سرد

الكرنفال


مسودة لرواية جديدة

-إلى الأصدقاء جميعاً-

الألوان التي صنعتها الحياة من مادتها تعلو الوجوه.. الرقاب.. الأطراف.. البطون.. الظهور.. الأثداء.. السيقان.. الرؤوس ذات الشعر والصلعاء.. الأقنعة دبّت فيها الحياة.. اللون حي دائما.. لا يموت.. لا يفنى.. قد يتغير فقط.. قد يتحول إلى لا لون.. لكنه يظل أبدا.. الأقنعة الآن حيّة.. زيفها ذاب على صفحات الوجوه التي اعتلتها.. وجوه ترتدي الأقنعة.. وجوه أخرى تعيش التغير كل لحظة.. لا تحتاج إلى أقنعة.. أقنعتها ذاتية.. التغير من حالة إلى أخرى قناع بحد ذاته.. هذه الوجوه المتغيرة كل لحظة قد يتمّ استخدامها كمبرد السكاكين التي تجعلها حادة وصالحة للذبح والجرح مجددا.. فالأقنعة المفضوحة والبائدة يتم حكّها على هذه الوجوه لدقيقة فتكتسب خواصا وأشكالا جديدة تمكنها من العمل مجددا بشكل جديد لم يُعرف من قبل.

الكرنفال صاخب.. موسيقا.. ألوان.. غناء.. رقص.. ألعاب سيرك.. استعراضات في محفات.. عربات ابتهاج بها كتل كبيرة من المرح.. حيوانات راقصة.. طيور مغردة.. سلاحف تحتفل ببطء.. شراب.. مخدرات.. مرطبات.. تقبيل.. مداعبات.. معاشرات جنسية.. حرية مجنونة.. تحفها الموسيقا وشمس الثمالة والأحلام الخيالية التي يجلبها تعاطي المخدر المحقون أو المشموم أو المشروب أو المدخن بمعية التبغ.. الكل يضع قناعا على وجهه.. إلا الفئة ذات الوجوه المتغيرة كل لحظة التي لا تحتاج إلى أقنعة.. بل الأقنعة هي التي تحتاجها من أجل تعمير نضيدتها وتطويرها.. لكن بين كل هذه الوجوه المقنعة بالأقنعة والمقنعة بالتغير كل لحظة الصاخبة بجنون في هذا الكرنفال.. كان ثمة أناس غير مرئيين يخوضون في هذا الخضم.. هم ليسوا من الجن ولا من الكائنات الخرافية.. إنهم بشر مثلنا.. يرونا ولا نراهم.. وقد نكون نشعر بهم.. يرونا مقنعين أو غير مقنعين.. هؤلاء البشر هم من امتلكوا قبعة الإخفاء.. يخلعونها يتحولون إلى مرئيين.. يضعونها على رؤوسهم يختفون.

الكرنفال صاخب.. وعناق شديد بين رجل من أصحاب الوجوه المتغيرة التي لا تلبس قناعا وبين امرأة من نفس فئته.. وانزواء في ركن صخبه لذيذ يمكنهما من الاسترخاء و الاستلقاء.. الجميع يرونهما يتضاجعان.. يرون الوجهين يتغيران أثناء المضاجعة.. يتغيران مع كل حركة في درب اللذة.. يخال لهم أنهم رأوا شعبا بالكامل يتضاجع ويتخلق من خلال الرجل والمرأة اللذان يعيشان الآن لحظة فرح واحتفال.. الكرنفال مستمر.. وهذان المتضاجعان لم يرتويا بعد.. تسببا في كثير من العناقات حولهما من قبل أناس مقنعين وغير مقنعين.. الصراخ يتعالى.. الآهات تتعالى.. في الأرحام تتشكل مخلوقات جديدة.. عيد ميلاد نشأتها في الظلمات هو يوم الفرح هذا.. يوم الكرنفال السنوي.

في كرنفال العام القادم.. كانت امرأة قد انتقلت من صنف المشاركين إلى صنف المشاهدين.. كانت تدفع أمامها عربة بها رضيع يبلغ من العمر ثلاثة أشهر.. وجهه يتغير مع كل لحظة.. تراه أسمر.. أبيض.. مبتسما.. مكشرا.. وعندما يجوع لا يبكي كبقية الصغار والكبار إنما يشير بإصبعه إلى أحد ثدييها.. فتلقمه فمه الذي يقبض على حلمته قبض غريق على قشة نجاة.. لا يلفظ الثدي من فمه إلا بعد أن يجعله مفشوشا كخصية مُسن.

أثناء الرضاعة تراه مبتسما.. ثابت الوجه.. يتركه على آخر حالة كان عليها قبل أن يضع الثدي في فمه.. بعد الرضاعة يعود الوجه إلى سنته الأولى.. فيبدأ بالتغير كل لحظة.. الذي يتغير في كائنه هو وجهه فقط.. لكن إفرازاته من بول وبراز ودمع ودم وعرق دائما تتخذ شكلها الطبيعي.. المعروف لدى كل البشر.. الدم أحمر.. الدمع كما العرق مائيان…. البول مائي يميل إلى الاصفرار.. ولا داعي لأن نكتب لكم ما شكل أو لون البراز.

