سرد

الكامبو والجامع والخميسية

الكتاب في أحد المناطق الليبية سنة 1912.
الصورة: عن الشبكة.

 

في الخامسة من عمري انتقلت إلى مجتمع آخر مختلف تماماً.. الكامبو، وجدت نفسي أحشر بين أمتعة مختلفة صناديق وشوالات في صندوق سيارة بلمينو أو أني لم أعد أذكر نوعها الآن فلم أعد أراها، يشاركنا في السيارة عدد من الركاب تنقلهم ظروف البحث عن الحياة بالقرب من المدينة..

والدي وعده أبن عمه بتمكينه من الحصول على عمل متى سكن بالقرب من المدينة، فقرر الرحيل، وسكنا كامبو بورت بينيتو، براكة سوداء مبنية من صفيح البراميل أمامها براكة أصغر مبنية من الواح وصفيح مفتوحة على فناء ضيق، تلتصق في نهايته براكة أخرى لجارنا الككلي وفي زاويتهما جار آخر يدعى علي الميت.

خلف براكتنا طابية مغروسة بالهندي ” التين الشوكي ” الطابية عبارة عن سياج لمزرعة مستوطن إيطالي هذه المزرعة يعمل بها عدد من سكان الكامبو الفقراء بمجهودهم العضلي مقابل يوميه تمنح لهم في نهاية اليوم أو أحياناً نهاية الاسبوع، وتنتصب وسط المزرعة طاحونة هواء على بئر يستخرج منه الماء ربما مازالت آثارها باقية وسط العمارات السكنية..

كانت تنقصها أبسط مقومات الحياة “دورات المياه” فكان سكان الكامبو يتخذون من البوسكو ” غابة النصر حالياً ” التي تحاذيهم من ناحية الجنوب مكان لقضاء حاجتهم البشرية.

كان لزاماً على الجميع أن يقوم مبكراً كي يدخل الغابة ليقضي حاجته وكان المنظر أبلغ من أي كلام يقال فترى جموع كثيرة فرادى وجماعات تدخل تلك الغابة وتخرج حاملة أباريق وأواني حديدية “سطول” تحمل فيها المياه للتطهر مما يعلق بها من أثار..

وأنا أبن الخامسة أذكر من كل ذلك بعض من الجيران في أول أيامنا بالكامبو المتغير، من ميزة الكامبو إن السكان متغيرين فهو يأوي المحتاجين والفقراء لفترات محدودة ثم يرحلون عندما يجدون مكان آخر أكثر ملائمة لذا فمن تتعرف عليه وتلعب معه فترة يختفي ويأتي ساكن جديد ما أن ترتاح للعب معه يرحل فالجيران غير مستقرين.

لم يتحصل والدي على عمل مثلما وعده أبن عمه بالرغم من تردده عليه عديد المرات وكان يوعده وفي كل مرة يخلف وعده وفي انتظار العمل الموعود كان والدي يعمل بمجهوده العضلي تارة في مزرعة وتارة كعامل بناء، وعندما مضى وقت ولم يتمكن أبن العم من الايفاء بوعده، أختار والدي مهنة عامل بناء.

فهم والدي المهنة وأتقنها فتحول بعد مضي أشهر إلى أسطى بناء مع مقاول إيطالي، وبالرغم من قسوة تلك المهنة والمجهود العضلي التي يبذل فيها الا انها لم تختلف على مهنة صناعة الفحم إلا في لون الغبرة فقد تحولت إلى اللون الابيض بدلاً عن السواد، ولكنه كان يتقاضى مرتب مجزئ وأفضل مما كنا عليه.

في الكامبو أدخلني والدي للجامع لأدرس في الكُتاب، لازلت أذكر جيداً يوم قادني والدي بعد أن أمسك يدي، واصحبني إلى الجامع القريب من البراكة التي كنا نسكنها، كان الجامع عبارة عن براكة كبيرة هو أيضاً، وعندما وصلنا سمعت الأولاد يرددون وراء الفقيه آيات القرآن وكلا منهم يحمل لوحاً كتبت عليه الآيات القرآنية التي يرددها.

وصلت ووالدي إلى فناء الجامع واستأذن الفقيه في دخولي لحضور الدرس و أومي الفقيه بالموافقة دون أن يكلف نفسه عناء التحدث مع والدي أو أنهما كانا متفقين على ذلك، المهم أني دخلت في الدرس وكلف أحد الطلاب الذين سبقوني في تعليمي.

