المقالة

القيمة المضافة كمدخل لمفهوم الحرية

لا يستقيم فهم الإنسان للحرية، إلا إذا عاش مرحلة الإستعباد أو الإضطهاد، بغض النظر على أنواعهما، هذا المفهوم للحرية مفهومُ قاصِر، فحين يكسرُ الإنسان قيود ظلمه، يَظن بأنه حُر لفعل أي شيء، و هذا فهم مُطلق للحرية، وهو بالتأكيد خاطيء، كذلك يقال أن حرية الإنسان تنتهي عند حدود الآخرين، فلا يعتدى عليهم، و هذا مفهوم نسبي، و هو ايضاً غامض، فمن هم الآخرين؟ و ما هي حدودهم، لكي لا يُعتدى عليها؟  كلمة الحرية في حد ذاتها كلمة غامضة صعبة الفهم.

    لوهلة قد تكون الدلالة الرمزية للحرية، لقارئ يقرأ عن الحرية، أو حين يسمعها لفظاً،  كأنه يرى راية خفاقة ترفرف عالياً، فكلمة الحرية ابعادها وجدانية، و دلالاتها حركية ديناميكية، فلا غرابة أن الكون في حركة مُستمرة، و سعى الإنسان للحرية لا نهاية له، فلكل عصِر مفهومه للحرية، فهل يتساوى فهم سبارتكوس للحرية مع فهم عنترة العبسي لها؟

    الحرية كالمرأة الفائقة الجمال، لا تستطيع التمعن في النظر إليها، يُتحم الوقار ذلك!  و إن تغزلت فيها، قللة أو أكثرت، أحسنت أو أسئت، ستُبصرالأنثي فيها، و تتهم بـ … لا من مُتذوقي الجمال، و إن تشببت في جمالها و أبدعته كقيمة جمالية، تتحول لفيلسوف، فالجمال أحد المحاور التي تدرسها الفلسفة، النظرة الأولي شكلية تأخذ بمفهوم الأبعاد و القوام و الشكل العام، و أشياء أخرى، لذا فهي نظرة مادية الطابع، أما الثانية فهي نظرة وجدانية، يستشفُ الإنسان فيها قيمته الروحية، فهل للإنسان قيمتان؟ قيمة حياتية مادية و أخري وجدانية، تنعكس هاتان القيمتان بالضرورة على سُلوك الإنسان، لا يُحيد عنهما، حتى عندما يبدئ رأياً ما، و غلبة قيمة على أخري هي نسبية، و أكثرها نسبة، تشكل مُجمل ثقافته و تُحدد إتجاهه في الحياة، عُموماً يسمو الإنسان بالقيمة الوجدانية ليخرج ما بداخله من إبداع في الأدب – و العلم …. و غيرها من العلوم، فلا حدود لأبداعات الإنسان إلا قيم و أخلاق مُجتمعه، فهي المبادئ الأساسية، يُصهر إبداعاته فيها، فلا يقفز عليها أو يتعدى عليها بسؤ.

    أين منا مُجتمع يتغني بالحرية، وعلى أرض الواقع، لا وجود للمُمارسات المُؤكِدة لحرفية تلك المُنداة، فحرية الإنسان و إن أظهرتها اللوائع – و القوانين – و ضمنتها الدساتير، فإن ما يُؤكدها هو سُلوكيات ذالك الإنسان لا الدولة!  لا غرابة إذن أن مشاكل العالم المحلية الداخلية – و الإقليمية – و القارية – و الدولية قد يُعزى سببها أن الإنسان فرداً كان أو مسؤولاً، لم يدرك بعد معناً للحرية، و ما الدولة إلا إختزال للسُلوك الجماعي لأفرادها.