هذا الرضيع لم يعرف أباه الذي ضاجع أمه ليلة الكرنفال.. تركه في رحم أمه و ذهب إلى حال سبيله.. والآن ها هي قد ولدته وتربيه وتمنحه حب الأمومة.. الحب الفردي الذي يتنعم به كل اللقطاء.. أبوه صار مجهولا بالنسبة لهما.. تتذكر ما منحه لها من لذة فقط.. وجهه متغير.. لا تدري شكل اللحظة التي عليها الآن على الرغم من أن شكل اللحظة التي ضاجعها فيها مازالت تتذكرها.. لكن أين لها أن تجدها لتجده.. فالكرنفال الماضي ضم أكثر من مليون إنسان.. والإنسان الواحد في المليون كحبة الرمل في الصحراء.. بالكاد تتذكر جزيئات من رائحته.. فالرائحة الطاغية أثناء الكرنفال هي خليط من العطور والبخور والكحول ودخان السجائر والحشيش وبارود المفرقعات والألعاب النارية.. وعلى الرغم من أن المشاركين في الكرنفال معظمهم من المقنعين إلا أن قدرها جعلها تقابل هذا الرجل غير المقنع.. المتغير وجهه كل لحظة مثلها.. وأن تحبه وتتودد إليه ويبادلها الشعور نفسه هو أيضا.. ليلتحمان على الفور في أنشودة تكاثر.. ثم مع الفجر يفترقان.

التغير اللحظي هذا لا يحدث في الوجوه فقط.. يحدث في العواطف أيضا.. في المشاعر والأحاسيس.. هي لا تدري كيف اكتسبت هذه الخاصية والرجل لا يدري أيضا.. لكن الذي شعرت به وهو يعانقها ويذوب فيها أنه صادق.. وشعر هو أيضا بهذا الصدق.. والشعور بالصدق هو شعور بالراحة.. ومن هنا يمكننا أن نعزّي أسباب هذا التغير في كل لحظة للوجوه و الأحاسيس إلى الصدق.. فالإنسان مشروع تغير دائم.. في كل لحظة يعيش حياة جديدة.. والناس التي لا تتغير كل لحظة مثل هذه النوعية من البشر هم الذين يلبسون أقنعة دائمة.. أقنعة لا ترى بالعين.. لكن إجبار أنفسهم على الثبات على شكل معين يعلن عن كذبهم على أنفسهم وعلى ارتدائهم أقنعة غير مرئية.. يلجمون بها مشاعرهم وأرواحهم.

في الكرنفال كل المقنعين مرضى بداء الكذب.. يسترون وجوههم الثابتة بقناع يفتقدونه و يرغبون فيه في قرارة أنفسهم.. هذا يضع قناع قرد.. آخر أسد.. آخر سلحفاة.. آخر أرنب.. آخر كلب.. آخر غراب.. آخر تاج.. آخر إكليل غار.. آخر سمكة.. آخر قصر.. آخر شاطئ.. آخر جبل.. آخر قلم.. آخر ببغاء.. آخر حرباء أيضا.. ووراء كل حيوان أو شكل للأقنعة يمكننا أن نتصفح رغبات ذاك المقنع المكبوتة في أعماقه.

يزداد الصخب في الكرنفال.. ترتفع حمى المداعبات و المضاجعات بين المقنعين وغيرهم من أصحاب الوجوه السافرة ذات القناع الذاتي المتغير كل لحظة.. وبين الكائنات غير المرئية المرتدية قبعات الإخفاء.. وبين مختلطين من كل نوع.. غير مقنع مع مقنعة.. مقنع مع غير مقنعة.. كذلك سنجد عناق مثليين.. لا يخلف إنجابا.. كذلك لابسو قبعات الإخفاء يدخلون المعمعة ويعانقون أصنافا من المشاركين مقنعة وسافرة.. يتضاجعون معهم.. وعادة ما يكونون من متعاطي المخدرات بأنواعها.. حيث يمكنهم مضاجعة الأحلام والهواء والنجوم دون الحاجة للمسها أو النظر إليها.

العام القادم كانت الأم تدفع عربة رضيعها.. تشاهد الكرنفال.. لكن الذي حدث أنه في منتصف زمن الكرنفال.. جاء طوفان عظيم بصورة فجائية.. أغرق الجميع.. سبب كارثة كبيرة.. مات من مات.. ولم ينج من الموت إلا العدد القليل من أصحاب الحظ الحي.. الماء القاتل لم يفرق بين مقنع أو غير مقنع أو لابس قبعة إخفاء.. عيون الماء ترى كل الأرواح الحية والميتة.. تراها بسر لا يعلمه إلا الماء.. أصل كل الأشياء.. الطوفان أغرق بلا حساب.. خاصة أصحاب قبعات الإخفاء الذين عندما غمرهم انتزعت تيارات الماء أرواحهم من جثثهم غير المرئية.. تاركة قبعاتهم التي ما إن ارتوت من ملح الماء حتى ظهرت طافية.. الذين نجوا من الإعصار عدد قليل.. سنجد من بينهم الطفل الرضيع.. فقد كانت عربته من خشب أشجار الزان والبطوم والنم الليبي.. مصممة وفق قانون الطفو الذي لم يسمح للتيارات المائية بجذبها إلى تحت أو قلبها على احد الجانبين تمهيدا لغمرها وإغراقها.. وسمح للماء فقط أن يجرفها ناحية حركة سيله التي كانت هذه المرة إلى الشرق.

