/ن أعمال التشكيلية امباركة زيدان.
قصة

اللعبة

Embarka_Zidan_01

في ا لطريق إلى بيته بالضاحية الجنوبية، لم يشعر السيد فاضل بتلك الطمأنينة والحيوية التي عرفها طوال حياته .

أي نوع من الألم الذي هاجمه هذه الليلة ؟ يشعر بأنه ليس كلياليه الماضية التي أمضاها في مكتبه، يدقق حسابات الشركة بعد الدوام الرسمي . شعوره بالوحدة جعل القلق يهاجمه، والأفكار المخيفة تعشش في رأسه، حاول أن يضفي نوعاً من البهجة على نفسه، لكنه ملّ التمثيل بسرعة .

كان يفيض قلقاً واضطراباً لم يعرفه إلا منذ ذلك اليوم الذي انشقّ فيه إلى رجلين مختلفين تماماً .. حيث أخذ يصارع آلامه في وحدة قاسية … يكابر، يرسم تلك الابتسامة العذبة .. يلبي طلبات رؤسائه .. يناقر زملاءه بودّ . لكنه في الداخل يتفتت .. خلاياه تتمزق، يعبث بها الخراب كل يوم .. ترك المكتب إلى بيته عساه يبتعد عن مشاغل العمل وهمومه .. كابوس مزعج جثم على صدره … لفحه هواء الطريق الرطب .. فك أزرار كنزته الصوفية وربطة عنقه . فتح صدره لموجات الهواء البارد .. كان يمنّي نفسه بالراحة، وبنوم عميق بين أحضان سريره الوثير، لكن الألم يطحن أعماقه .. جبينه ساخن إلى درجة لا تطاق .. يختنق .. تحسس صدغيه بأطراف أصابعه .. العروق تنبض بقوة .. الدم يتدفق إلى رأسه .. ربما لبدانة جسمه أثر فيما يجري له .. نصحه طبيبه بفقد بعض من وزنه الزائد .. تباً لذلك الطبيب الماكر …كان يخبيء شيئا وراء نظارته السميكة قرأت ذلك في عينيه . . رغم إلحاحي لم يفصح لي عن سبب الدوار الذي ألمّ بي فجأة .

لماذا كان يدقق في التحاليل بصمت ؟ وما سر الجهاز الذي ربطني إليه طويلاً ؟ وما معنى تلك الخطوط المتعرجة على شريط الورق ؟ .. يا إلهي … يا لهذا الألم .

أخرج منديله ومسح به على جبهته ووجنتيه، وزاويتي فمه .. تعثر برصيف الشارع الجانبي المؤدي إلى بيته . الطريق لم يكن مضاءً، كما انزرعت على جانبيه حفر مليئة بالوحل والمياه القذرة .. شجيرات مهملة كانت تعابثها الريح، فتزحف أوراقها الجافة على الإسفلت .

لقد آثر السيد فاضل الانزواء في هذه الضاحية الهادئة، البعيدة عن قلب المدينة حيث الضوضاء التي تستفزه .. عندما يكون في قلب المدينة يحسّ بالإرهاق والتوتر .. الجدران الإسمنتية تضيق حوله .. كأنه في عنق زجاجة .. لولا ارتباطه بالعمل لسافر إلى بقعة نائية يسودها الهدوء . كم يكره ما تتجشأ به المدينة من آلام وعذاب .

شعر بقطرات الوحل تتسرب إلى داخل حذائه فتلوّث جوربه .. لزوجة الطين تلتصق بجلد قدميه وبين أصابعه .. خيّل إليه أنها تتسرب إلى داخله .. خطواته المحطمة على الرصيف المبلل تبعث الوحشة بين ثنايا الليل .. يشعر بوحدة قاسية .. يتعمق فيه ذلك الشعور الغامض .. يتشعب بين خلاياه .. تتشابك براعمه الحادة في داخله .. أصابع خفية ناعمة تضغط على خناقه .. فمه كمغارة خرافية يبتلع الهواء .. يشخر كالذبيح … يجرّ قدميه بصعوبة على الإسفلت المغسول .. مع كل خطوة كان الطريق يمتد خطوات … ربما لن يصل هذه الليلة . لم يلق حتى أولئك المخمورين الذين تلفظهم حانات آخر الليل، فيتجولون بين الأزقة المظلمة لينسوا همومهم في بقايا زجاجة رخيصة .. لعلّ جرعة تخفف آلامه هو أيضاً . لكن ألم يحذره الطبيب من الكحول ؟؟

– إنه قاتل … وأظنك لا تحب أن ترحل سريعاً بسبب نزوة عابرة .

