البازين.
قصة

القصعة

 

مد يده كالوتر المشدود وغرسها بأطراف أصابعه الأربعة المضمومة إلى بعضها البعض في كتلة العجين المطبوخ المغطاة حتى منتصفها بالمرق الأحمر.

تتوسط “القصعة” المستديرة كتلة مكورة من دقيق الشعير الممزوج بقليل من الدقيق الأبيض لتليينه، مستديرة وثابته في وسطها لا تتزحزح رغم كثرة الأيادي التي تنال منها، تحيط بها قطع اللحم الضآن والبطاطا والبيض المسلوق في بحيرة من المرق الأحمر الحار.

بعد أن مد يده وشرخ تماسكها، وهو يردد “بسم الله” امتدت أياد أخرى، واقتطعت كل يد جزءا منه وبدأت في عملية اخرى تعرف ” بالرفس”..

كان عبد الله قد سبق الجميع حين شمر عن ساعده الأيمن، وبدأ في دعك الجزء الذي اقتطعه بأصابعه معتمداً على إبهامه بشكل أساسي ، وإعادة تدويره وغطسه في المرق بين الحين والآخر حتى يلين ، ليتلقفه بفمه دون أن تسقط منه قطعه أو قطرة من المرق…

انهمك المتحلقون حول القصعة في رفس “البازين”، أكلة الليبيين بكل أصنافهم ومكانتهم الإجتماعية… يجلسون على الأرض في حلقات حول القصاع المرصعة بكتل العجين المروية بدهان المرق، يتساوون أمام القصعة وهم متربعون ويمارسون ذات الطقوس، القطع والرفس والمضغ والبلع.. تتقاسم الأيادي كتلة البازين دون منافسة، ولا تحتك ببعضها البعض. يعرف كل من الجالسين حدوده ولا يتجاوزها حتى تنتهي آخر قطعة منه. يأكل الجميع ويشبع، ثم ينهض أصغرهم بالقصعة فارغة.

تجشأ عبد الله ومال بظهره إلى الخلف، ثم لحس يده من المرق تفاديا لانزلاقه إلى مرفقه وصاح … “الحمد لله”.. بينما كان الآخرون مايزالون يرفسون ويتلقفون براحة أيديهم اللقمة تلو الاخرى.

“امينة وين الشاهي؟”

“باهي يابو”.

كانت أمينة وأخواتها في السقيفة يأكلن من قصعة أخرى في حين تحلق أبوها وإخوتها في “المربوعة”. توفيت أمها منذ سنة تقريبا، مد المرض الخبيث أذرعه في رحمها كنبات الشوك الذي ينبت في مزرعتهم ويتمدد ما لم يتم اقتلاعه من جذوره… لم يشعر احد بالشوك سواها لذا لم يصدقها احد…

“تي نوضي وتي العشي .. وانت ديما تتشكي”.

كان العشاء لابد وان يكون “بازين”.. تعصده فطيم في الطنجرة المعدنية على النار، ثم تنزلها على الأرض، وتستأسد عليها بأن تمسك بها بقدميها وتثبتها وتبدأ بعصا مفلطحة سبك العجين ودعكه بقوة حتى يلين، ثم تنقله وهو ساخن إلى القصعة وتدلكه بيدها وتتفنن في تشكيله بإستدارة ملساء ذات قمة.. كان نجاحها يتجلى في ألا تترك حبا صلبا فيه مهما كان صغيرا.. وإلا فالصراخ والتوبيخ بل وحتى التعنيف والضرب مآلها…

“هيا جايين تريس…”

تنهض فطيم بعجلة وتبدأ في مهمتها، لتخرج القصعة بالبازين الطازج الساخن وهو يتدفأ بالمرق بين جنباته…

حتى وقعت ذات يوم وهي تعصد… كان الشوك قد لف رحمها وظهرت دبابيسه إلى الخارج… رحلت وتركت خلفها عدة “البازين” وأولاداً وبنات لم يتزوجن اكبرهن أمينة.

