النقد

القصة القصيرة جدا في “أنا وأبي” للقاص الليبي حسين بن قرين درمشاكي ومقومات الق. ق. ج.

داود سلمان الشويلي – العراق

المجموعة القصصية أنا وأبي

حين نراجع منتجات الفن السردي نلتقي بالكثير مما افرزته الذائقة الابداعية في هذا الفن في النصف الثاني من القرن الماضي، وكان منها ما يسمى بـ “ق.ق.ج.”، وقد تعددت الأسماء التي أطلقت على هذا الفن، فكانت مثل: القصة الجديدة، القصة الحديثة، القصة اللحظة ، القصة البرقية ، القصة الذرية، القصة الومضة، القصة القصيرة القصيرة، القصة الشعرية، الأقصوصة القصيرة، اللوحة القصصية، مقطوعات قصيرة، بورتريهات، مقاطع قصصية، القصة الكبسولة ,القصة المكثفة ,مشاهد قصصية، فقرات قصصية، ملامح قصصية، خواطر قصصية، إيحاءات، إلى أن استقرت التسمية على القصة القصيرة جدًا.(1) إلا ان بعض دارسي ونقاد هذا النوع القصصي يفضل تسمية (القصة الومضة) على التسميات السابقة.(2) حيث انه ذكر مجموعة من الأسباب المتعلقة بقصر هذا النوع والتي تدعو الى اطلاق هذه التسمية.

فهل طول النص يحدد التسمية بين أن يكون قصة قصيرة جدا، وبين أن يكون القصة الومضة ؟ وهل هناك اختلاف بين التسميتين؟

وهنا تقف (الطرفة) كما يرى البعض، في الطريق معترضة، فهل القصة الومضة طرفة ام لا؟

((ونظرًا إلى اشتراكهما في التكثيف, والمفارقة التي تبث الفكاهة والسخرية, والنهاية الذكية المدهشة رأى بعض الباحثين أن الطرفة هي من قبيل القصة الومضة, وليس الأمر كذلك.)).(3)

الا انهما يفترقان في: سهولة فهما، ووضوحها المباشر، على العكس من القصة الومضة التي تتصف بالايحائية، وبلغتها الشاعرية التي تختلف عن لغة الطرفة السهلة المفهومة ببساطة.


القصة الومضة هي: لحظة زمنية، أو مشهدٌ قصير جداً، أو موقفٌ سريع جداً، أو إحساس شعريّ خاطف يمّر في  الذّهن ويصوغُهُ القاص بكلمات قليلةٍ.

وهي أيضاً وسيلة من وسائل التجديد السردي، أو شکل من أشکال الحداثة في الفن السردي تعبر عن هموم ومشاغل وأماني وتطلعات القاص لتناسب مبدأ الاقتصاد والتكثيف الذي يحكم عصرنا هذا، عصر السرعة في كل شيء.

بعد هذه المقدمة القصيرة والموجزة عن هذا النوع القصصي، نقرأ على اساسها المجموعة القصصية للقاص الليبي حسين بن قرين درمشاكي المعنونة “أنا وأبي” المخصصة لنتاج الكاتب من فن القصة القصيرة جدا، لنقدم عنها دراسة فحصية.

والومض، والومضة لغةً من«وَمضَ»وَمَضَ (المعجم الوسيط) البرق ـِ (يَمِضُ) وَمْضاً، ووَمِيضاً، ووَمَضَاناً: لمع خفيفاً وظهر. فهو وامِض، وهي وامضة.(أَوْمَضَ) البرق: وَمَضَ. وـ فلان: رأى وميض برق أو نار. وـ أشار إشارة خفيّة رمزاً أو غمزاً. وـ المرأة بعينها: سارقت النظر.

اذا هي السريعة في أخذ الأبصار، والمخفية بالاشارة والايحاء الرامز والغامز، لتكون مدهشة.

الومضة مثل مصباح الفلاش يومض وينطفئ بسرعة، وأي قصة تأتي بهذا الاسلوب هي ومضة، وهذه الومضة السريعة تحمل الكثافة والادهاش.

