المقالة

الكهنوت في الإسلام؟

ما انفك المفكرون المسلمون والإسلاميون*، في تصديهم للدعوات العلمانية والديموقراطية المنادية، بطبيعتها، بفصل الدين عن الدولة والسياسة، يتحججون بأن هذا الأمر كان له ما يسوغه في الغرب بسبب تكون مؤسسة دينية صلبة وسائدة في أوروبا المسيحية، هي الكنيسة. ما استتبع النضال ضدها والسعي إلى نبذ هيمنتها والخروج من إسارها وحصر صلاحياتها ضمن إطار الشؤون الروحية والدينية للمؤمنين. وهذا ينتفي في الإسلام. فـ “لا رهبانية في الإسلام ولا وجود لرجال دين” وبالتالي لا وجود لمؤسسة دينية متحكمة يتوجب العمل على إبطال مفاعيلها والتحرر منها. هذا الطرح صحيح شكليا، ولكنه قاصر موضوعيا وجوهريا.

فبداية، ينطلق هؤلاء من وجهة النظر السنية، متناسين الواقع الشيعي الذي تؤطره مؤسسة دينية قوية ذات تراتبية صارمة تقترب كثيرا من وضع مؤسسة الكنيسة. وسبب هذا الاقتراب، في تقديري، ناتج عن أن كليهما اضطر إلى العمل السري فترات طويلة. فالكنيسة لم تتكون في مهد المسيحية في منطقة الشام، وإنما في أوروبا حيث اضطرت إلى العمل السري الذي يتطلب تنظيما تراتبيا محكما ذا انضباطية عالية. هذا الحال عانته أيضا الحركة الشيعية في التاريخ الإسلامي الأمر الذي أدى إلى نشوء مؤسسة دينية تمكن مقارنتها، دون خشية من الزلل العلمي، بالكنيسة المسيحية.

يتفق معنا في هذه النتيجة (وليس التحليل) عبد الجواد يس، حيث يرى أن الإسلام الشيعي اتخذ مسارا مختلفا “بسبب العوامل السياسية والكلامية التي وجهت هذا المسار بعيداً عن مؤسسة الدولة الرسمية، وبالتأسيس على فكرة الغيبة والنيابة عن الإمام طور الفقه الشيعي (الاثني عشري والإسماعيلي) بنيات تنظيمية ذات ملامح مؤسسية لا يعرفها النظام السني” (1) فهو هنا يحصر السبب في العوامل السياسية والفكرية والمعتقدية، أي في إطار الفكر المجرد، مهملا السبب الأساسي المرتبط بالشرط التاريخي الواقعي المتمثل في ما تعرض له هذا التيار من اضطهاد وملاحقة من قبل الدولة السنية المتمثلة في الدولتين الأموية والعباسية. أما بخصوص السنة، فالأمر ملتبس إلى حد كبير.

يثير محمد أركون هذه النقطة (2) عبر سؤال آخر: هل توجد كهنوتية في الإسلام (ص: 213). فيقرر أن الكهنوتية موجودة “بأشكال ومجريات شتى، في جميع الأديان التوحيدية بل والشركية المتعددة الآلهة […] بمعنى أنه لا يخلو أي مجتمع بشري منها.كل المجتمعات الإنسانية فيها كهنوت أو طبقة رجال دين وإن كانت تجلياتها تختلف من هذا المجتمع إلى ذاك أو من هذا الدين إلى ذاك” (ن. ص). لأنها “عبارة عن وظيفة ذات أبعاد أنتروبولوجية أي إنسانية في العموم المطلق” (ن. ص).