ليس هو وحده من تخلق في ليلة الكرنفال.. العديد من المخلوقات الجديدة كانت قد تخلقت.. لكن من المستحيل رصدها جميعا.. فلكل مخلوق قصة ودرب.. ومنهم من لم تحضرهم أمهاتهم معهن إلى كرنفال هذا العام.. منهن من أتت وحدها تاركة طفلها أو طفلتها لدى أمها أو الحاضنة.. ومنهن من لم تحضر كرنفال هذا العام لظروف الحياة المعقدة.. أيضا الرجال.. منهم من تخلف عن حضور هذا الكرنفال.. ومنهم من حضر إلى الكرنفال كما العام الماضي.. مقنعا أو ذاتي القناع وربما يكون قد تحول إلى لا مرئي بوضعه قبعة الإخفاء.. أبو الرضيع هذا صاحب الحكاية التي نحكيها الآن كان حاضرا لكرنفال هذا العام.. كان يأمل أن يرى صديقته التي ضاجعها العام الماضي.. شعر أنها حاضرة في الكرنفال.. لقد لمحها وسط الزحام الشديد وحاول أن يقترب منها ويصرخ لها لتسمعه وتراه.. لكن الزحام شديد جدا والصخب عنيف.. فلم تصل صرخته إلى أذنها وضاعت وسط صراخ أكثر من مليون إنسان يمارسون طقوس الاحتفال المجنون بالحياة في مكان واحد.. يغـنون.. يرقصون.. يعربدون في مرح.. يتضاجعون في لذة وحبور..الرائحة الطاغية كانت رائحة البارود والسجائر والعطور والخمور.. رائحة الأنفاس البشرية كانت ضئيلة.. لا تكاد تذكر وعلى الرغم من ذلك فقد فتح هذا الرجل خياشيمه عله يلتقط مكانها بواسطة الرائحة التي مازال يتذكر جزيئات بسيطة منها.. مازال طعم قبلاتها عالقا في مذاقه.. مازالت رائحة أنفاسها تجعله ينتشي حالما يحلم بها شمّه.. لقد أغمض عينيه في هذه اللحظة تاركا أنفه يقوده.. وها هو يقترب.. وها هي تقترب دافعة عربتها أمامها صوب مصدر شبقها اللعين.. وفي اللحظة التي تماس معها وابتسم لها وتقدمت منه باشة تعانقه وتقبله ثم تشير إلى رضيعهما الكرنفالي النائم مبتسما في العربة.. ارتفعت درجات الفرحة.. تعالى أوارها الدافئ.. صعد ثلاثتهم إلى أفاق عالية من السعادة.. فاجأهم الطوفان.. جرف عربة الرضيع من أمامهما وهما يصرخان لتذوب صرخاتهما في الماء الذي غمرهما متعانقين كما غمر الجميع.. ليذهبا معا إلى العالم الآخر كشهيدي ماء.. تاركين فلذة الكبد في عربته إلى رحمة الماء.. التي دفعت به إلى يابسة خضراء.. يعيش فيها قوم من الصيادين والمزارعين والرعاة الجبليين.

أول من رأى العربة واقفة على رمال الشاطئ كان صبي خادم لصياد عجوز يعيش مع زوجته في بيت خشبي على السفح.. هرع العجوزان إلى أسفل حيث صراخ صبيهما يستحثهما على الحضور في عجالة لأمر جلل ممتزجا بصوت بكاء رضيع شبيه بصوت الموسيقا الحزينة.. أخذت العجوز الرضيع من العربة بلهفة وسعادة.. وباشرت تتفحصه لتطمئن عليه وتسعفه إن كان يحتاج إلى إسعاف.. وجدته باردا فدفأته بشالها الصوفي.. وجدته يتلاحق يدها ويبكي فعرفت أنه جائع فنادت على خادمتها الزنجية لترضعه مع ابنها.. وبعد أيام كان الرضيع قد استعاد صحته وحيويته ومرحه.. صار مبتسما دافئا متدثر بملابس ناعمة ذات ألوان فاتحة و يتنفس بهدوء.. صار يبث سعادته إلى كل من حوله.. وجه يتغير كل لحظة.. يتغير إلى حالات متنوعة من السعادة.. تراه مبتسما.. مبتهجا.. ضاحكا.. تراه هادئا و قبس نور يسطع من جبينه.. رؤيته المتغيرة في كل لحظة دائما تسر العين.

