ترجمات

الكتاب “تهمة”.. وضع الكتب والنشر في “ليبيا”

218

مخاطر بيع الكتاب “الخطأ” في ليبيا كثيرة ومتنوعة، ومع ذلك هناك مكتبة لا تزال مفتوحة وتمارس أعمالها، شارلوت بيلي، تحدثت إلى بائع كتب في طرابلس فقال: أحد أشقائي لا يزال نشطا مع المكتبة، لكن الاثنين الآخرين ينتابهما نوع من الخوف، ولم يعودا يشاركان في النشاط، وكما يقول “غسان الفرجاني” العضو المنتدب لشركة “دارف” للنشر في لندن، لم يعودوا يذهبون الآن، ويدير الإخوة “دار الفرجاني” وهي شركة لبيع الكتب والنشر في العاصمة الليبية طرابلس، ظلت مفتوحة بالرغم من الحرب الأهلية الوحشية التي بدأت عام “2011”، وأسفرت عن مقتل الآلاف وتقسيم البلاد إلى ثلاث حكومات وعدد كبير من المجموعات المسلحة.

دار الفرجاني

دار الفرجاني شركة عائلية، يقول “غسان” إنها تمثل إرثه العائلي، إذ بدأها والده “محمد الفرجاني” بثلاث مكتبات في طرابلس عام “1952”، وبعد بضع سنوات افتتح دار نشر في فترة ما بعد الاستقلال في ليبيا، إذ تمتع بالحرية النسبية لنشر الكتب وبيعها، وقال “غسان” إنه كانت هناك بعض الرقابة، لكنها ليست كبيرة، أما في العام “1969” عندما استولى “معمر القذافي” على السلطة، وبعد أربع سنوات أطلق ما أسماه ثورة ثقافية، بهدف التخلص من كل آثار الأيديولوجيات المستوردة وجميع علامات التأثيرالأجنبي، إذ جرى حرق الكتب التي اعتبرتها السلطات تمثل إشكالية، وبعد بضع سنوات نشر القذافي كتابه الأخضر الذي حدد ما يراه مبادئه الحاكمة، ويحظرُ الفصل المتعلق بوسائط الإعلام “الملكية الخاصة” لشركات النشر، وقال الفرجاني إنه في أواخر السبعينات صادروا جميع محلاته وجميع مخزونه من الكتب وجميع موظفيه وكل شيء، ثم أجبرت الاعتقالات والاغتيالات “محمد الفرجاني” على المغادرة إلى لندن، وقال “غسان” إن والده كان يخشى على حياته، ولم يعرف متى سيكون قادرا على العودة إن كانت هناك عودة، فأسس “دارف للنشر” في المملكة المتحدة، لكنه بعد أن نفّذ “القذافي” نوعا من الانفتاح على العالم في التسعينات، قرر “محمد الفرجاني” العودة، وأعاد شراء مخزون الكتب التي استولت عليها الحكومة وبدأ بيع الكتب بحذر مرة أخرى، وكان عليه أن يكون حذرا جدا.

كان الطلب الرئيسي للمتظاهرين الذين أطاحوا بالقذافي في ثورة “2011” حرية التعبير، ومباشرة بعد ذلك كانت هناك مساحة أكبر للأصوات المختلفة، وأصبحت صحافة المواطن أكثر انتشارا وازداد انتشار المنشورات التلفزيونية والإذاعية والمطبوعات، الجميع كان متحمسا، وبدأت “الفرجاني” ببيع كتب تنتقد القذافي، ونشر كتب عن الديمقراطية، فكانت أنواع مختلفة من الكتب متاحة، من كتب “نيتشة” إلى الروايات الأكثر مبيعا في العالم، وتجدُّد الاهتمام بليبيا بشكل عام أدى إلى ارتفاع الطلب في المخازن، توافد الناس على ثلاثة محلات تديرها مكتبة “الفرجاني”، لكن الإثارة الأولية لم تدم طويلا، فهذه المنطقة التي تتواجد بها المكتبات، أصبحت موقعا للاشتباكات العنيفة، هذا العنف وحده أرغم الناس على عدم زيارة المكتبات.

واليوم، لا يزال الوضع القانوني في ليبيا ضعيفا بالنسبة للبائعين والناشرين، ففي حين أن الإعلان الدستوري الذي صدر في أغسطس 2011 يوفر حماية محدودة لحرية الرأي والاتصالات ووسائل الإعلام، فإنه لا يعكس تماما المعايير الدولية لحرية التعبير ولا يلغي الرقابة، وبموجب القانون 5، الذي صدر في عام 2014، يُعاقب على أية بيانات قد تضر بثورة “2011”، أو إهانة السلطة التنفيذية أو القضائية أو التشريعية، بالسجن لمدة تصل إلى “15” عاما، وقد أدى تدهور الحالة السياسية والأمنية إلى خلق بيئة إعلامية فوضوية وخطيرة، فالصحفيون الأجانب بالكاد يزورون البلاد.

