القصيدة النِّسويّة في “ليبيا”.. سهام الدغاري أنموذجًا (الصورة: السقيفة الليبية)
النقد

القصيدة النِّسويّة في “ليبيا”.. سهام الدغاري أنموذجًا

صحيفة رأي اليوم

ناصر أبو عون


عندما نقرأ متون هذه البنت المغاربية سنجد كلَّ نصّ ينطلق كسهم لا يعرف المراوغة، ولا يجيد التفلّت من بين ظهراني العقل، ولا ينسلّ من أسر الوجدان. ولكن على القاريء أن يحترس عند الوقوف على فاصلة في متن النص، فهناك قنبلة شعرية موقوتة، ولا تقفْ كثيرا عند أدوات التعجّب المستندة على علامات الاستفهام فخلفها كمينُ منصوب للمجاز، ولا تركن إلى النقاط الفارغة بين الجمل الشعرية؛ فهي فِخَاخٌ معدَّة لاصطياد الصور الشعرية الطريفة.

اللغة عند سهام الدغاري ألفاظ متناسلة، وصور سريالية، ومعانيها قُدَّتْ من قاموس مشرعةٍ أبوابُه على فضاءٍ لا متناهٍ من المصطلحات، والكلمات الطريفة تتوالد في شكل نصوص طويلة؛ السّرد التعبيريّ واسطة عقدها، والنثر الحديث شكلها، والإيقاعُ حشوها، والموسيقى الداخلية متنُّها، والصورة الوحشية إطارها، واللغة وتراكيبها البسيطة مركبُها.
عزيزي القاريء: احذرْ الوقوع في شَرَكِ هذا المخطوط الشعريّ؛ فتلك البنتُ “الدغارية” تمتطي حصان النثر، وتقتفي أثر اللغة، وترسم الصورة متعددة الزوايا والأبعاد، لتظهر اللوحة الشعرية في الأخير واقعية سحريّة، لكن المحتوى يؤكد أن الشاعرة لا ترى من الحياة غير الأبيض والأسود.

إنها امرأة لا تنام، إلا حينَ تضع سِنَّ قلمها في محبرة القلب لتكتب مقاطع من سيرتك/ها/هم الوجدانية، لتستيقظ كلّ صباح حافية القدمين على شاطيء اللغة ترمي شِباكها، فتصطاد لاليء المعاني، وتضيء بقناديل الكلمات مصابيح القصائد، وتشعل حطب القوالب الفكرية الجاهزة، والحكايات المعلّبة، في أتون محرابها، وتُلقي ديدان البلاغة القديمة لطيور النورس.
إذا كان القاريء المُتمرِّس لا يُلدغ من كتاب مرتين، فعلى القاريء المبتديْ أن يحترس ألف مرة من نصوص سهام الدغاري المغموسة في سُمِّ الوحشة، والمشدودة في قوس الغربة، والاغتراب، المحمولة على كتف السّرد؛ إنها تمرق بسِنانها في سويداء القلب فترديه عاشقا أسيرا لا سبيل لفكِ إساره، ولا طريق للخلاصِ من قيدِ الوِلهِ الذي أحاط بنياطه.

تلك السيدةُ الليبية “بنت المختار” لا تفتح أبواب قصائدها، ولا تستسلم لعذابات المتعلقين بأستار نصوصها، ولا تغفر للسائرين نياما في محراب كلماتها؛ إنها تتخذ من النثر منصةً لإطلاق سِهامها، تصيب القلب ولا تخطئه، وتخمش الواقع بأظافر الكلمات ولا تتركه، وتنحتُ اسمها على جدران المعاني، وترسم لوحة شعرية دامية على حوائط المشاعر، وتحيل اليوميّ إلى مشاهد ومُنمنات متداخلة الخطوط، وتنسج أفكارها بخيط من حرير.

وفي الأخير.. صديقي القاريء حاول أن تتفادى السهام وأنت تقرأ لسهام الدغاري فقد تغدو قتيلا أو أسيرا بين قصيدة وضحاها.

مقالات ذات علاقة

حكاية المكان.. قراءة في كتابات القاص والروائي “إبراهيم الإمام”

رامز النويصري

كما لو أنهُ يقُص

ناصر سالم المقرحي

سأشتري كذبة

مريم سلامة

اترك تعليق