كان هذا الرضيع هو جائزة البحر للعجوزين الميسوري الحال واللذان لم يعش لهما أي ابن أكثر من سنة أو سنتين من عدد الولادات الكثيرة التي ولدتها العجوز وهي في سن الإنجاب.. وعلى الرغم من فقدان الولد.. فقد ظل العجوزان وفيين لبعضهما.. وحبهما كل يوم في الارتفاع.

لقد سجل العجوز الرضيع في سجله العائلي المنقوش على جذع الشجرة الضخمة التي تتوسط البلدة.. ملحقه بنسبه وأطلق عليه اسم الناجي.

تربى الناجي في هذه البلدة الجبلية البحرية ككل الأطفال.. لعب ألعابهم.. أكل طعامهم.. تكلم لغتهم.. درس في مدارسهم.. صار واحدا منهم.. وعندما كبر كان لابد له من مهنة يتعلمها مع دراسته.. فكان إن اختار مهنة الصيد.. صار يبحر مع البحارة في مراكبهم.. ينشر الشباك ويجذبها.. يعاني مثلهم من العواصف ومن ارتفاع المد وموجات الجزر المخادع.. فمهما كانت العواصف عاتية تجده دائما ينتصر على الأنواء و يعود بمن معه في المركب.. عندما يبحر الصيادون والناجي معهم يشعرون بالراحة والاطمئنان.. فها هو معنا ابن الطوفان.. الناجي الوحيد من ذلك الإعصار العظيم الذي أغرق أعدادا هائلة من البشر.. المركب الذي يركبه لا تراه في البحر وحيدا.. دائما مستأنس به ومستأمن به.. فتحيطه أو تجانبه مراكب أخرى.. ومراكب أخرى بعيدة عنه من أجل الصيد في منطقة أخرى تجنبا لاختلاط وتشابك الشباك لكن هذه المراكب لا تبتعد أكثر حتى لا تترك مركب الناجي يغيب عنها تماما.

الأمواج تتعالى والمراكب تتعالى معها وكأنها تؤدي رقصة.. وهذا الفتى عندما يكون على ظهر المركب لا يهتم بشيء إلا بعمله المكلف به.. رمى شباك.. جذبها.. مراقبة الدفة.. أو غيرها من أعمال البحارة.. أثناء عمله دائما يغني أو يدندن.. أي يترنم بصوت لا يسمعه إلا هو.. أو القريبون منه.. وعندما تشتد الرياح وتصير الأشرعة تخفق وترفرف و تصفر يستعذب الصوت ويواكبه بأغنية من تأليفه يترك مهمة تلحينها للرياح.. الرياح تعزف على أوتار الفضاء.. وهو يواكبها بغنائه.. بعد هبتين أو ثلاثة يتمكن من ضبط صوته مع أنغام الرياح.. يشد صوته إن اشتدت ويرخيه إن ارتخت.. يجعله رقيقا دافئا حنونا إن تحولت الرياح تدريجيا إلى نسيم بحري.. ينثر الرذاذ المالح على الوجوه.. كان يحب الغناء ويحب العمل في الصيد.. كان لا يهتم بما تجلب الشباك من أسماك سمينة أو فاخرة.. دائما تجده يبحث عن الأشياء العالقة.. أو كما يسميها لنفسه خردوات البحر.. كسرة حجر على هيئة وردة.. صدفة بديعة.. عظم عتيق.. حبيبات رمل ذات درجات لونية بهيجة لم تستخدم من قبل في صنع وطلي الأقنعة أو الجدران.. عندما يفرغ الصيادون الغلة من الشباك يتركون له الشباك ليتفحصها وينظفها من العوالق ويرتق المزق التي فيها.. وقتا طويلا يقضيه أمام البحر.. جالسا أو متقرفصا أو مستلقيا على رمال الشاطئ.. يهتم بالشباك ويجهزها لرحلة الصيد القادمة.. وما جمعه من الشباك من خردوات بحرية يحفظه في كيس قماش يعود به إلى البيت.

يلتقي بأمه العجوز وبأبيه العجوز.. يعرض عليهما ما وجد.. يبتهجان لذوقه.. يربتان على ظهره.. يضع محتويات الكيس في أحد أدراجه الخشبية.. يستحم.. يرتدي ملابس نظيفة.. ثم يجلس قرب النافذة يتأمل العصافير وهي تنتقل من شجرة إلى أخرى.. يتمتع بزقزقتها.. بأوراق الشجر وهى تتدلى من أغصانها.. عاكسة كل شعاع شمس سقط على ما تبللت به من قطرات مطر أو ندى.. يتمتع برؤية السماء من خلال تشابكات الأشجار وميلها الراقص.. يعيش في متعته ولا تنقطع لحظاته التأملية إلا مع سماع صوت أمه العجوز التي تدعوه ليشاركهما الطعام اللذيذ الذي تعدّه بنفسها.. والمتكون غالبا من خيرات البحر وأعشاب الجبل وثمار الطين وبهارات متنوعة ذات نكهات ليبية.

