النقد

القصيدةُ ترسمُ مشهداً

قراءة في ديوان [خطوط داخلية في لوحة الطلوع]

للشاعر: محمد الفقيه صالح

 

 

 

ها أنني أفتحُ الباب للداخلين

تعرّوا..

فضوا مغاليق أحلامكم

هيئوا النارَ

كي يرشق الرقصُ زهرته في هشيم السكون.

في القصيدة التي يضعه الشاعر (محمد الفقيه صالح) كمفتتح لديوانه (خطوط داخلية في لوحة الطلوع) يقدم لنا خطوط ديوانه الرئيسة، حيث تقتحم الأفعال كيان القصيدة وتقدم صورة حركية، حتى أن عنوان الديوان يشكلُ جزءً من هذه الحركية التي تقدمها أغلب القصائد.

الديوان الأول للشاعر.. بداية تحمل الكثير من نكهة البحث والخروج، بل يرافقها الكثير من الارتباكات والمؤثرات التي تلقي بظلالها هنا وهناك، دون أن تفسح المجال كثيراً لصوت الشاعر أن يخرج بخصوصيته.

[أسماء كثيرة برزت خلال عشرية السبعينات،القلة فقط صمدت نصوصها متحررة من أوبئة التقليد الأعمى، هذه القلة لم تشكل تياراً شعرياً، بل أتسم مسارها بتجارب شعرية منفردة]1

الفترة التي كتبت فيها قصائد هذا الديوان (من 1973 1978) تكاد لا تخرج من هذا القاسم المشترك الذي يضعه الشاعر (مفتاح العماري) في كتابه (فعل القراءة والتأويل) حيث يختصر كلامه عن تجربة (الفقيه) بقوله : [ تتميز باختيار الجملة الشعرية ذات الإيقاع الموسيقي المحملة بشفافية وجدانية ذات الرصانة والسبك]2

وعموماً يشكلُ (الفقيه) صوتاً شعرياً متميزاً، وقصيدته تشكلُ تميزاً وتبتعد كثيراً عن قلق وارتباك قصائد الثمانينات التي تجنحُ كثيراً في غموضها وقلقها.

الديوان إذاً يشكل حصيلة البدايات لدى (الفقيه) لذلك فإن الكثير من الأحكام التي تطرح هنا ربما يكون الشاعر قد تجاوزها في مجموعات شعرية أخرى

* * *

أجلس قرب النافذة

أشهدُ باقات البنات في صباح الله

العلاقة بين (الزمان والمكان) تكاد تكون السمة البارزة من سمات هذه الديوان، بل وتتقاسمها قصائد الديوان بشكلٍ مُكثف عبر سلسلة من الاستطرادات،فالمكان يُشكلُ مشهدية تختلطُ فيها عناصر النص (المادية والمعنوية) لخلق حالة من التماس عند المتلقي.

(أجلس قرب النافذة) الشاعر هنا يحدد مكاناً مادياً بالطبع، وتظل هذه المشهدية التي فرضها على النص صيغة مدخلية (تمهيدية) يقترحها الشاعر في أغلب القصائد كفاتحة للدخول إلى موضوع النص، ونلاحظ هنا إنه من خلال هذه المقطوعة يقترح الزمن (في صباح الله) ويستمرُ الشاعر في منح قصائده سياق زمني من خلال كلمات تعبر عن الزمن (الصباح غالباً):

ونبلعُ في كلِّ صبحٍ بُصاق الجرائد

يا صباح الانقباض في الوجوه والخواء

أسيرُ في الصباح خلف ثُلةٍ من العمال

صباحُ الخير أيتها الفراشة

ومع تواتر هذه المشهدية المسكونة بالزمن يضع النص نفسه على أعتاب حالة مقاربة يمكن تلمسها عبر تدفق الكلمات، حيث يتحول الزمن إلى كيان يغالب حالة البحث المحموم لدى الشاعر [حيثُ للزمن طعم المحطات – وحيثُ الزمن الغرابي يناوش الخاطر – إنه زمن الاستباحة – هذا الزمن الذي نقرأه في كل وجهٍ يضيء] هكذا يتلبس الزمن القصيدة ليتشكل عبره مشهد يأخذ صفة حركية ملائمة تنقل لنا القصيدة.

