من أعمال الفنان محمد الشريف.
قصة

القفزة

 

اشرأب بعنقه راصداً الشمس المنبثقة من خلال رؤوس الشجر ، شارباً ، بعينيه ، الشعاع البرتقالي اللين ، فاتحاً منخاريه للهواء الكثيف الناعم. أحس أن القلق الذي يسكنه ، منذ أيام ، مشتتاً مضطرباً : صار ، اليوم ، و كأنه يلف حول مركز محدد . صهل ، بغتة ، بحدة ناشراً ذيله . رفعت بعض الخيول رؤوسها نحوه . زفر بعضها بشدة . عادت لسهومها و تشاغلها. صفع السياج الحديدي بعنقه . نظر إلى الخيول : كان بعضها يقف ساهماً و البعض الآخر يقبع منكمشاً على الأرض أو يتناول بقايا علف . تمعن في الأجساد . لفتت انتباهه تلك الهفتة في الظهر . كل الخيول التي تقف أمامه الآن : بها تراجع في الظهر . ثنى عنقه للخلف . استشرف ظهره برأسه ، بطرف عينه : لاحظ ذلك الانخفاض يستقر حقيقياً ثابتاً . جاءوا إليه: وضعوا بفمه ، غصباً ، شيئاً صلباً مربوطاً بحبل. صعد شخص و استقر فوق ذلك المنخفض، بالذات . جرى منتفضاً .. رفع قائمتيه الأماميتين عالياً .. أحنى عنقه رافعاً قائمتيه الخلفيتين .. نتر جسده بحنون . لكن الشخص لم يسقط . ظل يشد الحبل فيؤلم ذلك الشيء الصلب فكه الأسفل حتى يضطر للتخفيض من نزوته . بعد التكرر: رضخ للأمر الواقع . نظر، ثانية ، إلى الأجساد المنخفضة الظهر . مرر نظره على السياج الحديدي. سرح ببصره بعيداً. طفحت عيناه بالوهج اللاسع . صار القلق يدور ، تماماً ، حول مركز ثابت . تمعن ، من جديد ، في السياج الحديدي . رمى بصره بعيداً . عاد تفحص السياج . قاس ارتفاعه . فدحه غموض مستفز . فتح ذهنه فاستقر فيه خاطر مكتنز مضغوط كحجارة الأنهار . صهل ، في سورةٍ ، متعالياً بعنقه رافعاً قائمتيه الأماميتين . انتبهت الخيول مذهولة . صهل بهدوء ماداً عنقه إلى الأمام ، كأنه يومئ إلى الأفق غير المنظور . أصدرت بعض الخيول صوتاً جامداً خافتاً ممطوطاً ، و بقيت تنظر نحوه في استصغار و تحذير . صهل ناشراً ذيله بعصبية . ركض بمحاذاة السياج. توقف قليلاً . حرك ذيله . نظر إلى الأفق غير المنظور. أحس بتضخم الخاطر . نفض ذيله . سهم قليلاً . سار نحو مهرة تبادل معها الود في المدة الأخيرة: حك ، بحميمية ، عنقه على عنقها .. حمحم في أذنها .. نظر في عينيها .. مسح وجهها بلسانه .. ظلت تنظر إليه مرتبكة .. عضها من عرفها محاولاً جرها . تملصت مصدرة صوتاً خافتاً كئيباً . وقف وسط الحظيرة . نظر إلى الخيول المشدوهة . صهل . هز ذيله . تراجع حتى لامس السياج . صهل . نظر إلى المهرة . حمحم . طأطأت . نظر بعيداً . صهل . زفر . نظر إلى الأرض . رفس الأرض . اندفع خطفاً . للحظة : ومض جسده في الفراغ ، فوق السياج ، كالبرق .

ركض قليلاً . صهلت المهرة . توقف . عاد بعنقه . حمحمت المهرة . استدار : كانت تمد عنقها خارج السياج. حمحم مومئاً بعنقه إلى بعيد . حمحمت مشيرة بعنقها إلى الحظيرة . صهل صافعاً الأرض بحافريه الأماميين . استدار . ثنى عنقه إلى الخلف . حمحم . عاد بعنقه. صهل . اندلع ، عادياً ، بنزق .

حمحمت المهرة . حمحمت . حمحمت . صهلت . أطرقت . صهلت . صفعت الأرض . صهلت . ركضت بمحاذاة السياج شادة اهتمام الخيول . لمع جسدها ، تحت وهج الشمس الحاد ، في الفراغ فوق السياج ، للحظة ، كالبرق .

بنغازي (21-23)-12-1976م.

 ______________________

اشتهرت هذه القصة في السبعينيات، وقد استفزت النظام آنذاك، فتحدث عنها أحمد إبراهيم وسئلت عنها في تحقيقات النيابة من قبل وكيل نيابة أمن الثورة حينها بشير تامر الذي كان يتولى” التحقيق” في” قضيتنا”.

مقالات ذات علاقة

الموظف الجديد

حسن أبوقباعة

الدخان 

إبراهيم حميدان

ليالي (خفافيش) القرية

سعد الأريل

اترك تعليق