هذا الطعام الطازج هو ما أبعد عن العجوزين شبح المرض وجعلهما في صحة جيدة على الدوام على الرغم من تقدمهما في السن عـتيا.

لا ندري كيف تكونت هذه البلدة الجبلية.. وكيف سكنها الناس ؟.. ومن غرس الشجرة الضخمة التي تتوسط البلدة وتغطي بظلالها معظم الشوارع القريبة منها والمسجل على جذعها قائمة بكل نفوس البلدة.. شجرة ضخمة باسقة.. أوراقها ذات نقوش ورسومات لا نستطيع أن نحيلها إلا للأسطورة.. وذات خاصية طبية لعلاج عدة أمراض ولوقف النزيف وتطهير الجروح والمياه ولإنعاش المغمى عليهم ولشحن الغرقى بالهواء الذي يعيد آلية التنفس إلى رئاتهم.. الكل يقول أنه لم يغرسها أحد بعينه.. لا أسرة.. لا عائلة.. لا قبيلة بعينها.. لقد وجدت هكذا.. كما وجد هذا العالم.. كل عجوز في البلدة يقول عندما وعيت وجدت هذه الشجرة وفي شبابي سألت جدّي فقال لي عندما وعيت أيضا وجدتها وفي شبابي سألت جدي وقال كذلك عندما وعيت وجدتها وهكذا حتى أول جد مجهول في هذه البلدة.

الناس الذين يسكنون البلدة الآن معظمهم ناجون من الغرق ومنهم منفيين معاقبين من قبل ملك تلك المملكة البعيدة التي لا تسن تشريعاتها حكم الإعدام وتستبدلها بإرسال المحكوم إلى المجهول إي إلى هذه البلدة وتركه بها يتدبر أمره.

هذه البلدة في أغلب أوقاتها ممطرة.. مناخها معتدل.. اللغة التي يتكلمها الناس خليط من كل لغات العالم.. كل لغة من لغات العالم تجد نفسها متمثلة في لغة هذه البلدة.. كلمات لغة البلدة سهلة النطق.. ذات جرس موسيقى مقبول من كل البشر.. وذات إيقاع هادئ وصاخب حسب معنى الكلمة.. جملها قصيرة.. الكلمة الواحدة تؤدي أكثر من غرض.. حسب حالة الناطق بها.. تستطيع القول أن اللغة لغة وجدان.. فالكلمة لحظة الفرح لا تتغير من حيث الهيأة أثناء التعبير بها عن لحظة الحزن.. الحروف نفسها.. الشكل نفسه.. الحزن والفرح وبقية المشاعر لا يتم التعامل معها بواسطة العين فقط إنما بكل الحواس الأخرى.. قراءة الكلمة باللسان أو سماعها بالأذن أو رؤيتها بالعين ليس كل شيء في التعامل مع كلمات لغة هذه البلدة.. هناك حواس أخرى يمكنها أن تتعامل مع لغة البلدة.. فمثلا يمكنك شم الفرح وشم الحزن.. يمكنك لمس السعادة ومسكها ورميها على إنسان.. إن رميتها وأنت غاضب يمكنك شج رأسه بها…. وإن رميتها وأنت سعيد يمكنك جعل رأسه ينتشي ويصفو ويبتهج بشدة.. بلدة عجيبة.. تنيرها النجوم.. القمر لا يكتمل كل ليلة 14 فقط.. إنما دائما مكتمل.. قنديل إلهي ينير هذه البلدة.. طوال الشهر يغطي نوره الحقول والموانئ والشوارع.. ويتسلل إلى البيوت والغرف.. متى ما أردت نورا في الظلام فكر فيه فقط فستـنساب أشعة القمر من خشب البيت أو جدرانه أو سقفه وتنير لك لتجد حاجتك.. عندما تمسك كتابا للقراءة في الظلام الحروف تضيء بنفسها.. مادمت تقرأ والسطر يضيء خلف السطر وإن توقفت عن القراءة تظلم الكلمات ثم الكتاب برمته.. أثناء الكتابة الورق يضيء سن القلم ويستلذ بوخز القلم وتمسحه ونقره وكشطه.. يمكنك الكتابة وسط هذا الضوء السر إلى أن تكل يدك.. ويعجز فكرك عن التعبير.. وعندما تتعب تماما ويكتنفك الإرهاق.. يمكنك ترك القلم لينطفئ تلقائيا مع الورق حفاظا على الطاقة الضوئية.

البلدة ليس بها دين معين.. دينها كلغتها.. خليط من كل شيء كما الكرنفال.. خليط من المعتقدات.. التي تؤديها الناس في الخلاء.. ليس في البلدة أي مبنى تابع للأديان المعروفة.. الناس في البلدة تعيش بسلام.. لا يوجد بالبلدة شرطة أو جيش أو جمارك أو حجر صحي.

