تخطيط حسين جمعان (عن مجلة الجديد)
قصة

الكواكبي


أطلقت عليه هذا اللقب منذ بداية تعارفنا عندما التقينا على هامش أحد المهرجانات، كان لا يزال على أعتاب الكهولة مفعما بحيوية ونشاط يحسده عليهما من يصغرونه بسنوات، مثلما كنت أغبطه أنا الذي أصغره بعشرة أعوام تقريبا، كانت علامات الرضا تلوح على وجهه المكتنز بعينيه اللتين تشعان بريقا وبأنفه الأقنى وفمه الباسم على الدوام وبتلك الغمازة في نهاية ذقنه الحليق، وبعنقه الطويل الممتلئ الذي تتدلى منه سلسلة فضية تتوسطها ميدالية منقوش عليها لفظ الجلالة بخط كوفي حسن، كنت أعرفه قبيل لقائي به بعدة أشهر من خلال كتاباته التي كانت تبهرني وأنا في بدايات مناوشتي لعالم الكتابة وكذلك عن طريق احتكاكنا غير المباشر على صفحات المواقع الأدبية والمنتديات التي تعنى بالقصص والنقد. كان ودودا وناصحا وسريع البديهة كعادته وحاضر النكتة والدعابة لدرجة أنني لم أشعر بأننا نلتقي للمرة الأولى في الواقع، ساعدتني على الإحساس بهذا الشعور أحاديثنا السابقة عبر “مرسال أين” و”الأود يغو” و”الأس أم أن” و”ماسنجر الياهو”، و تبادل الآراء والرؤى والأفكار عبر البريد الإلكتروني آنذاك.

 لكن الشيء الذي لم أكن أعرفه من قبل هو كل هذا الوله العجيب بالسيدات خاصة الأديبات والفنانات اللواتي كن يتحلقن حوله ككواكب تدور حول مجرة عظيمة، كن لا يتورعن في الجلوس على طاولته والحديث معه حتى أوقات متأخرة، ولا يجدن أدنى حرج في الضحك بأصوات مرتفعة بعد كل نكتة أو حكاية طريفة يرويها حتى وإن نأت قليلا عن حدود الرزانة، فهو يعرف كل ما يثير كوامنهنّ وهنّ يجدن طلبتهن في سرده الأسطوري مثل حكّاء محترف، وكان في تلك الليلة فوق مستوى تجلياته فأراد على ما يبدو أن يكرمني أو يدعوني بطريقة ما إلى هذا الجانب المشاغب الذي كان خفيا عني من  جوانب حياته، وأنا الكاتب الصغير الذي خرجت مؤخرا من مضارب عشيرتي الموغلة في بداوتها في نهايات القرن الماضي.

 حاول بخبرته أن يبدد خجلي ويمد جسور التواصل بيني وبين صحبته حتى لا أشعر بغربتي أو باختلافي، وحاولت أنا مساعدته متواطئا مع ذلك الولد البدوي المشاكس الذي كان يسكنني حينها، فبدأت ألتقط خيوط الحديث التي كان يلقي بها لي بمهارة حكاء قديم وأضفي عليها بعض الرتوش واللمسات فأرى علامات الرضا في عينيه من خلال بريقهما الذي يشع مع اكتهال الليل واتساع رقعة السهرة، لدرجة أنني تمكنت في وقت قياسي من استيعاب كل إشاراته وإيماءته وإيحاءاته بسهولة ويسر، وبدأت أشعر بأن الصحبة قد بدأوا في الحديث أمامي بطلاقة وكأنني لست غريبا عنهم، فاعتبرت ذلك مؤشرا جيدا للألفة والأنس، وجواز مرور منحوه لي للتوغل أكثر في الحديث واستعراض بعض مهاراتي في الحكي عن مغامرات أغلبها من نسج مخيلتي وبعضها من مواقف لأصدقاء من مدن بعيدة، لم أكن مهتما بالتعابير المرسومة على وجوه معظم الجالسين بقدر تركيزي على تقاسيم وجه صديقي “الكواكبي” الذي كان يمنحني الفرصة تلو الأخرى لإبداء آرائي حول أحد الموضوعات وهو يؤازرني على نحو مدهش عقب كل وقفة لي مؤكدا للرفاق أن:
– ألم أقل لكم؟
– ما رأيكم في هذا البدوي المذهل؟
– إنه يمتح من نبع صاف لم تكدره مدائنكم المالحة.