    الأنسان إجتماعي بطبعه، ينشىء المُجتمعات الإنسانية فالدولة، و بغض النظر عن النظام السياسي و الأديولوجي، فالدولة هي نتاج سعى الإنسان نحو الحرية، نحو إثبات الذات – و الاستقرار – و الآمان، و المجتمع الذي لا يبني أو يطور إبدعاته الأدبية – و الفنية – و العلمية – و التقنية، و غيرها من نفحات الحِراك الإنساني، هو مُجتمع غير حُر، تُدلل تلك الإبدعات على تواجد مُقومات للحياة الإنسانية، و غيابها مُؤشراً لوفاته، حتى و إن أنشأ دولة، ستكون دولة الفانون، لا دولة القانون، والمُجتمع الذي يترك الآخرين يكتبون تاريخه، هو مُجتمع لا تاريخ له، و مرارة العيش التي عاناها الليبيون على مدار أثني و أربعون سنة لحكم القذافي، خير مثال على ذلك.

    إن كانت الحرية صعبة الفهم، فهل نسطيع فهمها بتتبع ما ينتج عنها من حراك إنساني؟ هذا الحراك عادة ما تتبعه قيم مُظافة، قد تمنح الإجابة عن بعض التساؤلات المُتعلقة بالحراك الإنساني إستيعاب المفهوم العام لمعني الحرية، بمعني؛ كيف أمكن لشعبِ ما و بظرف قياسي … مئتا عام و نيف من السيطرة على الساحة الدولية سياسياً – و اقتصادياً – و عسكرياً؟  هل هذا ناتج عن إدراك نوعاً ما لمفهوم الحرية يختلف عن ما نعرفه؟ و ما هذا المفهوم الذي أدركوه للحرية؟ أستوعب نموذج الدولة الوطنية للولايات المتحدة الأمريكية الكثير من المُتناقضات، و أظهر شكل سياسي و اجتماعي يُرضى طموح و آمال كل أطيافه الإجتماعية، و أستوعب حتى آمال و طموحات الأجيال المُتعاقبة، فما كانت الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون الدولة الإقتصادية الأولي في العالم، لو لم يدرك أبائها المؤسسون – و مفكريها – و فلاسفتها – و أصحاب الرؤى فيها مفهوماً للحرية، مكنهم من بناء دولة على أساس المعرفة، فهل هناك مفهومان للحرية أحدهما للحراك الإنساني للحرية – و آخر لبناء الدولة؟

  نحن العرب دائماً نخلط الأهداف بالنتيجة، هذا يقود دائماً إلى القول: أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة عسكرية، القوة العسكرية الأمريكية هي نتيجية تفاعل حراكها المعرفي، مما جعلها الدولة الاقتصادية الأولي في العالم، ترى ما هي الأهداف التي أدت إلى هذه النتيجة؟ و هل هذه النتيجة مقصودة أو غير مقصودة؟ لا يمكن لأى دولة في العالم بناء قوة عسكرية فاعلة على المستوى الدولي إن لم يكن لها اقتصاد قوى، و الإقتصاد القوى هو تلاقح الحراك الأدبي – و الفني – و العلمي – و التقني، و هذا لا يتأتي إلا بالمعرفة، فهل تم بناء دولة الولايات المتحدة الأمريكية على أساس إقتصاد المعرفة؟ و هل من أنشائها كان يدرك ذلك؟

    هناك الكثير من التساؤلات التي تتيح التعرف على قيم مضافة للحرية في مجتمع ما، فمنها على سبيل المثال، هل بالإمكان وضع مؤشرات للتعرف على تقدم الدولة؟ مثل؛ ما نسبة المتعلمين … الحاصلون على الشهادات الجامعية – و العليا؟  ما نسبة المبدعين في الأدب و الفن؟ ما نسبة المخترعين؟ … ما نسبة المفكرين و الفلاسفة لعدد السكان؟ ما نسبة المشتغلين بالفكر و الفلسفة؟  و هل يتطور المجتمع لمجرد رغبته في التطور؟ … هل هناك منهجاً علمياً للتطور يجب إتباعه؟ و أية تطور يريده المجتمع؟ ما مدى حرية الصحافة و الإعلام؟  و هل بالفعل تلك الصحف و القنوات الإعلامية حرة؟  هل هي متحررة من أي إطار إديولوجي عدا قيم المجتمع؟ إن الإعلام الذي ينادي بالحرية، لا يجب أن يسجنها، فلا يقبل الرأي الآخر، سواء كان مسموعاً أو مكتوباً أو مرئياً، هل بالفعل هناك صحافة و إعلام بهذا الشكل؟  هل تكرم الدولة مُبدعيها؟  أم أنها تكافئ أشخاصاً على ما قدموه لها من خدمات؟ أم أن الأهل و العشيرة – و القبيلة – و العائلة – و الشلة – و العصابة هي من تكرم مُنتسبيها!

