المقالة

القِــرَاءَةُ : فَــنُّ الحَيَاةِ الرَّائِــعِ

بِإِصْرَارِهِ المَعْهُودِ وَنِقَاشِهِ السَّاخِنِ دَافَعِ صَدِيقِي عَنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ حَوْلَ القِـرَاءَةِ وَأَهَمِّيَتِهَا فِي حَيَاتِنَا، حَيْثُ أَكَّدَ لِي بِكُلِّ صَرَاحَةٍ: أَنَّهُ لاَ يَجِدُ وَقْتاً كَافِياً لِكَيْ يَقْـرَأَ، وَيُنَمِّيَ مَعْلُومَاتِهِ العَامَّةِ؛ بِسَبَبِ كَثْرَةِ مَشَاغِلِهِ الحَيَاتِيَّةِ، وَارْتِبَاطَاتِهِ الاجْتِمَاعِيَّةِ. فَسَأَلْتُهُ بِسُـرْعَةٍ: وَهَلْ لَدَيْكَ رَغْبَةٌ جِدِّيَّةٌ فِي القِـرَاءَةِ؟!، أَجَابَنِي بِـ( نَعَـمْ)، ثُمَّ قَـالَ: (وَالحَسْرَةُ بَادِيَةٌ عَلَى وَجْهِهِ): أَتَدْرِي أَنَّ آخِرَ مَرَّةٍ قَرَأْتُ فِيهَا كِتَاباً مَضَى عَلَيْهَا مَا يَقْرُبُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُـرٍ وِنِصْف؟، أَبْدَيْتُ دَهْـشَتِي مِنْ قَوْلِهِ، فَكُلُّ هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْـرَأْ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ يَدَّعِي امْتِلاَكَ الرَّغْبَةِ فِي القِرَاءَةِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ لاَ يَمْلِكُهَا؟!، وَبِذَاكِـرَةٍ مُتْرَعَةٍ بِمِئَاتِ المَشَاهِدِ وَالصُّوَرِ لِشُخُوصٍ وَأَمَاكِنَ وَذِكْرَيَاتٍ مُخْتَبِئَةٍ خَلْفَ زَوَايَا الوَهْمِ حَاوَلْتُ عَبَثاً وَسْطَ هَذَا الرُّكَامِ أَنْ أَتَذَكَّرَ أَوَّلَ كِتَابٍ قَـرَأْتُهُ فِي حَيَاتِي، لَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ؛ لأَنَّنِي مُنْذُ عَرَفْتُ القِـرَاءَةَ وَمَارَسْتُهَا فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ مِنْ رِحْلَةِ عُمْرِي جَعَلْتُهَا دَيْدَنِي وَعَادَتِي التِي لاَ أَتْرُكُهَا، فَتِكْرَارُ القِـرَاءَةِ ضِمْنَ هَذَا الإِطَارِ ـ بِاعْتِبَارِهَا عَادَةً يَوْمِيَّةً ـ وَلَّدَ فِي دَاخِلِي تَسَاؤُلاَتٍ كَثِيرَةٍ عَنِ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ وَالحُبِّ وَالكُرْهِ وَالفَرْحِ وَالحُزْنِ، فَأَمْسَكْتُ القَلَمَ وَكَتَبْتُ رُغْماً عَنِّي لأطفئ هَـذِهِ النَّارَ التِي شَبَّ لَظَاهَا فِي دَاخِلِي، وَبَعْدَ مُكَابَدَةٍ طَوِيلَةٍ أَصْبَحَتِ الكِتَابَةُ هِيَ الأُخْرَى عَادَةً يَوْمِيَّةً مِثْلَ القِـرَاءَةِ تَمَاماً فِي هَذَا الجَانِبِ، فَالقِـرَاءَةُ نَقَلَتْنِي إِلَى عَـوَالِمَ أُخْـرَى، طُفْتُ مِنْ خِلاَلِهَا فِي بَسَاتِينِ الأَدَبِ، وَرَوَائِعِ الحِكَمِ، وَتَنَقَّلْتُ عَبْرَ العُصُورِ وَالأَحْدَاثِ وَالأَمَاكِنِ وَأَنَا قَابِعُ هَاهُنَا فِي غُـرْفَتِي الصَّغِيرَةِ، وَهُنَا وَقَعَتْ عَيْنَا صَدِيقِي عَلَى كِتَابٍ بَيْنَ يَدَيَّ عَنِ القِرَاءَةِ، فَبَادَرَنِي بِقَوْلِهِ: أَنَا قَارِئٌ عَادِيٌّ لاَ أَمْلِكُ الوَقْتَ وَلاَ حَتَّى الصَّبْرَ لأَقْـرَأَ كِتَاباً، وَلَسْتُ مُضْطَرّاً لِلتَّعَامُلِ مَعَ مِئَاتِ النَّظَرِيَّاتِ، وَآلاَفِ المَقَالاَتِ وَالتَّعْلِيقَاتِ الصَّحُفِيَّةِ المُمِلَّةِ، بِاخْتِصَارٍ، أَنَا أُرِيدُ عَمَلاً ـ وَلْيَكُنْ أَدَبِيّاً مَثَلاً أَوْ فَنِّيّاًـ يُثِيرُ اهْتِمَامِي، وَيَشُدُّنِي إِلَيْهِ حَتَّى النِّهَايَةِ، أُرِيدُ أَنْ أَقْـرَأَ لِمَنْ يَتَحَدَّثُ عَنِّي، وَعَنْ شُعُورِي وَهُمُومِي وَآمَالِي وَلَوَاعِجِ نَفْسِي مِنْ خِلاَلِ أَعْمَالِهِ الأَدَبِيَّةِ، أَوِ العِلْمِيَّةِ، أَوْ حَتَّى الفَنِّيَّةِ. عِنْدَهَا قُلْتُ لَهُ( وَقَدْ أَثَّرَ فِيَّ كَلاَمُهُ): أَنْتَ مُحِقٌّ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْتَ؛ لأَنَّ القِـرَاءَةَ تَدْعُونَا إِلَيْهَا أَحْيَاناً لأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِنَا، أَوْ لِشُعُورِنَا بِضَرُورَةِ البَحْثِ عَـنْ ذَوَاتِنَا الضَّائِعَةِ بَيْنَ تِلْكَ الحُرُوفِ وَالأَسْطُرِ وَالكَلِمَاتِ المُبَعْثَرَةِ فِي بُطُونِ الكُتُبِ، وَلَكِنْ لِكَيْ نَعْرِفَ القِـرَاءَةَ يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ كَيْفَ نَعِيشُ؛ لأَنَّ “القِـرَاءَةَ هِيَ فَنُّ الحَيَاةِ الرَّائِـعِ”، كَـمَا يَقُولُ المُفَكِّرُ الفِرَنْسِيُّ (فيليب سولرز). وَمَنْ يَعْــرِفُ مُتْعَةَ القِـرَاءَةَ، بِكُـلِّ مَا تَتَطَلَّبُهُ مِنْ وَعْيٍّ وَإِدْرَاكٍ وَمَشَقَّةٍ، يَمْلِكُ بِلا شَكٍّ القُـدْرَةَ عَلَى امْتِلاَكِ الحَاضِـرِ، وَوَعْيِّ الوَاقِعِ بِكُلِّ مُعْطَيَـاتِهِ وَظُرُوفِـهِ، وَالتَّطَلُّعِ بَتَفَـاؤُلٍ وَأَمَـلٍ إِلَى المُسْتَقْبَـلِ.