لم تنقطع العادة في بيت عبد الله، تناولت المهمة أمينة بعد أمها.. لم يوبخها أو يعنفها والدها حين يلمس بأطراف أصابعه وهو “يرفس”، حبيبات صلبة لم يتمكن ساعدا أمينة من دحرها وهزيمتها.. ينبهها بشيء من الغضب…

“بازينك مازال ما انسبكش…” تخفض عينيها وتحمر وجنتاها خجلا…

لم تتمكن أمينة من سبك كل جزيئات العجين ودعكها، ظلت تفلت منها حبيبات رغم كل محاولاتها وتمرين عضلاتها على ضرب العجين بسرعة بالعصا المعروفة “بالمغرف”…

“تي خيرك… مازال ماتعلمتيش”؟

“سامحني يا بوى.. ماعاش نشبح باهي”

أخذها أخوها الى طبيب العيون واكتشفوا أنها مصابة بقصر النظر..

ومن اليوم الذي وضعت فيه أمينة نظارة طبية، هزمت كل الحبيبات وبات بازينها كتلة واحدة متماسكة…

“بازينك زي بازينها..”

كان عبد الله يتحاشى ذكر إسمها، كما تحاشى ذلك مدة عمرها القصير معه.

تعبت قدما أمينة، وعضلات ذراعيها، كانت تنز عرقأ صيفأ وهي تجلس على الأرض كسرطان البحر مقابل نافذة المطبخ تنشد نسمة هواء عابرة، وقد وسعت ما بين فخديها وتمكنت من الطنجرة ما بين قدميها، في حين يداها تلطمان كتلة العجين.. وفي الشتاء ترتعش بردأ في المطبح الواسع البارد..

تضع الكتلة الكبيرة لأبيها ومن معه من الرجال بما في ذلك إخوتها، وتترك كتلة صغيرة لها وأخواتها…

حتى لمحت عثمان وهو يدخل المربوعة.. كان يرتدي الزي التقليدي الأبيض ويتدثر “بحولي” من الصوف، كانت أمينة منهكه تتكئ على حافة النافذة، تبرد يديها المنتفختين والمحمرتين من لسعات “البازين” وقد شمرت عن ساعديها.. نظر إليها وابتسم لها، ثبتت نظارتها جيدا وكأنها ترد عليه… هكذا بدأ يتردد على مربوعة عبد الله ليأكل بعينيه وجه أمينة وساعديها ويلتهم لقمات “البازين”..

كان اللقاء الأول على أطراف المزرعة..

“بناخدك.. شن قولك؟” ابتسمت وهي تفرك يديها..

“عندي مرا وصغار لكن والله ماجاي تالاك واحد”.

فوجئت أمينة ذات يوم بوالدها يدخل عليها ويمسك “بالمغرف” الممد إلى جوارها بالمطبخ وينهال عليها به ضربا…

حاولت تفادى ضرباته بيديها، وكتم صراخها، لكنها في النهاية اكتفت بحماية رأسها وترك جسدها لعصا البازين وهي تلطمها من كل جانب..

“ياساقطه…. بابنت الكلب.. شن جابك ليه الساقط هذا…”

حينها فهمت السبب..

لم تنم تلك الليلة من حدة الألم الذي يخز كل عضلة في جسدها.. تتأوه بصوت منخفض وتعض شفتيها من شدة الألم.. تركت عصا البازين آثار زرقاء مستطيلة على جسدها..

أصبح أبوها يضربها لأتفه الاسباب، ثم انتقلت العادة إلى أخيها الأكبر فتحي الذي كان يركلها من الخلف بغتة، أحيانا يجدها منحنية تفرش سريره فيركلها أكثر من مرة….. ماكان يؤلمها هو مباغتتها في كل مرة، فلا تستطيع معها تفاديه، حتى ارتعبت ولازمتها عادة الالتفات وراءها…

أرسل عثمان إليها مع ابنته أن تترك بيت أبيها ويتزوج بها على سنة الله ورسوله..

لانت له، وخرجت ذات ليلة إلى أطراف المزرعة، كان في انتظارها بسيارته، أخذها لبيته وطلب من زوجته إكرامها.. وفي الصباح عقد عليها.. علمت القرية كلها بهروب أمينة الى احضان حبيبها.. خرجت ليلأ والعيون تنعس نعاساً خفيفاً كالعصافير في كل ركن من أركان القرية، ولم تخرج بفستان أبيض تحت بركة الزغاريد والغناء.

“عار.. عار.. عار..”

