قصة

الكرة

إلى أبِي (تهليل وتكبير).. الصديق/ محمد بن لامين

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية


لم يكن بيننا وبينهم سوى كرة… خضراء بحجم قبضة اليد.. مجهدة وتعبة ومنهكة.. تحتمل الصفعات المتتالية، وحين تهرب وهي تتدحرج وتختبئ سرعان ما تلتقطها اليد وتعنفها مجددا.

تشرع “المدينة الرياضية” واجهتها على شارع رئيسي إسفلتي واسع قليل الحركة في منطقة “قرجي”، واجهتها مشوهة كأغلب المباني العامة بالمدينة. تشعر بأن المبنى ولد من رحم متعسر، ولادة أشبه بالقيصرية، كأنه كان يتنفس على الورق ثم اختنق على الأرض.

يعلو مدخل المبنى يافطة بلاستيكية على شكل قوس غير محكم الزوايا، تجلس تحتها مجموعة من الرجال يرتدون الزي الليبي، يداعب أحدهم بقدمه خفه الملقى بجوار كرسيه البلاستيكي الأبيض، يمدد آخر قدميه ويسترخي بجسده على الكرسي حتى يكاد أن ينزلق منه، وذاك يمسك ويضغط بيده على قدمه الممددة كطفل على فخده.. ظاهرهم أنهم مستغرقون، حالمون بعيون مفتوحة، لكن ما إن تمر السيارة عبر القوس حتى يعتدلوا في جلساتهم وينتبهوا إلى السائقين وهم يرتشفون المارة بعيونهم باستمتاع…

ترتمي المدينة على الشاطئ حانقة من قيظ الصيف، تنز عرقا بسبب الرطوبة المنبعثة من سطح البحر الذي يوشوش لها دون توقف حتى سئمت منه.

يبدو كل شيء رتيبا وفي غاية الانسجام في آن واحد.. المبنى المهمل، السور غير المطلي، الواجهة ذات البوابة الصدئة، والقوس ذي الاعوجاج واليافطة التي فقدت أغلب حروفها، الوجوه اللامبالية، والأرجل المسترخية، والسيارات التي تقتحم المبنى ببطء ثم تبحث عن مكان تلتهب فيه تحت الشمس المحرقة..

بعد تجاوز المدخل ببضعة أمتار، تظهر فتحة على الطريق إلى اليمين تؤدي إلى باب حديدي لسور مهمل آخر يحمل آثار صفعات الهواء المحملة بالغبار وتسرب سيلان المطر على ظهره حتى انتفخ طلائه وتقشر وسقط مغشيا عليه إلى جواره.   

 ما إن نتجاوز الباب الحديدي كزرافات مغلفة في أزياء مختلفة، حتى يظهر لنا حشد من الرجال في وسط الملعب، يقودهم مدرب متمرس، يتحرك بمرونة وكأنه يقود أوركسترا من الذكور، يتبعون تعليماته ويؤدون الحركات الرياضية بشكل جماعي متناسق، فيما يحشذ المدرب الهمم ويعلي من التحدي وهم يستجيبون له ويتفاعلون معه… تشعر وكأن الأرض تهتز في بقعتهم، يقفزون ثم يطرحون أجسادهم أرضا، يرفعون أذرعهم، فيما نحن على طرف المضمار نتبادل شعورا بالحسرة، إذ لا نملك من هذه الأرض التي يفترشونها ومدربهم إلا شريطا داخل السور المهمل نتبعه برتابة، وفي كل خطوة نثير التراب الجاف من حولنا، وكأن الأرض عجوز تلهث.

ندور كالحملان الوديعة التي تسلك ذات الطريق، تنغرس أقدامنا في التراب.. مجهدات وقد تعامدت الشمس على رؤوسنا.. بينما جمع الرجال ومدربهم يكسرون التحدي بضجيج مفرح يشعرنا بنقيصة ويعليهم بدرجات…

كل هذا الدوران المجهد لا يحقق تحديا ولا هدفا… ما أن نلهث حتى نتوقف ونترك المكان.. لا نختلف في تكرار دوراننا عن ذلك السور ولا الباب الحديدي الصدئ..

كنا نشبه “عبد الله” في قصة “الكرة” وهو يدور في “الوسعاية” بين “الجبابين”، يرى أولاد “مقطع الحجر” بحي الظهرة يلعبون الكرة ويرفضون أن يلعب معهم، ذاك الشعور بالدونية.. بأن تبتسم للآخرين وهم يحرزون الأهداف وهو يشاهد ولا يشاركهم، لكنه يوم أحضرت له أمه التي يعيرانه بها ويطلقون عليها أقذع الأوصاف كرة جميلة وملونة تهافت عليه الأطفال يتزاحمون لكي يلعبوا معه.. كانت الكرة فارقة في العلاقة بينهم وبينه.. كرة في حي الظهرة في الستينيات، غيرت علاقات الشارع، وبعد أن كان عبد الله (( يبدأ في الدوران حول “الوسعاية” وأحيانا يتحسس الكرة برجل، أو يأخذها بين يديه ثم يرميها إلى أحد اللاعبين.. أحيانا يلاحقها عندما تبعد عن “الوسعاية” إلى آخر الطريق المار بين الجبانتين، ويطاردها حتّى الشارع الكبير ثم يرجع بها وهو يلهث.. ويعطيها وهو يبتسم لأحد اللاعبين)) جاء إليه الأولاد مترددون وهو يلعب بكرته الكبيرة التي أهدته إياها أمه التي لطالما عيروه بها وتوددوا إليه وهم يتزاحمون من حوله كالجراء التي تهز ذيلها فرحا “نلعبوا معاك يا عبدالله”؟…