أنقضى اليوم الأول قبل صلاة المغرب بقليل وقال الفقيه – أسمع يا ولد صالح غدوة تجيب معاك لوحة تكتب عليها ومتنساش تجيب معاك قصباية تكتب بها. يمكن أني قد فهمت اللوحة ولكني قطعاً لم أفهم القصباية، وسألت من كان يعلمني واللوحة وين يعطوا فيها. ولكنه لم يرد وقال أسال أمك والا بوك.

عدت إلى براكتنا ذهبت من فوري إلى والدتي وأخبرتها بان الفقيه طلب مني لوحة وقصباية لتعلم القرآن وأخبرت هي بدورها والدي وفي اليوم التالي وقبل أن أتوجه إلى الجامع قال والدي قول للفقي – حاضر يا سيدي الفقي -.

وصلت الى الجامع متأخراً عندها قابلني الفقيه – وين ياسي البي كنت راقد والا شنو – حاولت أن أجلس دون رد فقال – نوض فوق يا ولد صالح أقرب هنا – واقتربت منه فرفع العصا وضربني على يدي أربع ضربات، لم أبكي ولكني جلست في زاوية الجامع واضعاً يدي كل واحدة تحت ابط اليد الأخرى محاولاً تخفيف الألم.

لم يخف الألم فكلما حاولت تخفيفه أقترب مني أحد الأولاد وقال بصوت خافت – ضربك الفقيه فاشعر وأن الألم يزداد حدة عندها سقطت دموعي وبكيت – وكلما سقطت دموعي أقترب مني آخر وهو يقول – روح يا بكاي -.

وفي اليوم التالي أخبرت والدتي عما حدث مع الفقيه في اليوم السابق فقالت – يا وليدي كان بتتعلم تحمل الضرب – فعرفت أنها لا ترى الفقيه كما أراه. ذهبت إلى الجامع ووصلت متأخراً كاليوم السابق ولكني وجدت الفقيه يكتب على لوحة لا أحد الطلاب، ولكنه ما أن انتهى من الكتابة حتى طلب من أثنين من الطلاب إحضار الفلقة ولم يساورني شك في أنها كانت بشأني وقال الفقيه – أقرب يا ولد صالح نخلصوك – واقتربت منه واستلقيت على ظهري ومددت رجل واحدة فقال الفقيه – لا الاثنين – فأدخلتهما في الفلقة وتناول العصا وضربني ضرباً مبرحاً ولم أعد الضربات وعندما انتهى قال – نوض يا فاشل –

وعندما كنت أبكي سمعت الفقيه يقول للأولاد – غدوه خميس راكم تنسوا – والتفت نحوي وقال – حتى أنت يا ولد صالح متنساش تقول لبوك يبعث الخميسية -، كنت أشعر بان الفقيه مستهزئ بي فكل الأولاد يناديهم بأسمائهم ألا أنا بالرغم من ان والدي قال له عن أسمي قبل ذلك ولكن كنت أعتقد أنه يكرهني لذا كان يناديني باسم والدي.

في يوم الخميس وضعت القرشين في يدي وانطلقت مسرعاً نحو الجامع ودخلت الفناء كعادتي في اليومين السابقين، ومددت القرشين للفقيه تناولها ونظر إليها منزعجاً وقال – وخيرها مصديه زي وجهك – ولكنه وضعها في الكيس الأسود الذي كان يضعه بجانبه تركته وذهبت لا أجلس فقال – تعالى يا ولد صالح مد أيدك – ومددت يدي وضربني مرتين ولكنها كانت أخف من ضربات الأمس، التحقت بالأولاد لقراءة القرآن ولكني كنت أراقب الأولاد وهم يسلمون الخميسية للفقيه وكان كلما سلمه طفل خميسيته نظر اليها وتمتم للطفل بكلمات غير مسموعة ولكني كنت أعرف أنها مثل الكلمات التي قيلت لي قبل ذلك.

بعض الأولاد يبدو أن ظروفهم المادية منعتهم من اصطحاب الخميسية كنقود وحضروا مصطحبين أربع بيضات وكان الفقيه ينظر إليهم بازدراء وهو يقول لهم – دحي شن؟ بنفقصه- ولكنه يستلمه ويضعه بالقرب منه في إنا وضع فيه بعض القش.

مقالات ذات علاقة

رسالتنا من النص الناقص

عائشة الأصفر

“قراطـيس” فصل من رواية جديدة للكاتب الليبي محمد الأصفر

المشرف العام

حكايات الغروب

سالم الكبتي

اترك تعليق