من هذه النقطة ينطلق الشاعر في بناء قصيدته، مبتدأٌ بطرح مشهدية (يراها لازمة ومهمة) ومن ثمة يشرعُ في بناء هيكل القصيدة، التي تتميز بتنامي الأفعال المستخدمة (وتنطبق هذا الكلام على أغلب قصائد الديوان) التي تبهر المتلقي بحضورها المباغت، من هنا يتدفق السردُ الشعري تدفقاً عنيفاً ومحموماً ليصنع حالة مغايرة، ويعول الشاعر كثيراً على التدافع في صياغة قصائده، الأمر الذي يجعله شحنة نغمية هائلة.

ويظهر ذلك في القصائد: (تحولات في دورة الأشياء) و(خطوط داخلية في لوحة الطلوع) و (دفء الابتهال في حضرة الدمع والاشتعال)

لذلك تغلب على قصيدة (الفقيه) كثافة الأفعال التي تستقطب الحركة وتوظفها في خلق مضمون، ومن هنا تترتب مقاطع القصيدة في جمل فعلية (غنية بتدافع السرد) :

يصيرُ الأحمر الشفقي سيدنا

ويعلو الهمسُ.. يعلو الهمسُ

والأصوات تمضي في تشابكها

الأكف تنـزُ في حمى التلاصق

تفعم الجو البهيج سخونة العرق الشهي

تتحرك أغلب قصائد الديوان بين وتيرة السرد الشعري (المغرق في ذاتيته) وبين مدخل مشهدي يفترضه الشاعر في كل قصيدة بشكلٍ مغاير لغاية معينة، لكن السرد الذي يقترحه ينفتح على بساطة مخلة باتزان القصيدة، حيث تشكل الألفاظ في قالب (الوزن والإيقاع) الأمر الذي يخدش بعض محتوى القصيدة، ويتضح ترهل بعض القصائد بتنامي القراءة، حيث يستغل الشاعر غطاء النغم في تغطية :

النساءُ والأشجارُ والأطفالُ

والأنوثةُ التي ترف في ثنايا الكونِ

والأمطار والبحر الذي يفحُ والعشب المندى

غبشُ الصباح.. ساحة الميناء حينما تعجُ بالعمال

لسعة البرد.. ورعشة الأجساد..

والنوافذ التي يُشعُّ منها الدفءُ والأسرار..

من خلال المقطع السابق يتضح كم المفردات التي يضمنها الشاعر قصيدته لصنع المشهد الذي يقدمه في كل مرة، وهكذا يتسع السردُ تدريجياً لتقع اللغة على مشاهد تحمله قصائد كاملة، يوظف الشاعر من خلالها اللغة ليصل من خلال كل هذه البهرجة إلى إطار متناسق يقدم مشهداً متكاملاً، ويتضح ذلك في القصيدتين الأخيرتين في الديوان وهما (جدلية البحر) و(جدلية الغابة) حيث القصيدة تصورُ مشهداً متكاملاً ممتلئ بدهشته وحميميته وجزالة لغته :

أعراسٌ تنشبُ في الأعماق

وأجراسٌ تفتضُّ الصمت بفوضاها

فلماذا لا يتحول الكون إلى عصفورٍ مرتبكٍ ؟‍‍!

النملُ هنا والحرباءُ الحيرى

والعسلُ اللامع فوق ثمار الموز

وأشجارُ المانغو

ونصاعةُ مرجانِ الشاطئ…

الديوان يوظف اللغة توظيفاً جيداً، ويظهر ذلك في اعتناء الشاعر بالألفاظ التي تتميز في أغلب قصائد الديوان بقدرتها على تفجير الموسيقى أولاً واختزال الفكرة ثانياً.

 وأيضاً تظل القصيدة براحاً متسعاً للذات (فأغلب القصائد تجسد تجارب ومشاهدات ذاتية) ومن هنا فالذات تظهر بدون أقنعة، إنها تقحمك في تفاصيلها دون أن تعنى بقياس درجة التجاوب مع النص (الذي يعول فيه الشاعر كثيراً على مفارقة الفكرة وجزالة اللغة)

ختاماً :

قصائد الديوان تتحرك على وتيرة واحدة، وتتواجد بينها العديد من القواسم المشتركة، خصوصاً في تدافع السرد الذي يتلمس صنع كيانه المغاير من خلال ذات متضخمة تمتلئ بها القصائد، ليتضح لنا في النهاية أن الذات فقط دون سواها هي التي يصوغها (الفقيه) في مشاهد شعرية محمومة بالمكان والزمان.

___________________

هوامش :

1. كتاب (فعل القراءة والتأويل ). مفتاح العماري.

2. نفس المصدر

مقالات ذات علاقة

الوصف في القصة القصيرة

المشرف العام

روزويل

أحمد الفيتوري

التابوت رواية الحرب الليبية التشادية

إنتصار بوراوي

اترك تعليق