تدير حكومة “الوفاق الوطني” المدعومة دوليا مجلس رقابة على الإعلام والنشر، قال عنه “الفرجاني” إن له نهجا عشوائيا يجعل من الصعب التنبؤ بما سيتم السماح به، وبعد نجاحه مع نشر كتاب “العلكة”  للكاتب الليبي “منصور بوشناف”، حاول نشره باللغة العربية مع دار الفرجاني في طرابلس، وقال قدمناها الى مجلس الرقابة لكنهم رفضوها، ولم يعط المجلس أي سبب لقراره.

وقالت “ندى االفيتوري”، مؤسسة مجموعة الكتاب الشباب في بنغازي: إنه أمر محبط عندما لا أستطيع العثور على كتاب شعبي كتبه ليبي داخل بلدي، ليس لدى ليبيا العديد من الكتب أو المكتبات أو دور النشر، وقالت: كانت هناك عدة مبادرات لإدخال مجموعة متنوعة من الكتب، حتى الكتب التي يمكن اعتبارها محرمة، ولكن مرة أخرى حدث تقييد، لأن مجموعات حكومية مختلفة تسيطر على الكتب التي تدخل البلاد، ففي “يناير” الماضي على سبيل المثال، اتهِمت جماعات موالية للمشير خليفة حفتر بحرق “6000” كتاب في شرق البلاد، وشملت هذه الكتب أعمال الفلسفة من قبل “فريدريش نيتشه”، وقال أحد الضباط في شريط فيديو على الإنترنت عن ضبط الحجز إن الكتب تروج للعنف والسحر والإثارة والإخوان المسلمين.

وفي الوقت نفسه هناك تهديد مستمر للكتاب والمتعاملين معه من جانب الميليشيات، وتشير الأرقام إلى وجود ما يصل إلى “2000” مجموعة من الميليشيات، تحمل أفكارا مختلفة حول ما ينبغي نشره أو عدم نشره، في بعض الأحيان يقول لهم شخص ما هذا كتاب سيء لسبب واحد، وفي حين آخر فإن ميليشيات مختلفة تستولي على كتابك لسبب مختلف، وأعطِي مثلا لمسلحٍ جاء إلى واحدة من المكتبات وطالبهم بإعادة ترتيب نافذة المعرض لإعطاء الأولوية للكتب الدينية، كما ألقِي القبض على ثلاثة أشخاص يعملون في مكتبات “دار الفرجاني” في طرابلس في مناسبات مختلفة، ولم يطلق سراحهم إلا بعد مجموعة معقدة من المفاوضات، وأضاف “غسان” هذا هو الضغط الذي نعيشه في ليبيا، وليس بالضرورة أن يكون مصدره حكومة أو ديكتاتور، يمكن أن يأتي من أي شخص، تبدأ بالخوف على حياتك ثم تبدأ بالقول حسنا أنا لا أريد أن أفعل هذا، لماذا أقحم نفسي في هذا المجال؟ وتتفاقم هذه المشاكل بسبب البيئة الاقتصادية الصعبة للغاية في ليبيا، حيث قال البنك الدولي في عام 2016 إن الاقتصاد كان على وشك الانهيار، وتدهورت العملة، مما يجعل الكتب مكلفة، وهناك انقطاع مستمر في التيار الكهربائي وإمدادات المياه، والإنترنت ضعيف وقليل جدا، ورغم ذلك ظلّت الدار تفتح أبوابها ستة أيام في الأسبوع طوال فترة الحرب، ولايزال صاحبها يسافر إلى طرابلس في كثير من الأحيان للعمل، وقال فقط ولا تسألينا لماذا نفعل ذلك، وعند الإصرار على السؤال قال إنه بصفته ناشر وصاحب مكتبة يريد الترويج لبعض الكتب ويريد أن يتعرض الناس لأفكار مختلفة، لكن هذا صعب.

مقال حول وضع الكتب والنشر بقلم CHARLOTTE BAILEY

عن موقع ” X-INDEX “

مقالات ذات علاقة

قصتان لماريوس خاكاس

زكري العزابي

من الشعر الياباني القديم

عاشور الطويبي

بعد الثورة

مأمون الزائدي

اترك تعليق