ويقارن بين الكهنوت في المسيحية والكهنوت في الإسلام، حيث يلعب الكاهن أو رجل الدين المسيحي دور الوسيط بين جمهور المؤمنين والإله. فالقداس المسيحي لا يقوم به سوى الكاهن المؤهل دينيا لهذا الغرض. وبهذا المعنى لا يوجد كهنوت في الإسلام. فمن الناحية المبدئية بإمكان أي مسلم الدخول في علاقة مباشرة مع الله من خلال تأديته الشعائر الدينية المقررة. (ص 213-214)

لكن هذا، كما يؤكد أركون، لا يعني انعدام وجود الكهنوت أو رجال الدين في الإسلام. فانتفاء وجود تنظيم هرمي تراتبي، مثلما هو الشأن في المسيحية، لا يعني أنه لا توجد سلطة لرجال الدين في الإسلام. “وينبغي العلم بهذا الصدد أنه في الإسلام الكلاسيكي كما في الأنظمة المعاصرة فإن رجال الدين المسلمين يلعبون نفس الدور الذي كان يلعبه كهنة الكنيسة المسيحية في فترة ما قبل الفصل بين الدين والدولة في الغرب” (ص: 215) ومن خلال ممارسات الدولة في العالم الإسلامي وسعيها لحيازة مظلة دينية تمنحها المشروعية بهذا الاعتبار انقسمت طبقة رجال الدين في كل البلدان العربية والإسلامية “إلى قسمين: قسم مع الدولة، وقسم ضدها” (ص: 216).

ويستشهد حلمي سالم (3) بحالات ملموسة من الوضع المصري فيذكر أن “اختصاصات مجمع البحوث الإسلامية (إحدى هيئات الأزهر الشريف) قد توسعت في السنوات الأخيرة توسعات جائرة، إذ اختص نفسه بصلاحيات كبيرة لم ينص عليها قانون تنظيم الأزهر عام 1961 […] ومنحته الدولة المصرية الحق في التدخل في كل شأن” (ص: 46). ويذكر أن “مجلس الدولة قد أعطى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر (عام 1993) ‘‘حق الضبطية القضائية‘‘ على الكتب والمصنفات الثقافية فصار بإمكان رجال المجمع الهبوط على أية مكتبة أو ناشر أو معرض لمصادرة ما يشاءون” (ن. ص). هذا، إضافة إلى قانون “الحسبة” الذي لا أصل له في الإسلام، والذي ابتدع أيم العباسيين هو وحد الردة، مثلما ينقل حلمي سالم عن د. صبحي منصور في بحثه “الحسبة بين القرآن والتراث” (ص.: 47).
*
من هذا نرى أن القول بعدم وجود رجال دين في الإسلام وعدم وجود مؤسسة دينية قول لا يدعمه الواقع. فمنذ عهد الخليفة العباسي المتوكل ( 206- 247 هـ) الذي انقلب على المعتزلة وطاردهم (4) “وقع الناس تحت سلطان المحدثين وأمثالهم من الفقهاء وظلوا تحت تحت هذا السلطان […] إلى ما قبل اليوم بقليل” (ص: 182). الواقع أنهم ظلوا كذلك حتى لحظة كتابة هذا المقال!.

___________________________________

* تعني “المسلمون” المسلمين العاديين الذين ينطلقون في تفكيرهم من مباديء الإسلام ومعاييره. وتعني “الإسلاميون” مفكري الإسلام السياسي.
https://www.almesbar.net/%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5/.
(2) محمد أركون. ترجمة وتقديم هاشم صالح، الهوامل والشوامل: حول الإسلام المعاصر، دار الطليعة، بيروت- لبنان 2010
(3) حلمي سالم، الشعر والتصوف والثورة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2012.
(4) أحمد أمين، تحقيق وتعليق محمد فتحي أبو بكر، ضح الإسلام مج2، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2015.

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

قُتِلَ الجعد ومات إبن الراوندي (!!!…)(2/3)

أحمد معيوف

أوقدوا مصابيحكم ينقشع الظلام لا محالة

علي بوخريص

المثقفون الجدد والمشهد الثقافي (2)

الحبيب الأمين

اترك تعليق