    ترى هل الحرية مكان يتوق الإنسان للعيش فيه؟ أم هي زمان يشتاق الإنسان أن يمتلكه … أم كلاهما … فلا مكان بدون زمان، و لا زمان بدون مكان … هكذا تحتم الرؤية العلمية، هل الحرية رؤية للحياة؟ إن هي كذلك، فكيف تكون؟ هذا يحتم أن تكون كل الأشياء في هذا العالم على حقيقتها، بما فيها الإنسان نفسه، و تستلزم حقيقة الشيء أن يكون الشيء على طبيعته، و تتطلب طبيعة الشيء أن لا يكون متناقضاً مع ذاته أو مع الآخر، فكل الأشياء في هذا العالم وجدت لتكمل بعضها الآخر! فهي في توازن دائم، و تخرج الأشياء عن طبيعتها حال الإخلال بهذا التوازن، فتنشأ الصراعات فالحروب، ليس لهدف إلا البقاء – و الإحساس بالأمان.

    كيف لأنسان ميكافيلي الطابع، عاني عقوداً من القهر و الأستبداد، أن يفهم معناً للحرية خارج نطاق ميكافيليته، لوهلة سيفرح – يهلل – يرقص طرباً – فرحاً بحريته، إلا أنه سيمارس على قدر أستطاعته كل السلوكيات التي عاني منها قبلاً على الآخر، و يبدأ في تصديرها لمحيطه، باذلاً كل جهده، و بدرجة تفوق ما عاناه سابقاً.

     أليس غريباً أن  يبذل الإنسان الغالي و الرخيص لينال حريته؟ و عندما ينالها، يُمارس ذات السلوكيات التي كان يبغضها، هل هذه هي الحلقة الأبدية للحرية؟ ترى متي ستنكسر هذه الحلقة؟ ليخرج الإنسان منها إنساناً يثمن القيم لا المادة، تلك الحلقة للحرية بالتأكيد: ميكافيلية الطابع، و ستبقي، و بدرجات متفاوتة ما بقي الإنسان على وجه البسيطة، هكذا يكون حال الإنسان المُرهق بالمشاكل، فهو لا يحب أن يري الأخرين يهنئون بالحياة، و ذاته تعاني ما تعاني من أهوال و أعباء، إنها حالة نفسية نراها في مُجتمعنا، لاسيما في بيئة العمل، لماذا لا يشارك هذا الإنسان السيكوباتي مُحيطه في مشاكله، لا أن يصدرها، ستخفف المُشاركة عبئه النفسي، إلا أن الشخصية السيكوباتية تأخذ في الإنغلاق شيئاً فشيئاً، مُحاولة تدمير الآخر، إلا أنها في واقع الحال لا تدمر إلا نفسها.

   كما يسعى الإنسان حثيثاً للحرية، فالحرية أيضاً تسعى للخلاص، فهي ضحية الأنانية – و الجشع الذي يسكن جسد الإنسان لا روحه، لذا ستكون هناك دائماً مسافة لا بأس بها بين الساعي للحرية – و الحرية ذاتها، تري هل سيأتي يوماً على الإنسان ليطور نفسه من الحالة الإنسانية المُتنعمة في حياة أساسها أكل – و شرب – و نوم – و أستحواذ على حياة الآخر – و التضييق عليه؟ إلى حالة إنسانية جلها الإحترام – و السماحة – و القيم الأخلاقية، فالإنسانية تتمثل في إحترام الإنسان لذاته، و بالتالي إنعكاس هذا السلوك على الأخرين، بمعني آخر هل سيأتي يوماً على الحرية لتتحرر من تلك الذئاب التي تسكن …بطون البشر.

شحات 24/6/2014

مقالات ذات علاقة

مصير النحت في العالم الإسلامي

عمر الككلي

كيان

منصور أبوشناف

عوالي يا …

المشرف العام

اترك تعليق