مدينة بنغازي كما رسمتها الفنانة الإيطالية تيزيانا فانيتي
المقالة

الكفاءة والظروف الصعبة

بوابة الوسط

مدينة بنغازي كما رسمتها الفنانة الإيطالية تيزيانا فانيتي
مدينة بنغازي كما رسمتها الفنانة الإيطالية تيزيانا فانيتي عن بوابة الوسط

بعيدا عن الأضواء لكن ليس فى الظلام كان الرجل يعمل بمنتهى الاقتدار والكفاءة. ضابط مخلص. ذكى. يتحدث الإيطالية والإنجليزية. إنسان يعرف الناس جيدا ويجيد التعامل معهم على اختلاف مستوياتهم ومواقعهم. لم يفرق بين أحد من المواطنين. علاقاته طيبة بالجميع رغم حساسية المنصب وخطورته. تميز بحسن إدارة الأمور والإمساك بكل الخيوط. مسؤوليته كانت دقيقة إلى أبعد حد من الشباب الذين التحقوا بالجيش السنوسي منذ تكونه عام 1949 فى المهجر وأسهموا فى تحرير الأرض. ومع تولى الإدارة البريطانية الشؤون فى برقة عاصر بداياتها فى المرج عام 1949. اختارها الإنجليز نقطة الانطلاق لعمل الإدارة وأقسامها المختلفة. وهناك وهو ضابط الصف العائد من ميدان القتال كان من النواة الأولى لقوة البوليس والأمن التي تشكلت فى تلك التلال وقام بتعليم أفرادها مع نفر من زملائه فى المعسكرات التى نشأت فى قرنادة وبطة والكثير من المناطق. والغاية هى نشر الأمن وبسط الأمان فى ظروف مابعد الحرب القاتمة.

وبعد عامين من بقاء الإدارة فى المرج انتقلت بكاملها إلى بنغازى. عند شاطىء البحر وبقايا المباني المتهدمة والخرائب جراء الحرب التي مضت وظلت آثارها تفعل فعلها في النفوس. ومع هذا
الانتقال إلى بنغازي نقل إلى المباحث الجنائية. إدارة مهمة تشكلت بعد الحرب واستقرار الأمور لتعقب المجرمين والمشبوهين والقضاء على الجريمة ووضع خطة أمنية تحمي الوطن وأبناءه. كانت القوة تشمل ضباطا وأفرادا وموظفين إجليز وفلسطينيين وسودانيين وكان من أوائل الرجال الذين أسهموا فى تاْسيس هذه الإدارة. كان الإنجليز يمسكون بعصبها وخيوطها المتشابكة في المدن والدواخل. ثم كان أول ليبي يتولى أمورها في ولاية برقة بعد الاستقلال. وأولئك الإنجليز استفاد منهم ورفاقه الكثي. ثم الخبرة والمهنية والحرفية وكلها اجتمعت فيه اكسبتها مشاركته في دورات مبكرة فى لندن عام 1950 الكثير من المعرفة والإلمام بوظيفة الأمن وفي مراحل متتالية من الأعوام حضر وشارك في عدة دورات متقدمة ومتخصصة في الولايات المتحدة وزار أغلب دول العالم خلال مهام رسمية تتصل بمجال عمله.
تلك الأيام ولاعتبارات معينة ألحق بإدارة المباحث (القسم المخصوص) الذي اختص بالسياسة وماحولها. كانت البلاد تتهيأ للاستقلال. الأنشطة المختلفة والتدخلات التي تلوح من بعيد. والجماعات والكيانات ووجهات النظر وحق تقرير المصير وأحاديث المقاهي والأعمال المشبوهة لزرع ألغام الفتنة والمشاكل. كان الأمن هنا حريصا على أن لايقع أحد فى مصائد المستنقعات التي تستهدف الكيان الوطني. كان الهاجس هو الحماية للجميع والخروج بالوطن من أية أزمة طارئة.
حسن محمد التومي الضابط الوطني. رجل الأمن القدير وصاحب الكفاءة. وعرف عمله جيدا والتزم به عن صدق وحيادية. كانت الشرطة ذلك الوقت في العالم كله تتابع الجريمة عن طريق المقاييس ثم تطورت المتابعة والرصد الذي تطورإلى (علم البصمات) واتفق نتيجة لهذا التطور والتقدم بشأنه أغلب الخبراء الأمنيين للدلالة على الوقائع ولعدم تشابه البصمات بين البشر عموما. الجريمة علم والبحث عنها علم أيضا. وتاْمين الناس والوطن مهمة ضرورية. ولخبرته الأمنية شارك في تنظيم إدارة بوليس فزان. قضى فترة هناك وعاد إلى بنغازي. أحداث ووقائع وجرائم متنوعة وصعبة وقاسية. كان حسن التومي قريبا من الكثير من تلك الأحداث بحكم موقعه الحساس خاصة السياسية. شغل بعد إلغاء نظام الولايات عام 1963 إدارة أمن الدولة وتوسعت الاختصاصات على مستوى الوطن كله. ثم أصبح مديرا عاما لإدارة الحدود.