إنه يكره حتى مجرد التفكير في الموت .. ذلك المخلوق البشع الذي لم يعرف هيئته بالتحديد، لكن علاماته المرعبة كانت ترتسم على وجوه أحبائه التي غابت ولم تبق في الذاكرة إلا أطيافها المهزوزة .

سأل طبيبه عن إمكانية موته فجأة، دون أن ينذره ذلك الزائر الذي يخافه إلى حد الرعب .

– إنه كامن حولنا يتربص، وربما يظهر فجأة فيضرب ضربته دون أن نعلم، خاصة في مثل حالتك .

– مثل حالتي ؟؟ ماذا يقصد يا ترى ؟ هل هو قريب مني إلى هذه الدرجة ؟

حاول أن يطرد هذه الأفكار فشرع يغني بصوت لاهث مقطعاً من أغنية عن الثلج والأعالي وضوء الشمس، لكنه توقف فجأة عن غنائه .

ألا تعني هذه الكلمات الموت بعينه ؟ لماذا قفزت هذه الأغنية الحزينة إلى حنجرتي ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ ارتعدت أطرافه … جحظت عيناه … تشنج جسده، ودون أن يدري سكب صوته عالياً ممطوطاً في فضاء الليل البارد .. لا آآآآ .

ضغط جمجمته بين كفيه .. حاول انتزاع أفكاره من رأسه المتعب . كان الصوت يصيح بداخله .. لم يعد يسيطر عليه .. مرت سبابته على شفتيه إنهما منطبقتان تماماً، لكن الصوت المزعج المتألم يصفر من داخله .. يخرج من مسامه، من أذنيه وأنفه .. كل الفضاء أصبح أزيزاً حاداً مخيفاً .. من فوقه، عن يمينه وشماله .. يا إلهي !! تبين أنه يمر بمحطة السكك الحديدية .

إذاً فهو أزيز قطار آخر الليل ! . تشاءم من هذه المصادفة، أن يصل المحطة مع إقلاع آخر قطار .

خيالات كانت تتحرك تحت الأضواء الشاحبة المنعكسة على الأرضية المبللة . الجسم المعدني يتمدد طويلاً حتى خارج المحطة .. الإشارة الضوئية تلمع كنجمة خضراء . يعلو الهدير الفولاذي .. صخب العجلات على القضبان .

يبتعد القطار في الليل فيتلاشى الصوت في الظلمة .. يبتلع السكون الأشياء .. زقاق واحد يفصله عن بيته الذي غرق في العتمة . دقّ جرس البيت .. عاود الدق مرات ومرات .

تذكر أنه يقطن وحيداً .. ابتسم لهذه اللعبة التي يمارسها . أخرج مفتاحاً وأدخله في ثقب الباب .. كانت مفصلات الباب الحديدي تصدر أنيناً حاداً قطع سكون الليل … في ناحية الشارع ارتفع نباح كلب .