اقفل عبد الله مربوعته منذ ذلك اليوم، وأضرب عن الأكل والشرب، حتى جاءه إبنه فتحي وهو يصرخ:

“والله الا مانقتله هو.. هي توا تجي تركع تحت رجليك يابوي وانا بنشوطها كالشو عمرها ماضاقاته”.

لم يتوقف عثمان عن إرسال الوفود إلى عبد الله مطالباً الصفح وقبول الامر الواقع، وأنه تزوجها على سنة الله ورسوله ولم يغدر به… كان فتحي و أخوته يحولون بينهم وبين أبيهم كعصا البازين العريضة…

دخل فتحي المربوعة وصدره يعلو ويضيق بخبر سيء.

“بوي أمينة رفعت من راجلها.. لازم نقتلوه توا”

أرسل عبد الله إلى عثمان يطلب حضوره منفردا لتناول وجبة “بازين”..

“بوك عازمني على بازين الليلة”.

“بالله عليك ماتمشي … بالله عليك”.

” انا تراس نمشي ونحل الاشكال.. توا في بيننا صغير…”

إرتدى عثمان زيه العربي وتدثر بالحولي الابيض الصيفي الخفيف وهو يرمي بطرفه خلف ظهره…

دخل المربوعة ووجد عبد الله وابناءه.

صافحوه دون النظر اليه، عدا عبد الله الذي تفرس في وجهه وكأنه يراه لأول مرة.

“هات القصعة… للضيف”.

غرس عبد الله أصابعه في “البازين” بزاوية شبه حادة، بينما جلس ضيفه مقابله.. لم يتحدث أي منهم، كانوا يرفسون بأصابعهم ويتلقفون اللقمة تلو الأخرى تنطلق من أفواهم أصوات علك “البازين” وانزلاقه، إلا هو ارتعشت يده وأخذ يتلقف اللقمة دون أن يمضغها…

“ارفس ارفس ماك متعود ع الرفس” قال له عبد الله وهو يدعك خلطته بثقة.

وصلته الرسالة…

نهض عثمان وهو يتمتم “حمد لله.. بنروح” “زينة”.

خرج عثمان من باب المربوعة بخطى متعثرة ومسرعة وهو يرمي بطرف “حوليه” وراء ظهره، تبعه أولاد عبد الله، أمسك أحدهم بطرف “حوليه” وأداره نحوه وطعنه فتحي في صدره، ثم تبع ذلك طعنات أخرى…وترك مرميا في السقيفة ينزف حتى أسلم روحه…

كانوا جميعا قد استعدوا لحضور الشرطة في صباح اليوم التالي، الرواية المتفق عليها أن عثمان جاء مهاجما عبد الله وابناءه فقتله عبد الله بسكين دفاعا عن النفس…

صدر الحكم على عبد الله بالسجن المؤبد، وكان لكبر سنه وملابسات الزواج دون إذنه ما حفظ له حياته.

صرخ فتحي متحديا “بوي توا يطلع…”.

بعد وضعها عادت أمينة إلى بيت والدها، إذ لم يعد أحد يرغب بها في بيت زوجها، وبين ذراعيها إبنها… نالت الكثير من الركلات والبصق والصفعات حتى تهشمت نظارتها.. وفقدت الرغبة في النطق، واستعادت حركتها المتكررة بالالتفات برعب ورائها….

استأنفت مهمتها…تثبت الطنجرة بقدميها، وتحني ظهرها، وتحرك يديها وتدعك العجين بما لها من قوة دون أن تفلت منها حبة واحدة، ثم تصفعه صفعات خفيفة بعد أن تشكل استدارته بعناية وترص قاعدته في “القصعة”…

“بازين أمينة اللي جاب عمر عثمان” هكذا يتندر أهل القرية…

في بيت عبد الله يتحلق الجميع حول القصعة كل ليلة بمن فيهم عبد الله الصغير إلى جوار أخواله، يقتطع العجين ويدعكه جيداً بأصابعه ثم يتلقفه بفمه… يجلسون معأ يرفسون باليد اليمنى التي طعنت أباه في تلك الليلة..

اتاوا 20. 1. 2013

مقالات ذات علاقة

السَّحابة السَّابعة

المشرف العام

مقالة حب

صفاء يونس

طواجين الخبز

حسن أبوقباعة

اترك تعليق