فالقصة الومضة هي نوع من السرد الجديد الذي يعتمد علی التکثيف بإعتمادها علی معنی واحد، ودقة في التعبير، وعلی کلمات قليلة تحمل المعنى، بإيحاء ودلالية مقتصدة مکثفة، ولا تأخذ بوصف الموقف لعملية السرد، وايراد التشبيهات.

القصة الومضة تختلف عن فن التوقيعات (التي جعلها شلبي أساسا لها) التي يذيل بها الخلفاء، والامراء، والملوك الرسائل، لان التوقيعات هذه وفي أغلب الأحيان تكون مسهبة الى حد ما، أو أن تكون شعراً اطول مما تتصف به الومضة.

ومن المعلوم، ان وضع قوانين وشروط صارمة يقتل الابداع، اذ بدأ الشعر دون شروط مسبقة، ولا قوانين، وبعد ذلك بقرون جاء الفراهيدي وقنن الوزن في بحوره الخمسة عشر (عدى ما اضافه الاخفش) حيث قتل بفعله هذا الابداع، ورغم ذلك خرج لنا شعر غير الاول، مثل  : الموشحات، والمرسل، والتفعيلة، والنثري، وغيرها من الانواع، وفي القصة كذلك، اذ ظل الباب مفتوحاً أمام الابداع، وكذلك في الرواية.

خلاصة القول، ان القصة الومضة هي قصة النهاية، فعندما تكون النهاية مدهشة، وتحمل مفارقتها، كانت القصة هي قصة ومضة بإمتياز، لأن عدد الكلمات (الاقتصاد اللغوي)، وايحائية تلك الكلمات، ووحدتها العضوية، يكون كل ذاك ممهداً لهذه النهاية المدهاشة.


تمتاز النصوص القصصية، مجال الدراسة، بقلة عدد كلماتها، وان تحديدها بعدد كلمات قليلة يميت الابداع عند الكاتب، ويحيل النص الى مجالات عديدة مثل: الطرفة، والمَثل، أو العبارة التي تحمل جملة الشرط وجوابها… الخ من الفنون اللغوية الأخرى، إلا ان مواصفات هذه النصوص القصصية هي أنها تحمل الروح السردي الذي اضفته في دراساتي عن القصة القصيرة جدا، لاشتراطات هذا الفن القصصي.

ان النماذج التي اختارتها هذه الدراسة قد قُدمت بعدد قليل من الكلمات لا يعدو الأربع والعشرين كلمة، ولا يقل عن الخمس.

تتميز القصة الومضة  بمجموعة من المقومات والسمات والخصائص، منها:

– الوحدة العضوية.
– الإيحاء و عدم المباشرة.
– التكثيف.
– المفارقة.
– الادهاش.
– الروح السردي.

القاص حسين بن قرين درمشاكي

– الوحدة العضوية :

تتسم “القصة الومضة” بالوحدة العضوية، إذ أنها قصة متکاملة، متداخلة في الفعل السردي و الدلالي، والشعوري أيضا.

يقول القاص درمشاكي في نص “لهفة”: (تسللت غيمة شوق، الى نافذة قلب، هطلت أمطار اللقاء). فالنص مشغول بفكرة الشوق الى اللقاء، وما زاد ابداع النص هو وجود “غيمة” و”امطار”، اللاتي تحيل الى الظواهر الطبيعية، فتتداخل في النص ظواهر الطبيعة مع الهم النفسي في العشق. مع العلم ان الحديث هو غير حديث الطبيعة ومظاهرها.

– الإيحاء وعدم المباشرة:

هذه الميزة تحيل الى استعمال القاص للغة القاموسية التي يحولها الى لغة فنية، أي أنها لا تعبّر تعبيراً مباشراً عن مضمون واضح، وإنما تقدم مضمونها القصصي بطريقة موحية، انها توحي بمعان كثيرة، وعلى المتلقي أن يستقبل المعنى والدلالات التي يرغب.

يقول في نص “إرتواء”: (سألها بتهكم .. ما بال أنفاسك ما عادت تدثر عمق ليلي القارس؟ردت بامتعاض.. سل أمطار حبك التي صارت تجفف الظمأ، بعد ما كانت تغرق الإرتواء.).كم هي المعاني والدلالات التي يستشف المتلقي من هذا النص؟ فهي معنية بالدثار، والبرودة، والجفاف، والغرق، وهي ثلاثة أفعال متضادة لكن القاص يجمعها في نص واحد موحي. فالدثار نقيض البرودة، والجفاف نقيض الغرق.