كان لابد أن نجد كرة ما… أن نخرج إلى ما وراء السور القبيح، ألا نشعر بتلك النقيصة كلما صاح الرجال فخرا بقبول التحدي وانجازه، بينما نحن ما نزال ندور كالحملان…

للمدينة الرياضية جزء خلفي، يختبأ خلف أشجار الأوكالبتوس الشاهقة المتهدلة كعاشقة لا تمل الرقص مع الريح أو نسيمه سيان… جذعها ثابت وصلب، يميل إلى البياض يذكر نفسه أن بذوره شمالية أتي بها الإيطاليون الذين اعتقدوا أنهم باقون، فغادروا فيما بقيت ونمت وترعرعت بيننا وظللت علينا..

هناك امتدت أربعة ملاعب للتنس الأرضي. كان اكتشافا باذخا.. شباب يتدرب ورجال يلعبون وأصوات هامسة بين وشوشات شجر الأوكالبتوس.. مكان لا يمت بمحيطه بصلة.. جماعات تعرف بعضها، يحملون على ظهورهم غلالات نظيفة وبناطيل قصيرة، يشبهون “عبد الله” وهو يحمل كرته مزهوا بها..

يحول بيننا وبين الملاعب سياج معدني متشابك يبدأ وينتهي ببابٍ واحدٍ متطرف للدخول إلى الملاعب والخروج منها..

يجلس بالقرب من الباب جمعٌ من الرجال.. يسترخون على الكراسي البلاستيكية.. لكنهم على عكس رجال البوابة الرئيسية، يتصرفون وكأنهم مالكون للمكان الفسيح الهادئ دون بوابة …

 جلسنا على المدرج الحديدي.. نشاهد المباريات التي تدور على أرضية الملاعب الخضراء.. نحرك رؤوسنا كبندول الساعة نتابع الكرة التي تتقاذف بتناغم، يتبادلونها بضربة يد، تفلت وتهرب منهم أحيانا فيعودون بها ويعاقبونها على هربها…. في جلستنا البعيدة تلك، كان حالنا كعبد الله في قصة “الكرة” ((يجلس على حائط “الجبانة” يتابع الكرة بعينيه اللامعتين.. ويتحرك جسده مع تحركات اللاعبين.. ويصفق عندما يحرز أحدهم هدفا.. ويبتسم في ألم حينما يحسن أحدهم اللعب.. ولكنه كان دائما يجلس في نفس المكان دون أن تتاح له فرصة اللعب)). 

كان الدوران داخل السور أسهل بكثير.. ما أن ندخل ندور.. باب مشرع وسور…لكن هنا كيف السبيل للدخول.. وقلة من النسوة اللاتي يترددن على هذه البقعة المختبئة جئن من أجل أخذ أولادهن.. والباب الأخضر الضيق المتطرف وحراسه.. والشبك الأخضر.. والكرات والذكور..

تذكرت أن عبد الله أحضرت له أمه الكرة.. وفي حالتي هذه -وأنا أم- جئت لذاتي لألعب، وأن عليّ أن التقط الكرة بنفسي وأن أصفعها أمام الجميع وأحُسن تصويبها وخبطها لتتجاوز الشبكة إلى داخل الخطوط المرسومة لها، وأن استقبلها وأجري نحوها وأستمر في صفعها بذات القوة حين تعود اليّ مجددا.

كرة ككرة عبد الله في القصة ستكون كفيلة بدخول الملعب والتعامل معها…. كرة بقبضة اليد ستكون الفارق!

تبادلت نظرات صامتة ومتحدية مع رفيقتي، تلك النظرات التي يضعفها النطق وتشد من أزرها الحركة. اتفقنا على اقتحام قفص الملعب، وهكذا…اتجهنا نحو الباب الحديدي المشبك بخطوات مسرعة، متأهبتان لأية رد فعل.. ما إن اقتربنا منه حتى هبط صمت عميق على المكان واستقر فوق شجرة الأوكالبتوس التي يتجمع تحتها الرجال.. ولّد الصمت العميق شحنات من النظرات التي احتشدت ولامست ظهرينا المغلفين جيدا بسترة البدلة الرياضية.. اتجهنا نحو الملعب القصي وكان الغروب قد شرع في الهبوط وحفّز الطيور على التحليق حول الملاعب شادية قبل أن تنزوي على أحد أعراف الأوكالبتوس وتنتظر استعادة الشمس لحرارتها.