كان يعرف حدودنا وشارك في مفاوضات معقدة مع أخوتنا في الجزائر الذين تنكروا لوعودهم القديمة المتعلقة بتسوية الحدود التي تعود إلى ليبيا منذ فترات بعيدة. يوسف بن خده رئيس الحكومة المؤقتة فى الجزائر تعهد بتعديل الحدود وفقا للأصول الدولية والثوابت التاريخية بعد نيل الاستقلال. لكن أخوتنا هناك خالفوا وغيروا. واستقبلوا الوفد الليبي برئاسة حسن التومى بكثير من الفظاظة والجفوة. وكان الرجل من ضمن المسؤولين الليبيين الذين شاركوا في حماية الثوار الجزائريين ومساندتهم داخل ليبيا. كان يعرف بن بله شخصيا ورفاقه. التقاه عام 1956 فى اْحد المقاهي بروما قبيل اختطافه مع زملائه خيضر وبيطاط وبوضياف وآية أحمد. كان مع التومي رفيقه رجب اعبيده. كان عبدالناصر أمم قناة السويس منذ أيام قليلة سبقت ذلك اللقاء. عبر بن بله لهما عن سخطه وأشار باْنها ستذهب بالأبصار بعيدا عن ثورة الجزائر. تاريخ يروى ويحكى ويكشف الأسرار في تلك الأعوام في ليبيا والمنطقة بأسرها.عن أدوار الكثيرين في لجان نصرة الجزائر واستعمالهم وعمنن يدعون الوطنية وكانوا يكتبون تقاريرهم فى زملائهم في النضال إلى الإدارة الإنجليزية ثم إلى المباحث. أشار كثيرا وبمصداقية متناهية إلى اختراق (فنلي) مدير المباحث الإنجليزي لصفوف جمعية عمر المختار وتجنيد بعض أفرادها لتوصيل المعلومات والتقارير على الدوام. فيما بعد ظلوا يلوحون في منتهى الوطنية وهم عكس ذلك تماما. وذكر أيضا بمنتهى الأمانة أن المباحث الفيدرالية الأمريكية نجحت في استقطاب الكثير من العملاء المحليين تلك الفترة ومنهم بعض الزملاء من رجال الأمن. لعبة المخابرات ولعبة الأمم في كل وقت والتفاصيل تغيب في الظلال ولا تكاد تبين.
استدعاه الملك إدريس إلى طبرق عام 1957 للاستفسار عن موضوع يتعلق بطبيب تونسي (الشاذلي) كان صاحب صيدلية في طبرق. ضايقه في قوت عيشه البعض ممن كان قريبا من الملك في السكرتارية الخاصة. استغل نفوذه وأرهب الرجل ولم يرض الملك بذلك عندما وصلته التقارير الأمنية عن تلك الأفعال. كان الطبيب الغريب مظلوما. وضع التومي الملك في الصورة بكل أمانة. استبدل سكرتيره بآخر وانتهت المظلمة ببقاء الطبيب ف صيدليته رغم ما اْرتكب في حقه من ظلم.
حكايات وأصداء التاريخ القريب والبعيد الذي تتناثر تفاصيله بلا انقطاع ومواقف الكثيرين والاْدعياء. والرجال الحقيقيين. معلومات تتحرك. ذاكرة حديدية جبارة. وأعمال كبيرة. أحداث متلاحقة عبرتها البلاد والمنطقة ف ظروف سياسية واقتصادية بالغة الصعوبة. نهاية الأربعينيات وحقبة الخمسينيات والستينيات والتداعيات الناشئة عنها. كان يتعين على الأمن اْن يراقب ويعمل ويتابع ويرصد ويضع الاقتراحات والحلول أيضا. لم تكن الفترة الزمنية سهلة. كانت ضاجة بالمشاكل والتوقعات والمخاطر وكان العديد من الناس ينظر إلى وظيفة الأمن ومهامها بالتحسس والشكوك والظنون. رغم أن تلك الوظيفة احتوت الكثير من العناصر الوطنية البعيدة عن الشبهات وإلحاق الضرر بالناس. كان ورفاقه يدركون ألاعيب الإنجليز ومحاولاتهم للمزيد من الوقيعة والدس من وراء الكواليس كعادتهم الباردة رغم مساعداتهم وخبرتهم. كانوا يعرفون المنطقة العربية جيدا ويمتلكون ملفاتها وماتحويه من معلومات ووثائق منذ أمد بعيد. لم يكن الإنجليز يمتلئون بالنوايا الحسنة في كل الأحوال. وقد ظل التومي بحكم معلوماته واقترابه من الأحداث لايستبعد أنهم كانوا وراء محاولة اغتيال الإمير إدريس أثناء زيارته لطرابلس في مايو 1951 حين ألقيت قنبلة على موكبه في ميدان الشهداء.

تاريخ واْسرار. تفاصيل عديدة قد تصدم الواقع والبعض إذا ما تم ذكرها. لكن الرجل كان اأمينا ومؤتمنا. اْدى دوره ومهامه مع رفاقه توطيدا للأمن رغم كل مايقال عن أجهزة المباحث والبوليس. كانت ضرورة وطنية تقوم بدورها بعد الاستقلال وتنسق في محاصرة الجريمة.
أيا كان نوعها وكان هناك مجلس أعلى للأمن يشمل الولايات الثلاث تلك الأيام للتنسيق والمتابعة. لم يكن الانتقام والتشفي والمطاردة هو الغاية في تفكيره. التهذيب ومحاولة الإصلاح والإنقاذ.
حسن التومي. الضابط المخلص. رجل الأمن. لم يكن مجرد صندوق للاأسرار.
كان الكفاءة والقدرة والإخلاص مع جيل الرواد من رجال الأمن في ليبيا الذي لاينهض على الدوام سوى بحسن النوايا والاتفاق على مصالح الوطن وفي مقدمتها أهمية استراتيجية الأمن والأمان في الداخل والخارج للجميع. الأمن ليس لافتة ولكنه جهد يعمل باقتدار في كل الظروف.

مقالات ذات علاقة

دفاعا عن الشريف الرضيّ من أوهام المتأخّرين

المكي أحمد المستجير

خط ولوّح

عزة المقهور

ومضات ليبية عابرة – 1

المشرف العام

اترك تعليق