– التكثيف:

“التكثيف” هو مقوم أساسي للقصة الومضة، كما في الشعر، متأت من علاقة اللغة بالفكرة التي يقدمها النص. ويعرف التكثيف بأنه: ((الاقتصاد في الكلمات والاكتفاء بالقليل منها مما يفي بالغرض. فقصة الومضة مكثفة جدًا, وخالية من الزوائد والحشو الوصفي والاستطرادات والانثيالات الواعية وغير الواعية، إضافةً إلى تركيزها على خط قصصي هام يتمثل في النقاط والكلمات التي توصل إلى الموقف. ورصدها بمهارة شديدة حالات إنسانية شديدة الصدق.)).(4) هذا التعريف يعيدنا الى قضية عدد الكلمات في القصة الومضة، وفي الوقت نفسه يربط الفكرة التي تطرحها القصة الومضة بهذا العدد من الكلمات أو ذاك، أي، بتضافر الاثنين ليقدما قصة محافظة على مقومات هذا النوع دون الاخلال من سرديتها، ويكون ذلك من اختيار الكلمات الموحية، والممتلئة بالمعاني الحافة للمعنى الأصلي.

ففي نص “بكاء”: ((أبصر أشرعته ممزقة، ذرفت أحداقه حزنًا.)). نجد أن الفكرة عظيمة وكبيرة، إلا ان القاص كثفها من خلال اللغة باستعمال الفاظ موحية.

وكذلك، في نص “لهفة” و”جذوة”، و”أرق”.

أما النصوص التي تستخدم أكثر من ستة كلمات، مثل نص “ترتيل”، و”ارادة”، و”ارتواء”، فقد استعملت أكثر من عشر كلمات إلا انها كلمات غير زائدة عن تقديم فكرة النص.

والتكثيف – اذن – هو اقتصاد في اللغة بشرط ايحائية الكلمات المختارة.

– المفارقة:

“المفارقة”، هي واحدة من مقومات القصة الومضة، وكذلك في الشعر. وهي موازنة ومقارنة بين حالتين يقدّمهما الكاتب في صورة تضاد واختلاف يُلفتان النظر اليهما بحدة، مما تزيد إحساسنا بما نقرأ، وتشارك في تعميق الفهم، لإيصال حالة ما نقرأ بطريقة إيحائية. وهي من النوع التصويري.

و”المفارقة”هدف القصة الومضة،اذ بفقدانها تفقد القصة وميضها البارق(الفلاش)، لهذا فإن الخاتمة المدهشة هي التي تكون بعيدة كل البعد عما تحمله القصة الومضة من فكرة مباشرة، أو عارية، أو مضمون ما.

ان نصوص “أنا وأبي”، حملت راية المفارقة، وقد أحسن القاص توظيف ذلك في نصوصه القصصية، و من ثم تقديمها بإسلوب يفضي الى خاتمة مدهشة.

في نص “إرادة” على سبيل المثال، يقول القاص:((قرر الإقلاع عن التدخين.قبر سيجارته، أحكم قبضته على جلده اعتصر رئتيه، لان ضرع حياته.)). فبينما كانت العبارة الأولى والعبارة الأخيرة بينهما تضاد بيّن، بين تدخينه وما يجلبه له من أمور عديدة، وبين “ضرعه” الذي لان أخيرا.

وفي نص “وهن” يقول القاص: ((انتعل خوفه.. ركب ظله.. تاه مخترقاً جيوش قلقه، يبحث عن بقايا طفولته)). تصيبنا الدهشة عندما نعرف حاله وهو ينتعل خوفه، ويركب ظله، ويتيه في قلقه، كل ذلك للبحث عن طفولته. عند ذاك يكون الادهاش حالة يعيشها المتلقي.

وكذلك في نصوص مثل: “لهفة، بكاء، جنون”، تكون المفارقة موظفة في خدمة حالة الادهاش التي تتلبس المتلقي عند قراءته للنص.