أشعل السيد فاضل نور المدخل .. اتكأ على السلم المؤدي إلى الغرف العليا .. كانت لوحة زيتية تزين المدخل . وقف عندها طويلاً كأنه يراها لأول مرة .. أشعل لفافة ومسح الغبار عن اللوحة القديمة .. كانت لسفينة هرمة تغالب العاصفة .. بعض الأشرعة كانت تتمزق .. الأعمدة المحطمة تتأرجح مع الريح . اللون الأزرق يطغى على اللوحة بدرجاته المتفاوتة .. السفينة رسمت بلون أسود قاتم … السماء لا يظهر منها غير ذلك الخضم الهائل من الأزرق .. ألف لسان خرجت من السطح الثائر .. تتشعب .. تتلوى بجنون .. تنقض على الخشب، على المزق والحطام .. على نفسها .. داس عقب السيجارة بحذائه وارتقى السلم مجهداً، تذكر أنه لم يحكم إغلاق الباب الخارجي .. رجع متكئاً على الجدار البارد .. أغمض عينيه ليخفف من وطأة الصداع الذي يمزقه . كان صوت حذائه على البلاط متعثراً منهوكاً .. نباح الكلب البعيد يتردد مرة أخرى .

البيت يمارس لعبة المرجحة .. كل الأشياء تهتز من حوله . تنكفئ .. تعاود اللعبة السمجة … هدير البحر يملأ أذنيه .

الميناء القديم حيث بقايا الزوارق المهجورة .. العلب الفارغة تسبح بين الصخور المسننة . بقايا الزيت تطفو على السطح … قطع الخشب المشبعة وهياكل الأسماك الصغيرة تسبح في دوامة.. . كل شيء يهترئ من حوله .. يتعفن .. تتلاشى فيه الحياة .

قفزت محتويات معدته إلى حلقه الجاف .. ينابيع الملح والمرارة تنفجر بين شفتيه… في داخله .. خيط لزج مُرّ ينساب من جانب فمه .. أمعاؤه تغادر جوفه … تملأ فمه بلزوجتها وحرارتها.. . يلفظها على البلاط فترسم دائرة مشوهة .. مسخاً هلامياً يحمل بشاعة العالم .. تنمو كطحلب عملاق .. تسيل منه فقاعات الصديد والألم.. . كماشات حادة تقتلع ضلوعه … سكاكين شرهة تفتتها .. يبصق.. فيتغير اللون إلى القاني .. يبصق .. يتفجر المد من داخله، يطغى على الشاطئ .. يغرق الأشياء من حوله .. يبصق فيتلون المذاق بطعم النحاس المذاب .. بطعم النار .. بمرارة الرعب .

الموج الأحمر يرتفع حوله .. وجه شمعي ينهض من ركام الحريق .. يتشكل في البركان القاني .. ينفض عنه برودة اللون الأبيض .

نصفه الأعلى يختبئ وراء نظارة سميكة .. الخطوط تتكسر في عينيه .. تدبّ تحت الزجاج كالنمل .. تومض ببريق مخيف .. ملاءات بيضاء كالثلج تعبق منها رائحة اليود .. وجوه شمعية تتشابك كالحلم الغائم … تبهت ملامحها .. دقات بطيئة تترجرج في الأفق .. اسطوانات معدنية شاهقة ترتفع حوله .. كمامات ناصعة تحجب الوجوه الباهتة .. أسلاك باردة تلتف حول أطرافه الثقيلة .. قطع معدنية تنغرز في لحمه .. في أعماقه … تتشعب فيه أنصالها الباردة .. جبل يربض على صدره … ثقله الهائل يشلّ حركته .. تنشب الكماشات الحادة معدنها في اللحم … في النخاع .. بين قطرات دمه البارد .. تمتد أصابع رشيقة فتنزع حجراً ثقيلاً من داخله .. حبات العرق ترتسم على الوجوه .. أخذ جسده يرتفع عن السرير ببطء .. يرتفع .. لقد فقد وزنه، أحسّ أنه يطير بخفة الهواء … يحلق حول الرؤوس المنكبة عليه .

ينساب في الغرفة الواسعة بسهولة .. استمتع بهذه اللعبة .. يطير .. يقترب من الضوء الساطع المعلق بالسقف .. من منبع الشمس .. يتشبث بخيوطها .. يتعلق بحريرها الأبيض الناعم .. ينزلق عبر النافذة إلى خارج الغرفة .. يبتعد في الفضاء الفسيح حيث يترك ضوضاء المدينة .

مقالات ذات علاقة

البيت

فتحي نصيب

غناوة عزيزة

المشرف العام

رســـم

كريمة الفاسي

اترك تعليق