لا يوجد للبلدة ملك أو رئيس أو زعيم.. كل واحد ملك على نفسه.. القانون الذي جعل البلدة تسير قدما وفي سلام وتؤسس مؤسساتها التجارية والخدمية هو الحب.. الزواج لا يوجد بمفهومه المعروف.. كل متحابين تجدهما دائما مع بعضهما البعض.. وإن جف الحب بينهما تفرقا في مودة.. الأطفال المنجبون لا يتنكران لهما.. الطفل يعيش مع أمه أو أبيه ليست هناك مشكلة.. بلدة لا يوجد بها لقطاء.. إلا ما جاد به البحر.

كل ليلة يحتفلون.. يرقصون.. يغنون.. يشربون.. يمضغون.. يدخنون.. يأكلون السمك المشوي مع الأعشاب الجبلية والكمأ والخبز الذي يعدونه في التنور.. القمر يرقص معهم أيضا لكن على صفحات مياه اليم أو البرك التي تخلفها الأمطار قبل أن تعلو عاليا فتسيل إلى البحر أو تجففها شمس اليوم التالي.

لا شيء غائب عنهم.. الملح لديهم سباخ صغيرة تنتج حاجتهم ويفيض.. السكر لديهم قصب السكر والفواكه الحلوة.. النار لديهم بركان صغير في طرف البلدة يستخدمونه أيضا لحرق القمامة.. الخشب للبناء والفحم تنتجه لهم غابة كثيفة جدا.. الحديد والنحاس والذهب وغيرها من المعادن لديهم عروق سخية في الجبل لا تحتاج إلى حفر أو عمال مناجم.. أجرف وشكّل.. التعلم يتعلمون من الطبيعة.. يتعلمون بطريقة الحاجة أم الاختراع.

كانت الأمور تسير جيدة.. وفجأة أحاطت بالبلدة سفن حديدية ضخمة.. صارت تقصف البلدة بنار أشد حرارة من نار بركانهم.. وفي الصباح نزل من تلك السفن الضخمة جنود مدججين بالأسلحة.. احتلوا البلدة في ساعات معدودة.. كبلوا رجالها المسالمين ونسائها الطيبات بالحديد وزجوا بكل الأطفال في حظيرة واسعة.. عذبوا الرجال واغتصبوا الجميلين منهم.. عذبوا النساء واغتصبوهن جميعا.. أعلنوا على الملأ بلغتهم أنهم جاءوا إلى هذه البلدة الكافرة لنشر الدين ونشر التعليم والصحة والحضارة المُحْكَمَة غير القابلة للاصطدام وغيرها من قيم السيطرة والاستحواذ.. كان الشاب الناجي في رحلة صيد بحرية صحبة عدة مراكب.. عندما بدأت مراكبهم تقترب من الشاطئ استغربوا لوجود هذه السفن الضخمة أمام شاطئهم.. وواصلوا سيرهم مبحرين من بين هذه السفن حتى اقتربوا من الشاطئ لتفاجئهم زوارق سريعة قبضت على كل البحارة ومن ضمنهم الناجي.. ثم اقتيدت المراكب إلى الميناء البدائي للشاطئ.. افرغوا حمولتها من السمك ثم أحرقت جميعها بلا رحمة.

أثناء التصوير الفوتغرافي الأمني الروتيني المواجه والجانبي للرجال المقبوض عليهم من بحارة وصيادين ومزارعين لاحظ المصور عبر جهاز الكمبيوتر أن صورة الشاب ناجي.. ترفض أن تكون ثابتة على شكل واحد.. تبدو حزينة جدا.. بعدها غاضبة.. بعدها محمرة الوجه منتفخة الأوداج.. وفي كل لحظة تتغير إلى صورة أخرى خالية من أمارات السعادة أو أمان الجانب.. فتظهر كل أربع صور له كأنها لأربع أشخاص مختلفين.. ومن هنا نقل الأمر لضابط المخابرات الذي بقدر ما استغرب من حالة هذا الشاب بقدر ما فرح وكأنه قد عثر على كنز وحالا وضع الشاب مكبلا ورأسه داخل كيس في طراد سريع وأرسل فورا إلى غرفة العمليات بعاصمة المملكة لمزيد من التحقيقات والاختبارات.

الغرض من مهاجمة هذه البلدة كان بسبب التقارير الواردة من عدة بصاصين أبحروا حول تخومها.. تقول أن البلدة ما عادت تصلح مكانا للنفي.. وأنها قد ازدهرت ونشطت وأناسها المنفيين المعاقبين على ما يبدو يعيشون في سعادة.. في جنة.. ففي كل ليلة توقد نارا ضخمة.. تشاهد الناس يرقصون حولها ويمرحون ويعيشون الهناء والمتعة وراحة البال.. وفي النهار تشاهد في وسط البلدة شجرة ضخمة منقوشة الجذع نموها غريب.. تظلل بأوراقها عدة شوارع قريبة منها.. والناس يأتون إلى هذه الشجرة ويمضغون من أوراقها أو يقطعون بعض أغصانها الصغيرة.. يحفظونها في أكياس من الخيش.. التقارير تقول أن مراكبهم البدائية لا تغرق حتى وإن ارتفعت الأمواج لعشرات الأمتار.. وإن الحيوانات المفترسة التي وضعت فيها من قبل لتفترس المنفيين والمغضوب عليهم من قبل المملكة ماتت ولم يبق منها إلا أسد عجوز تجده يستظل الشجرة ويمضغ من أوراقها وغالبا ما يقتات على السمك الذي يقدم له طازجا في قفة من سعف النخيل.

