قصة

اللوحـة المتـمردة

الرسام

وقف متأهبا، منتشيا، أمام اللوحة . سحب نفسا عميقا من غليونه وهو يتأمل برضا صورة المراة الجالسة في هدوء وصبر، تحمل ابتسامة ناعمة.

سحب الكرسي وجلس أمام اللوحة وشبح ابتسامة يتلاعب على شفتيه المطبقتين بإصرار على غليونه.

استرخى قليلا، نعم هكذا، ألم أقل لك أن تجعلي فرق الشعر على الجهة اليسرى؟ أجل هكذا .. لا لا قليلا إلى اليمين .. أجل في تلك الجهة .. يسارا ..النظرة باتجاهي ..لا جدوي منك .. (يصرخ عاليا) أيتها اللوحة اللعينة كوني كما أصنعك قليلا إلى أعلى. أجل إبتسامة خافتة مسروقة أسفل، فوق، يمين، يسار .. الكتف يميل إلى الأسفل .. لا أحب هذه الألوان آه ..

المرآة

تحركت المرآة في صمت. يمينا، يسارا، تحت، فوق، انحنت، أبدلت ثوبها، سرقت إبتسامتها، غيرت تسريحة شعرها، دارت دورة كاملة، وعادت تدخل اللوحة، وتجلس في مكانها.

الرسام

أخذ يتحرك بسطوة في فراغ المكان، يلتفت أحيانا نحو اللوحة، يبحث عن مالا يعجبه فيها، شيء ما كان يقلقه.

كانت نظراتها التي تعبره دائما إلى شيء خلفه، يحس بتلك الابتسامة التي صنعها لا تتجه إليه. شعرها الذي غزله علي أصابعه، نظراتها الذي أودعها خفقات قلبه، إنها تنفلت منه إلى فضاء بعيد، حيث لا يستطيع أن يلاحقها.

مزقه الحنق والغضب. عاد إلى اللوحة مزقها، تطايرت أشلائها ثم تساقطت بهدوء ووجع على أرض الغرفة.

انهمك في الرسم من جديد. عادت المرآة تنتصب تحت أصابعه، وضربات فرشاته على اللوحة. قص شعرها، غير لون ثوبها، اتجاه ابتسامتها، ميل كتفيها، هرول بألوانه في ضربات مجنونة، سريعة وفي اتجاهات متضاربة.

أخذه التعب.

ـ هكذا أفضل .. يجب أن تكوني كما أريد.

أسدل الستار علي اللوحة، ومضى إلى ركن الغرفة. مدد جسده على كنبة طويلة ونام في رضى وهدوء.

اللوحة

بكت المرآة.

لملمت اللوحة أجزائها الممزقة.

استعادت المرآة قوتها. ضمت شعرها، وارتدت ملابسها، وإبتسامتها المبعثرة على أرضية الغرفة، عانقت اللوحة، تشبهت بها، واندست في هدوء داخل اللوحة.

الفرح

في الصباح حمل قهوته مبتسما نحو اللوحة، ألقى عليها تحية الصباح.

ضحكت المرآة بجذل ..عدلت من وضعها وغمرته بإبتسامتها.

جلس قبالة اللوحة يمسد شعرها ويعطيه ألوانا وبريقا، وهي تغمره بالحنان والفرح، حتى أخذه النعاس، وأخذها الحلم، وتعبت الألوان من البوح.

المساء

أحس بضوء قوي ينفجر في الغرفة، واللوحة تتوهج بأضواء قوية، الألوان تبرز ابتسامة المراة وتكشف سحرها الغامض وهي تعبر الأفق إلى البعيد.

تتبع مسارها مذهولا. التفت خلفه. وجد ظله الثقيل يلتصق بالجدار، والمرآة تعبر بإبتسامتها نافذة الغرفة.

لطخ اللوحة بضرباته الغاضبة، جرحت الفرشاة وجه المرآة .. مزقتها .. سالت الدماء على يديه، وعلى أرض الغرفة، سقط في بكائه وغضبه. انكفأ يهتز حين فاجأته الريح عبر النافذة، تصفعه قوية وباردة. رفع عينيه .. كانت أشلاء اللوحة تتطاير من النافذة وتسبح في الفضاء الرحب. شعر المرآة، إبتسامتها، ألوانها، بهجتها، حزنها، كانت تتلاحق في طيرانها مثل الشهب، وتبرق مثل النجوم في تلك السماء الصافية. كانت اللوحة خاوية. مساحة كبيرة من البياض المهادن، والرسام يقف أمامها بفرشاته المكسورة وألوانه الجافة.

طرابلس: خريف 2006

مقالات ذات علاقة

مبروكة

إبراهيم الصادق شيتة

الحصان

محمد النعاس

يعيش الحاكم…تعيش الحكومة

إبراهيم حميدان

اترك تعليق