة ينتمي، بالتأكيد، لطبقة فقيرة ويحمل قيمًا تناقض تمامًا قيم الأرستقراطية وتسعى لتدمير تلك الطبقة. إنه أحد حاملي فكر «اللودايت Luddite» وهم منظمة عمالية يعني اسمها «محطمو الماكينات»، يحطم أعضاؤها «آلات المصانع» لأنها تحتل مكانهم في العمل وتطردهم إلى الشارع والجوع.

أعتقد أن مبرر منع الرواية هو هذا، وليس مشاهد الجنس في الغابة. فلم تكن أرستقراطية الإنجليز حريصة على أخلاقها المحافظة وعلى روابطها الأسرية، بقدر ما كانت حريصة على رأس المال الواقعي، وبالتالي الرمزي.

كان حارس غابة لورانس وريث فلاحين تحولوا إلى عمال فقراء طردتهم الصناعة من الحقل والريف وغناء العصافير إلى مناجم الفحم وضجيج المصانع وقسوتها، لتطردهم الآلات، كلما تطورت، إلى البطالة والجوع، حتى من جحيم المصانع وتلوثها.

لقد كان تحولاً قاسيًا ومدمرًا لملايين الفقراء طوال القرن الـ19، ابتلعت فيه المدينة والصناعة الملايين من البشر لتصهرهم في أفران التحولات الكبرى. كان وقودُها، وباختصار شديد، الناس والحجارة، وكان لورانس، صوت أولئك المطحونين، لايملك من القوة إلا جسده الخاص وروح غابة وريف تختنق وتموت.

لذا، كانت الليدي تشاترلي ترى نفسها تشيخ وجسدها يذوي في بيت الأرستقراطية، وترى روحها وجسدها ينتعشان ويعودان للحياة في غابة الحارس وعبر جسده البشري الحقيقي. على هذا النحو كانت رسالة لورانس للإنجليز والإنسانية «العودة للطبيعة والريف هي الحياة. أما هذا التحول فخراب وموت».

الصناعة والتلوث والاستعمار والبطالة كانت أسلحة عصر الرأسمالية ليثبت وجوده وسيطرته وقيمه الجديدة. العودة إلى الوراء، للطبيعة والريف وللجسد البشري الحي كانت أسلحة الرومانتيكيين والفقراء، لتظل معركة عشاق الليدي تشاترلي مستعرة ودائمة، كل يريد أخذها إلى جنته.

عشاق الليدي تشاترلي من المسلمين والعرب، أو فلنسمهم «عشاق ليلى» يخوضون الآن معركتهم من أجل أخذها إلى جنان أوروبا وديمقراطيتها، أو أخذها إلى جنان الماضي، حيث التناغم مع الذات والتاريخ والهوية. كلاهما يريد أخذها عنوة.

كان اليابانيون قد أخذوها إلى ديمقراطية أوروبا بقنبلتي نجازاكي وهيروشيما، لينتحر طرفهم الآخر على طريقة الساموراي، بعد أن يكتبوا مراثي “الحزن والجمال” كما فعل “كاوباتا”.

الروس أخذوها بعنف ستالين ليختنق باسترناك ودكتور زيفاجو وتبقى «لارا» أسيرة للزمن.

في عالمنا العربي والإسلامي، نعيش في قلب المعركة الآن ويتصدر «اللودايت» المشهد، يسعون لتدمير كل ماله علاقة بمنجزات العصر، يشنون حربهم المقدسة منطلقين من قاعدة عدمية تقول بمسح كل ما ورثنا من تحديث «رغم سطحيته وهشاشته».

«اللودايت الليبي» يحث الخطى ساعيًا إلى خيار الصفر في كل شيء، صفر في المؤسسات وصفر في التعليم وصفر في الثقافة ويُنظِّر مثقفوه وببغاواته لمسح كل شيء للبداية من جديد ومن الصفر، فنحن أمة مولعة بالصفر.

«اللودايت الليبي»، وهو يوجه مدافعه وراجماته وقنابله لمؤسسات هشه وبيوت عشوائيات، لخطوط اتصالات وشبكات كهرباء ومدارس توفر لبسطاء وفقراء ليبيا بعض شروط الحياة الإنسانية البسيطة، يخدم خيار الدولة الصفر، تلك التي بدأ بها الليبيون في خمسينات القرن الماضي وبرعاية دولية. فنحن شعب مولع بالرعاية الأجنبية وبدايات الصفر ومهووس بالتأسيس، ومن ثَمَّ ممارسة متعة “اللودايت” أو “محطمي الآلات” الذين تحولوا لدينا إلى محطمي بلدان وكيانات.

«اللودايت الليبي» يحث الخطى ساعيًا إلى خيار الصفر في كل شيء، صفر في المؤسسات وصفر في التعليم وصفر في الثقافة ويُنظِّر مثقفوه وببغاواته لمسح كل شيء للبداية من جديد ومن الصفر، فنحن أمة مولعة بالصفر.

__________________________________________

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

كلما فعلنا خيراً أكثر.. أصبحنا أحراراً أكثر

علي بوخريص

الحرب الليبية الليبية المحتدمة …..من يطفئها ؟

إبراهيم حميدان

محطات

عطية الأوجلي

اترك تعليق