– الادهاش:

و”الادهاش”، في قصة الومضة هو غايتها المعنوية النهاية، فضلا عن المفارقة المادية التي تصب في كلمات النص، أضافة للمتعة المعرفية التي تمنحها للقاريء، حيث ان الادهاش يربط الدال بمدلوله، مما يعطي المتلقي راحة نفسية بعد وصوله الى هذه الحالة، فيحس بالرضا دون ان ينتظر المزيد.

وقد يتوضح الادهاش في نهاية كل النصوص المختارة، حيث تاتي حالة الادهاش في النص فتترك القاريء يعيشها عند الانتهاء من قراءته.

– الحركات السردية:

تنبع الحركات السردية من عدد الافعال المستخدمة في النص ، ولو رجعنا الى الجدول المرفق مع الدراسة لرأينا عدد هذه الحركات في كل نص، وتعيننا هذه الحركات على فهم الاحداث فيه لأن النص ليس هو قصة قصيرة، يتحمل أكثر من فعل للاحداث، وليس هو رواية أيضا، إذ تقع اعداد الحركات السردية للنصوص المنتخبة بين حركتين سرديتين ، أي بإحتوائها على فعلين سرديين، وبين اربع حركات سردية، أي بإستعمال أربعة افعال، وهو الحد الاقصى التي تصل له الق . ق. ج..

وعلى سبيل المثال نص “لهفة” فهو يتألف فعلين سردين هما “التسلل”، و”الهطول”. بينما نص ” وهن” يتألف من أربعة أفعال سردية هم: “الانتعال”، و”الركوب”، و”التيه”، و”البحث”، وكل هذه الافعال السرديةذات صبغة ايحائية، وقد صبت بلغة اقتصادبة كثيفة.

تالعنوانالنصعدد الكلماتعدد الحركات السردية
1لهفةتسللت غيمة شوق، إلى نافذة قلب، هطلت أمطار اللقاء.92
2بكاءأبصر أشرعته ممزقة، ذرفت أحداقه حزنًا.62
3جنونتلاشت طلاسم ذاكرته..مضغها الموت!!52
4وهنانتعل خوفه.. ركب ظله.. تاه مخترقاً جيوش قلقه، يبحث عن بقايا طفولته124
5أرقجفاه النعاس، فتمنى الظفر بغيمة سبات.. ماطرة.72
6تراتيلفي غربتي سرجت بقايا تعاويذ أبي، أمتطيت صهوة قلقي، يطاردني شبح الخوف من آهات وطن.. تجلده سياط الوجع.184
7إرادةقرر الإقلاع عن التدخين.قبر سيجارته، أحكم قبضته على جلده اعتصر رئتيه، لان ضرع حياته.154
8ارتواءسألها بتهكم .. ما بال أنفاسك ما عادت تدثر عمق ليلي القارس؟ ردت بامتعاض.. سل أمطار حبك التي صارت تجفف الظمأ، بعد ما كانت تغرق الإرتواء.242

إن قصة الومضة التي قدمنا نصوص “أنا وأبي” للقاص الليبي حسين بن قرين درمشاكي، تؤكد على ان الحدث غير معني بالاشتغال من قبل القاص، وانما المهم ان يكون النص قد ادى غرضه الفني في أن يكون بارقا – من البرق – في ذهن ووجدان المتلقي، وهذا لا يتم ما لم تتضافر مقومات القصة الومضة من التركيز والتكثيف، والكلمات القليلة الموحية، والمفارقة، المؤدية الى حالة الادهاش التي هي كالصدمة لذهن ووجدان المتلقي.


الهوامش:

[1] – القصة الومضة: مفهومها, ومقوماتها. القصة العربية ومقوماتها. كتاب القصة. الأدب العرب – منتديات ستوب.

2 – المصدر السابق.

3- المصدر السابق.

4 – الدراسة المنشورة على موقع “جسد الثقافة”.

مقالات ذات علاقة

رواية قصيل- الدخول من زاوية مختلفة وخارج النمطية

المشرف العام

العجائبية وأدب البحر.. قراءة فى رواية ” خالتى غزالة ” لأحمد الفقيه

المشرف العام

دراسة لبعض جماليات القصة القصيرة.. قصة الكاغط محمد النعاس أنموذجا [1]

عبدالحكيم المالكي

اترك تعليق