من هذا المنطلق اتخذت القرارات على غزو هذه البلدة التي تحولت من بلدة قاحلة مميتة إلى جنة خضراء يتمنى كل مخلوق أن يعيش فيها.. والأوامر تقول يجب شحن كل من فيها من بشر وممتلكات صالحة للبيع أو الاستخدام إلى المملكة ثم قصفها حتى تتحول إلى رماد قاحل.. الآن كل بشر هذه البلدة تم شحنهم في الطوابق السفلية من السفن الغازية ومن خلال نوافذ القمرات المزججة كانوا يشاهدون بلدتهم تحترق وكانت النار العظيمة المنطلقة من الشجرة الضخمة تتمايل إلى اليمين والشمال وكأنها تقول وداعا وداعا.. وهم يبتعدون كانوا يرون أن النار العظيمة المنبعثة من الشجرة الضخمة قد بدأت تنخفض وتنطفئ والمدهش أن الشجرة الضخمة لم تحترق تماما فمازال الجزء الأعظم منها باقيا.. مازال جذعها الغليظ المنقوش بأسماء النفوس صامدا والفروع المتفرعة منه مازالت أغصانها لم تسقط أرضا.. اكتفت بالميل قليلا تقديرا واحتراما لقوة وجبروت نار الطبيعة.. الذي احترق هو الأوراق الخضراء فقط والتي ما إن تمضي دقائق على احتراقها حتى تـنـتـر من جديد وتواصل النمو والارتسام في الملأ.. السفن تبتعد بهم عن بلدتهم وهم ينظرون من زجاج نوافذ القمرات.. وأشعة برق كثيفة وسريعة تبرق في السماء ورعد مدوٍ يصل صوته حتى عنابرهم السفلية وهطول مطر غزير كان من الطبيعي أن يكون قد غسل البلدة من رماد الاحتراق.. الشجرة مازالت باقية.. والبركان الذي في طرف البلدة بدأ دخانه يصاعد.. لقد خمد قليلا في السنوات القليلة الماضية.. وها هي حممه يطلقها الآن في كبد السماء لتسقط في البحر.. تخاله وهو يطلق حممه وكأنه منجنيق أو مدفع يرد كيد المعتدين الذين اختفوا الآن في دواخل البحر وما عادت العين المجردة أو المتسلحة بالناظور رؤيتهم.

لم تحدث مشكلة ولم يفكر أحد في حرب تحرير أو رد كيد المعتدين.. حتى الشاب الناجي شعر أن هذا الأمر عاديا.. أي أنه وجه من وجوه الحياة.. باعتبار أن الحياة تتغير كوجهه كل لحظة بصورة لا إرادية.. وابتلع الأمر.. وأذعن لمشيئة الملك التي رغبت في تفريغ بلدتهم من العمار البشري والبيئي وحرقها لتكون قاحلة ولائقة كسجن ومنفى للمتمردين والمذنبين والخارجين عن طاعة الملك.

ليس هناك مشكلة ولم تحدث مشكلة إطلاقا.. فالمملكة امتصت أهل البلدة.. احتوتهم.. ذوبتهم في نسيجها.. تم فرزهم وتوجيههم للمهن التي يجيدونها وهي الرعي والزراعة والصيد.. أثناء القبض عليهم عوملوا بوحشية.. وعندما وصلوا ميناء المملكة كان وكيل الملك في استقبالهم وتم الاعتذار لهم نيابة عن الملك وتعويضهم عن الاهانة والظلم والاجتثات من جذور صنعوها وتعودوها.. بمنحهم العفو العام عن قضاياهم سبب نفيهم ومنحهم الحرية الكاملة.. لم يجدوا الشجرة ليسجلوا عليها تاريخهم.. وأسماء مواليدهم ووفياتهم.. وكل محاولاتهم في زرع شجرة جديدة باءت بالفشل.. أخرج بعضهم مجموعة من الأغصان التي كانوا يحتفظون بها في أكياس الكتان والتي صادف أن بعضها كانت مع أصحابها وقت القبض عليهم.. وغرسوها في التراب والرمل والطين والطفلة والسبخة وبين شقوق الصخر وسمدوها جيدا وروها جيدا وعرضوها لضوء الشمس وسيجوا حولها بالزرب كي لا تعبث بها الأبقار أو الماعز اللعين ولكن ما إن يرتقي غصن قليلا لعدة أيام حتى تجده في الأيام التالية وقد بدأ يجف وكل صباح يجدون هذه الأغصان مثقلة بقطرات الماء التي ظنوا أنها الندي والطل لكن عندما تذوقوها صدفة وجدوها مالحة مما يعني بكل يقين أن القطرات ما هي إلا دموع الأغصان على أمها الشجرة الكبيرة الباقية في البلدة المغضوب عليها من الملك.. ولكي يتم تسجيلهم وتوثيق معاملاتهم في البلدية والسجل العقاري بصورة رسمية فقد تم إيفاد مصور الملك على رأس وفد من نقابة المصورين الذي صور الشجرة ساعة القيلولة حيث الضوء مناسب ومبهر وأخذ عدة صور مقطعية لجذعها المنقوش بالأسماء والتواريخ حتى أنه لم يترك أي مليمتر مربع لم يصوره حفاظا على تاريخ الحياة واحتراما لآدمية البشر الذين تم نفيهم عكسيا.

