المقالة

القطار والشعر والبلد البعيد

بعد برج العرب تلوح الاسكندرية على البحر ثم أصبحت فى الخلف بعد سيدى جابر والقطار يعبر المسافة إلى القاهرة. القرى والغيطان والريف ساعة المغربية والفلاحون وأدخنة نار العشاء والأسر تقتعد الدكك أمام البيوت والحكايات ويوم يمضى نحو الغروب.

وأتطلع من النافذة والقطار يمضي، وخلفنا الاسكندرية تبتعد. هذا أبو حمص. هذه دمنهور. ثم هذه طنطا ومدرسة قبلها تلوح وسط المرئيات رغم اقتراب العتمة تحمل اسم على محمد حمد. ولد هنا وأتانا فى بنغازى أواخر الأربعينيات معلما مع مجموعة من زملائه ورواد من ليبيا آخرين. ونظم قصيدة أرأيت سوسة والأصيل يلفها فى حلة نسجت من الأضواء. كان فى رحلة المدرسة الثانوية فى بنغازى إلى سوسة وهناك تدفق الشعر وانهمرت الكلمات بين الجبل والساحل وأعمدة الأغارقة.

وله قصائد أخرى من بينها واحدة يناجى خلالها البحر في بنغازي وتمتليء حنينا وشوقا لا يحد وثانية يوم إعلان الاستقلال وقد شاهد البهجة فى العيون أمام الشرفة وبقايا الخرائب في المدينة والحرب وأحلام البسطاء وكثير من الدموع والكل يتساءل: هل سنصبح دولة مثل غيرنا. هل نجتاز محنة الفقر والرماد. بماذا يحلم الرجل من فوق الشرفة وهو يعلن الاستقلال ويخاطب الأمة الليبية دون استثناء. كان شاعرا علم الكثير من الأجيال. كان يزهو بكراسة الصادق النيهوم فى حصة الإنشاء ويطلع عليها تلاميذ الفصول المجاورة. أهدى القصيدة إلى شاعر الوطن أحمد رفيق وغدت واحدة من النصوص المقررة فى ذلك الزمن ضمن منهج اللغة العربية في مدارسنا وظل يؤكد على الدوام لطلبته بأن يدافعوا عن آرائهم بلا خوف أو تردد. الشجاعة دون الخوف.

والإقدام دون الإحجام. وحبب إليهم مادة البلاغة واعتبرها مدخلا ممتازا للنقد والفهم والنقاش دون الاقتصار على الاستعارة والمحسنات البديعية لاغير. هذه قرية على محمد حمد القريبة من طنطا التي خلدته بعد وفاته عام 1959 وسمت باسمه مدرسة فى القرية تطل شامخة وسط الأشجار والنخيل والسواقى والدروب. وأعود بقدمي وتفكيرى خطوتين أو أ كثر إلى الوراء. إلى هناك. إلى الوطن. نحن نتنكر لمعلمينا وروادنا من رموز الوطنية والتعليم والتربية والسهر في الأيام الممتلئة بالوجع والجوع ونولي ظهورنا لتاريخهم وعطائهم المخلص النبيل. ذلك زمن. وهذا زمن يموت فيه المؤمنون.

ثم هذه طنطا.
هنا المطبعة اليوسيفية حيث طبع عبدالله القويرى مسرحيته الأولى عمر المختار. هنا كان الشيخ البشير الهوني وكتب مؤلفاته الشهيرة مذكرات سائح والاتحاد الأوروبى والغرض منه والبحث الجليل فى تناقض آيات التوراة والإنجيل وغيرها. مؤلفات غزيرة فى مطلع القرن العشرين وآراء منه مبكرة فى الدفاع عن الإسلام ومقارنة الأديان ودراسة اللاهوت والتصوف والفلسفة وبحوث المبشرين والمستشرقين حاول من خلالها مخاطبة العقل العربي والإسلامي بروح التجديد والانطلاق وفقا لمعايير تلك الأيام. هنا كان معه أولاده محمد وإدريس ورشاد وهاشم والسنوسى. مدرسة توهجت لاحقا فى الصحافة والفن واعتزاز بشخصية الوطن البعيد. وذلك مقام السيد البدوي القادم من الغرب يحمل دعوة التصوف والتقوى والإصلاح إلى الشرق. وعبر هذا وذاك أصداء ناي وموال يخترق صوت القطار. هنا كانت لنا آثار وذكريات ورجال وتاريخ. هنا كانت ليبيا تنهض بشموخ وسط ديار الهجرة الممتدة الأطراف.

وهذه طريق القطار.
منذ ثمان وثمانين سنه عام 1930 تخيل الشيخ حسين الحلافي العودة عبره إلى الوطن قبل أن ينشأ خط السكة ليصل من باب الحديد في القاهرة إلى طبرق. بعد سبع سنوات من نظم القصيدة شرع في مد الخط إلى طبرق واشتهر ذلك العام بعام الحيط. تنبأ الحلافي قائلا: يمدوا حديده شور وطن انريده بامر الحكايم يخدموه هنود وبالفعل صدقت النبوءة من الشاعر وقام الهنود السيخ الذين يتبعون سلاح الهندسة البريطانى بمد ذلك الخط الطويل الذي عبر المناطق ونهضت خلاله في القرى والمناطق حياة وحركة بلا انقطاع.
وظل الحلافي الشاعر الشيخ يحلم ويردد واصفا المناطق التي يعبرها:
بنها هلبها لاورا سيبها وعدى على طنطا وشال وحود
دمنهور جابه خف م النشابه يذارى برايه والركوب قعود
القطار يمضى والمحطات المضاءه والطريق طويل والشعر لاينتهي والحلم يمتد إلى البعيد. هذه القاهرة. هذا باب الحديد.

________________________

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ 1

المشرف العام

محمد زغبية؛ أغنية الميلاد!

أحمد الفيتوري

قول في براءة الدين والعلمانية

علي عبدالله

اترك تعليق