وَمَهْمَا قُلْنَا عَنْ مَتَاعِبِ القِـرَاءَةِ وَمَشَاقِّهَا فَإِنَّهَا تَظَلُّ عَلَى الدَّوَامِ المَنْهَلَ العَذْبَ الذِي لاَ يَنْضَبُ، مُتَدَفِّقاً بِشَتَّى صُنُوفِ المَعَارِفِ وَ العِلُومُ. لِذَلِكَ لاَبُدَّ أَنْ نَتَعَوَّدَ عَلَى القِـرَاءَةِ، وَنُمَارِسَهَا، وَأَنْ نُجَاهِدَ أَنْفُسَنَا لِنُقْبِلَ عَلَيْهَا بِنَهَمٍ وَ شَغَفٍ لِلْبَحْثِ عَنْ كُلِّ جَدِيدٍ، فَنَحْنُ أُمَّةُ (اقْـرَأْ) هَلْ يُعْقَلُ أَلاَّ نَقْرَأَ؟!، وَكَمَا يَقُولُ (باونـد) الشَّاعِرُ وَالنَّاقِدُ الأَمْرِيكِيُّ: “يَجِبُ أَنْ نَقْرَأَ لِنَزِيدَ مِنْ قُـوَّتِنَا؛ كُلُّ قَـارِئٍ لاَبُدَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلاً، دِينَامِيكِيّاً مُفْعَماً بِالْحَيَاةِ، وَالكِتَابُ إِنَّمَا هُـوَ دَائِرَةُ نُورٍ تَقْبَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ”، هَذِهِ دَعْـوَةٌ لَكَ صَدِيقِي العَزِيزُ لِتَـقْرَأَ، وَلِتُخَصِّصَ وَقْتاً وَلَوْ قَلِيلاً لِتُنَمِّيَ ذَاتَكَ، وَتَزِيدَ مِنْ ثَقَافَتِكَ العَـامَّةِ وَالخَاصَّةِ، وَلِتُوَسِّعَ مِنْ آفَـاقِ المَعْرِفَةِ لَدَيْكَ، لِكَيْ تَكُونَ قَادِراً عَلَى الإِسْهَـامِ فِي تَحْقِيقِ نَهْضَةِ مُجْتَمَعِـكَ وَأُمَّتِـكَ، وَلِتَجْعَــلَ المُسْتَقْبَلَ (بِيَدَيْكَ) مُشْـرِقاً مُضِيئاً بِإِذْنِ اللهِ تَعَـالَى. كُـلُّ هَـذَا يَا صَدِيقِي بِفِعْـلِ القِـرَاءَةِ التِي هِيَ بِالفِعْــلِ طَـرِيقُ العِـلْمِ وَالمَعْــرِفَةِ وَالإِبْـدَاعِ، فَلْنُقْبِلْ عَلَيْهَا فِي كُــلِّ وَقْـتٍ وَحِيـنٍ، وَلْنَجْعَـلْهَـا دَيْـدَنَ حَيَاتِنَـا.

مقالات ذات علاقة

لم ينتهي الفكر عند الديمقراطية الرأسمالية أو غيرها من النظريات الفكرية الإنسانية

علي بوخريص

قباعيات 2

حسن أبوقباعة

إننا حقاً سعداء

نجوى بن شتوان

اترك تعليق