كانت عباراته بقدر ما تثير غدة العرق في جسدي تستحث قريحتي للتجويد ومحاولة ترتيب أفكاري في حضرة هؤلاء الذين كنت أقرأ كتاباتهم بشغف وأنظر كثيرا في ملامح صورهم على أغلفة إصداراتهم الأنيقة، ومع انحسار الليل الصيفي وتقلص رواد طاولة “الكواكبي” بدأ يتحدث بلهجة أكثر رصانة وبأسلوب الأستاذ الذي يحاضر في طلابه المبتدئين، وسرعان ما تحول الجميع إلى مجرد مستمعين جيدين يصيخون السمع إلى حديثه الجاد حول الأدب وفروعه ومدارسه ورموزه وخصائص كل نوع من أنواعه مضفيا على الحديث رونقا بسرده الشائق وعباراته المنمقة، ثم ما ينفك يحول دفة الحديث بحرفية تامة ناقدا قصة ما أو قصيدة لإحدى القاصات أو الشاعرات اللواتي كن ينصتن بأدب جم لكلماته، وإن أرادت إحداهن السؤال أو الرد أو التعقيب، فلا بد أن ينتظرن إشارة منه أو إذنا مباشرا فتبدأ بالكلام الذي عادة ما يكون موافقة على رأي “الكواكبي” أو تأكيدا عليه، وكان كلما لمح استغرابي يمازحني بغمزة مشاكسة:
– ما رأيك أيها البدوي في عالم الكواكب؟
– أنا على استعداد أن أتنازل لك عن نصفهن كي تروي لنا أحاديث جدتك المعتقة بعبق الحناء وزيت القرنفل، وعن عنزاتك اللاتي تركتهن يرتعن على شط الشواعر.

كان حديثه سلسا وغير معقد تتخلله نوبة من الضحك المصحوب بسعال خفيف من أثر التدخين، وكانت آراؤه تبهرني، وقبل أن ينفرط عقد اللقاء يهمس لي:
– هذا عالمي يا صديقي وهؤلاء كويكباتي، أغدق عليهن من فيض بهجتي وأمنحهن ما يحتجن من بريق الشهرة والمجد ولا أبالي.
 كنت أشفق عليه وهو يحتضن دواوينهن ومجموعاتهن القصصية، بل ورواياتهن أحيانا فور صدورها وكأنه يحمل أطفاله الذين ولدوا للتو، يعانق الكتب برفق ويمسح الغبار وبقايا حبر المطابع عن أغلفتها التي كثيرا ما يشارك في اختيار لوحاتها بعناية فنان، وعيناه تزداد بريقا وإشعاعا مصحوبا بسحابة خفيفة سرعان ما تهطل على وجنتيه المتغضنتين حينما يرى أمارات الرضا على وجه إحداهن، أو حين يلمح نظرة زهو وانتصار على ثغر إحدى مليحاته، وأنا أشفق عليه وأكاد أصدمه بالسؤال:
– لماذا لا تنجز رواياتك وتشتغل على مشروعك الثقافي الذي تأخر كثيرا؟
– لم تنفق كل هذا العمر تحيك أجمل الثياب وأغلى التيجان لأجساد الآخرين ورؤوسهم، وتظل ترتق قمصانك المفتقة وتعتمر هذه القبعة التي اختفت تقليعتها منذ عقود؟
وكلما هممت تفاجئني عبارته:
– هل قلت لك يوما هذا عالمي، منذ أن تركتني أمي للشقاء ورحلت قبل أن تكتحل عيناي برؤيتها أو أمتص ولو جرعة واحدة من حليبها المقدس.
– منذ تلك اللحظة وأنا أشعر بأن الأقدار قد نصبتني سلطانا على هذا “الحرملك” الجميل.
– التهمت الآلاف من الحلمات المترعة بطزاجة الحليب ورفضت ألف ضرع لنساء أنجبن أطفالا ذكورا، وكنت لا أرضع إلا صدور السيدات اللواتي وضعن للتو رضيعات مبرقشات العيون.
– فلا تلمني يا صديقي إن أنا وهبتهن جزءا من دَين قديم، دين بعمري الذي أنهكته السنون.
فلا أجد سوى مشاكسته بود وأنا أربت على كاهله:
– هنيئا لك بعالمك أيها “الكواكبي”.

وأودعه عائدا صوب مدينتي الغافية بين أعتاب الجبل وأحضان البحر منذ الأزل مثل حورية تعزف أناشيدها للبحارة والعابرين دون توقف.

مقالات ذات علاقة

قصصٌ قصيرةٌ جدًّا ..

المشرف العام

ثمانينيات.. !!

زكري العزابي

العراك

المشرف العام

اترك تعليق