تم ترجمة لغة البلدة للغة المملكة الرسمية ومن هنا تم نقل الأسماء والتواريخ وكل التدوينات المنقوشة على الشجرة والظاهرة جميعها بفضل مهارة مصور الملك في الصور الملتقطة إلى سجلات وحواسيب هيأة البلدية وبقية الهيئات ذات العلاقة بالموضوع.

الشاب الناجي احتاروا في أمره.. لم يفلح الطب ولا الفيزياء ولا الكيمياء ولا كل العلوم الأخرى في معرفة سر تغيره الدائم.. وهل هذا التغير يسبب العدوى أم تغير حميد خاص بالشخص نفسه وثابت فيه.. لقد سمعوا قديما أن هناك في الكرنفال الأخير أقنعة توضع على الوجوه ووجوه تتغير كل لحظة لا إراديا دون الحاجة لوضع قناع وتغييره.. لكن على حد علمهم أن تلك البلدة التي أقيم فيها الكرنفال ذي الوجوه والأقنعة المتغيرة قد داهمها طوفان وأغرق ما فيها وحتى عندما غاص الغواصون لتفقد الأنقاض ورفع ما هو مهم وثمين وجدوا أن هذه البلدة قد انخفضت أكثر من ذي قبل عن سطح البحر.. وتهيأ لهم وكأنه يوجد سراب مائي في الأسفل.. فكلما اقتربوا من أنقاض هذه البلدة الغارقة ازدادت هذه البلدة التي أقيم فوقها الكرنفال ابتعادا وغوصا في القاع.

أحكم حكماء المملكة فسر الظاهرة على أن هذا الشاب قد نجا من ذلك الطوفان بمعجزة وستظل هذه الرؤية ثابتة ما لم يكتشفوا أن سبب نجاته هو وجوده في عربة من خشب البطوم والنم الليبي صممت وفق قانون الطفو الذي يمكن الأشياء من الطفو على سطح الماء.. وأيد رأيه كل سكان البلدة الذين عاش بينهم الذين أجمعوا على أن الشاب الناجي ليس ابن العجوزين وإنه ابن البحر.. وعندما عرف الناجي بحكاية وجوده في هذه البلدة وأن البحر قد لفظه خارجه وجمعه العجوزان كما يجمع هو نفسه خردوات البحر وحافظا عليه ورعياه حتى شب عن الطوق لينطلق بحرية أكبر في دروب مصيره.. أمطر العالم بموجة طويلة متنوعة من الابتسامات الجميلة.. وسأل نفسه هل أبي وأمي ماتا فعلا في الطوفان الذي يحكي عنه الناس دائما ؟.. وتمنى أن يكون قد رآهم ورضع من حليب أمه وصاحب أباه في خروجه وعودته للبيت مثل الأولاد الآخرين.. أخذ يبكي.. يبكي.. ليس بسبب الحزن فالعجوزان لم يقصرا في حقه ورعياه وكأنه ابنهم من دمهم.. لكن بكائه من أجل الحنين.. ومن أجل سوء الحظ الذي جعل الحياة في ذلك اليوم تطل على العالم بأبشع ما أنتجته من وجوه وهو وجه الموت الجماعي الفجائي.

عندما أخذ يبكي صار وجهه يتغير في حالة البكاء.. بكاء متنوع.. ودموع متنوعة.. قطراتها كبيرة ثم صغيرة ثم دائرية.. ثم على هيأة مكعبات.. ثم على هيأة نافورة تنثر الدمع بعيدا لأمتار.. وأثناء دمع النافورة وصلت القطرات إلى إحدى الشجيرات المجلوب غصنها من الشجرة الضخمة في البلدة المحترقة.. ومن هنا حدثت معجزة أخرى.. فقد أينعت إحدى الغصينات المغروسة في برميل معدني كان يستخدم لنقل البترول فور ما مست دموع الناجي أسفله.. وبدأ الغصين في الارتفاع والتهادي حتى تجاوز علو البرميل وانطلق عاليا أكثر وعند أعلى مستوى له تشاهد شعاع منير لا تدري هل هو من إنتاج الشمس أم إنه من إنتاج الغصن.. أي من شمسنا الخضراء النباتية.

الجزائر: 31/10/2009

مقالات ذات علاقة

رواية الحـرز (7)

أبو إسحاق الغدامسي

الطائر اللقلاق، في وصف شعب ليبيا من الأعماق

محمد النعاس

ثلاثُ نمْلات تعبرُ كِتابا *

مفتاح العماري

اترك تعليق