وهكذا، قبضت على الكرة بيديّ بقوة، كما قبض عليها الطفل “عبد الله” بيديه الاثنتين فرحا.. كانت أكبر حجماً من كرتي كما جاء وصفها في قصة “الكرة”، كانت كرته واحدة كبيرة وملونة، في حين كانت كراتي خضراء، متماسكة، بحجم قبضة اليد. وقفت في منتصف الملعب، قذفت بها إلى الأعلى وهويت عليها بالمضرب، فطارت بسرعة وعبرت الشبكة بنجاح وهوت في المربع الآخر ليصفعها مضرب رفيقتي ويعيدها إليّ.. عدوت وقفزت وتلقفت الكرة وضربتها واستقبلتها وأعدت ضربها.. وما يزال الصمت يلف المكان عدا زقزقة العصافير اللامبالية للجالسين تحت الشجرة على الكراسي البلاستيكية البيضاء يراقبون…

حين جاءنا الأفريقي الحارس على الملاعب ساعيا بعد يومين يطلب عشرة دنانير قيمة إيجار الملعب، سألناه برفق إن كان هذا الرسم يسري على الجميع خاصة الجالسين على الكراسي البيضاء، وإن كان الأمر كذلك فإننا سندفع رسم سنة كاملة مقابل إيصال مختوم بذلك يسلمه إلينا، صمت الأفريقي وأطرق برأسه وكأنه يفكر مرتين ثم غادر دون رد ناحية الجالسين تحت الأوكالبتوس.

في ذلك اليوم احسست بشعور الإقصاء والاستصغار الذي شعر به عبد الله في قصة الكرة

((وتصل إلى أذن عبد الله كلمات عميقة حتى تصل إلى قلبه فتجرحه، فلابد أنهم يكرهونه.. ليس هم فقط، بل وأمهاتهم أيضا، النسوة اللاتي يأمرن صغارهن بعدم اللعب معه، وكأنه أجرب.. أو أي شيء آخر، وتصله الأصوات مرة أخرى.

– أنا قلت ما يلعبش معانا… كان يلعب أنا نبطل))

استمر ترددنا على الملعب بشكل يومي.. نجلس على “التريبونا” الصلبة في هدوء وننتظر حتى ينتهي الجميع صغارا وكبارا من الذكور، أو بالأحرى حتى يتعبوا أو يملوا اللعب.. فيهجرون الملاعب منهكين وتهدأ الجلبة إلا من همسات تصلنا عن بعد مختلطة بضحكات مكتومة، حينها نتسلل نحو الملاعب وقد بدأت الشمس تغادرها بعيدا والسماء تسقط غبش مساءاتها.. راضيتان بفسحة الوقت المتبقية لنا..

– ممكن تفتح الإنارة من فضلك.. ما عاش نشوفوا في الكورة.

قاومنا الأفريقي.. راوغنا.. كان مأمورا بنظرات تتبعه. لكنه ذات يوم حين استحكم الظلام، أشعل كل المصابيح الكشافة، أنار الملعب فأصبح نهارا.. لعبنا كثيرا في ذلك اليوم وما بعده.

 وحين عدنا بعد انقطاع عن الملاعب.. هلل بعض الجالسين على الكراسي البيضاء بنا واستفسروا عن سبب غيابنا، وطلبوا من صبية يتسكعون في الملعب المنزوي أن يتركوه لنا.

“خلولهم الملعب… إنت وياه..”

هي الكرة.. بدورانها وسقوطها وارتفاعها واهتزازها وسكونها.. وصفعاتها وتنططها ونشوبها بالشبكة واختبائها وتفقدها وظهورها والتقاطها والاحتفاظ بها.. هي الكرة التي جعلتنا نقتسم الملاعب جميعها.. هي ذات الكرة التي رطبت قلوب اللاعبين في وسعاية بين “الجبابين” في حي الظهرة في الستينيات في قصة عبد الله، هي ذاتها الكرة التي تدحرجت فيما بيننا وتحت أنظار الجالسين على الكراسي البلاستيكية البيضاء تحت الشجرة يضرسون كلماتهم القاسية حتى ابتلعوها بفعل الكرة التي ضربناها بلا هوادة حتى استجابت فاستجابوا.

(( في ذلك اليوم من أيام الربيع في الوسعاية، وقف الصغار جميعا يشاهدون عبد الله يلعب وحيدا بكرته الكبيرة. ولم يكن عبد الله يجد لذة في اللعب وحيدا.. ولم يجد الأطفال لذة في اللعب بالكرة الصغيرة.. فاقتربوا منه يقلبون الكرة الملونة.. ويشاهدونه وهو يلعب حتى تجرأ أحدهم ….

– نلعبوا معاك يا عبد الله))


24. 12. 2020

مقالات ذات علاقة

“الست” في مبنى “البركة”

عزة المقهور

الحصان

محمد النعاس

عمي جميل

زياد علي

اترك تعليق