النقد

القصيدة المشهدية في شعر جمعة عبد العليم

د. نبيلة سالم الطاهر
باحثة ليبية – جامعة محمد الخامس- الرباط

نشوة القول للشاعر جمعة عبدالعليم

تُعد القصيدة المشهدية انفتاحًا واسعًا لزاوية الرؤية المعاصرة بما تكشفه من أيديولوجيات معينة، لتتابع “سلسلة من اللقطات مرتبطة ببعضها يجمع بينها عنصر مشترك أو التطور أو الحركة أو الحالة النفسية أو ما إلى ذلك”(1)، وتكثر الجمل الوصفية في هذا النوع من القصائد؛ لأنها تصور مشاهد بصفاتها وظواهرها الحداثية، فترتبط بعدة ظواهر اتسمت بها قصيدة النثر مثل التجانس الكوني الذي يعني “اكتشاف وحدة الباطن بين أشياء متناقضة لا تربطها علاقات ظاهرة”(2).

كما ترتبط بظاهرة المجاز ولا سيما المجاز البصري الذي يرتبط بتحويل العمليات الذهنية “عبر المخيّلة البصريّة إلى نوع من التجسيد المجازي للأفكار حيث تؤدي العلاقات الدلالية داخل النص إلى الإدراك الحسِّي للعالم، لا إلى خلق تصورات عنه”(3)، كما يرتبط باستثمار بياض وسواد الصفحة الشعرية وما إلى ذلك. أما ارتباطها بالسرد فقد تميزت به واحتفت فيه بـ”تفاصيل المكان والأشياء، وركزت على اللقطة متعددة الاتجاهات”(4).

إن القارئ للمجموعة الشعرية للشاعر جمعة عبد العليم، الموسومة بـ”نشوة القول”، يلاحظ ظهور هذه القصيدة المشهدية في عدة نصوص من المجموعة، تحتضن هذه الدراسة منها قصيدة “دردشة مع آخر الليل” (5):

الزمن الذي ظلّ

طوال عمره

يمدُّ قدميه المتوحشتين

إلى الأمام…

يطأ في إصراره القاسي

عشرات من اللحظات

التي تحاول أن تراجعَ

أيامها الطفولية..

يجرّني…

فأسفح تحت أقدامه

دمعتين.. وقصيدة

مقابل كسرة يابسة

من خبز الذاكرة!”

تستنطق الذات الكاتبة (الليل) في هذه القصيدة، وتشخصّه للدردشة، فتبدأ في سرد تراتبي للمشاهد التي تبدو مترابطة ومتتابعة داخل النص، مع الحرص على إبراز الصورة المشهدية بشكل يحيل إلى نوع من الإحساس بالوحدة.

تتابع المشاهد على ثلاث مراحل تتمثل في: الخيبة، والكبت، والحزن الذي تعيشه الذات الكاتبة، وتتضح تلك المعاني النفسية من خلال التصوير المشهدي في النص كاملًا، فالقصيدة ترصد ثلاثة مشاهد رئيسة تتمثل صورته الأولى في مرحلة التقدم في العمر بما تحمل من دلالة الأفول، وقرب انتهاء الأجل: “الزمن الذي ظلّ/ طوال عمره/ يمدُّ قدميه المتوحشتين/ إلى الأمام…”. نلمس من هذا المشهد تصوير العمر وهو في طريقه إلى الأفول.

أما الصورة الثانية فتمثل مسألة منع الاسترجاع الزمني بما تحمله من دلالة الكبت والحصر في واقع أليم: “يطأ في إصراره القاسي/ عشرات من اللحظات/ التي تحاول أن تراجعَ/ أيامها الطفولية ..”. هنا تنفتح زاوية الرؤية لتسجل “ما في الحياة من انسياب دائم واهتزازات لا تنقطع”(6)، فتتحول موجة الحركة الزمنية في القصيدة من اتجاه أمامي في المقطع الأول: “يمدُّ يديه المتوحشتين/ إلى الأمام”، إلى اتجاه خلفي في المقطع الثاني: “تحاول أن تراجعَ/ أيامها الطفولية”. هذا استرجاع زمني يتناسب مع انسياب الأمل في محيط الذات.

ثم تأتي الصورة الثالثة لتعبر عن صبّ دمعتين وقصيدة مقابل استرجاع ذاكراتي ضئيل المدة، بما تحمله هذه الصورة من دلالة الرضوخ للقسوة والرضا بالقليل مقابلة لحظة ذكرى: “يجرّني …/ فأسفح تحت أقدامه/ دمعتين .. وقصيدة/ مقابل كسرة يابسة/ من خبز الذاكرة!”

بما أن القصيدة المشهدية تتحرك فيها عملية المشاهدة بداية من المنظورات الخارجية إلى أن تنتهي بما تتركه من أثر النفس، فإن هذا الأثر هو الذي يمنح المشهد الشعري بعدًا وظيفيًا(7)، فتتابع الصور المشهدية في هذه القصيدة تتابعًا في غاية الدقة منذ بدايتها حتى آخر لقطة هادئة خُتمت بها القصيدة ألا وهي القبول والرضا بالقليل “مقابل كسرة يابسة/ من خبز الذاكرة!”. إنها العودة للفطرة والتكيف مع الواقع والرضا بالقضاء والقدر، بعد أن كانت الذات الكاتبة على أمل الاسترجاع الذاكراتي الزمني حنينًا للطفولة.


هوامش الدراسة

 1- سوين دوايت، كتابة السناريو للسينما، ترجمة: أحمد الحضري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988، ص: 141.

2- عبد العزيز موافي، قصيدة النثر من التأسيس إلى المرجعية، من منشورات المجلس الأعلى للثقافة، 2004، ص: 185.

3- المصدر نفسه، ص: 201.

4- عماد حسيب محمد، بئار النص: قراءات تفكيكية في الشعر الحداثي، دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، القاهرة، ط1، 2009، ص: 161.

5- جمعة عبد العليم، مجموعة نشوة القول، من منشورات مجلس الثقافة العام، الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، 2008، ص: 40- 41.

6- مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، دار الأندلس، بيروت/ لبنان، ط3، 1983، ص: 114.

7- أميمة عبد السلام الرواشدة، التصوير المشهدي في الشعر العربي المعاصر، ط1، 2015، عمان/ الأردن، ص: 106.

مقالات ذات علاقة

حداثة القبلي

إدريس المسماري

احتفاء

ناصر سالم المقرحي

أشواق علي الرقيعي الصغيرة

نورالدين خليفة النمر

اترك تعليق