المقالة

القدرة على التعلم من بعضنا

لا أعتقد أن مساحتها كانت تتعدى مترين في مترين، أو قياسات قريبة من هذا. كنت، في صراعي المرير والعنيد داخل الأسرة، قد استوليت عليها. وبذا تحولت من مكان لاستقبال الضيوف إلى “غرفة” خاصة بي.

كان بها بساط وحشيات للنوم وبعض الوسائد ورفوف ارتجالية صغيرة للكتب.

إنها المربوعة، أو، بحكم الأمر الواقع، مربوعتي.

استوليت عليها، تقريبا، منذ نهاية المرحلة الإعدادية وأصبحت المكان الذي أبسط عليه نفوذي كاملا (وإن يتعرض أحيانا لبعض محاولات التعدي) كما لو كانت قاعدة عسكرية في بلد أجنبي!.

كنت أستقبل فيها أصدقائي وكانت “تملأ وتفرِّغ” مثلما يقول التعبير الليبي.

شكلت تلك المربوعة، لعدد من مثقفي ذلك الجيل [ من ضمنهم أنا، طبعا]، ما يمكن اعتباره منتدى[ صالونا] أدبيا. فقد شهدت تكون عدد من كتاب ذلك الجيل وأسهمت في بلورة هذا التكون. من الأسماء التي كان لها نوع من المداومة في التردد عليها: الشعراء عاشور الطويبي ومحمد الفقيه صالح وعلي الرحيبي (الأخيران سجنا، وأقلع الرحيبي عن كتابة الشعر قبل خروجنا من السجن بسنوات عديدة) والقصاصان محمد الزنتاني وجمعة أبوكليب، والناقدان نور الدين النمر ورمضان سليم، والصحفي( الذي ابتدأ قصاصا وناقدا) علي الجواشي، إلى جانب أدباء آخرين كانوا أقل ترددا، وأشخاص مهتمين بالشأن الثقافي من غير منتجي الثقافة. وقبل السجن بسنة أو يزيد حدد موعد لقاء أسبوعي كان يتم مساء الخميس.

كنت أحتفظ في المربوعة بشاي كيس وسكر، وأجلب من مطبخ البيت الماء الغالي والأكواب. وفي إحدى المرات علقت أمي التي كانت جالسة وسط البيت: خيرك ما تسقي في أصحابك كان الميه السخونه؟!. فقلت لها: هذا الِّي نقدر عليه، الماكلة من اختصاصك أنت. فردت قائلة: جيب حاجة انطيبولك. والحقيقة أنه باستثناء الخبز( مع الجبنة أحيانا) أو بسكويت مقرمش، نادرا ما كانت تقدم لهم وجبات، رغم استمرار جلساتنا إلى قبيل منتصف الليل أحيانا.

استيحاء من هذه المربوعة كتب الشاعر والقصاص والروائي عاشور الطويبي [ بعد استئناف علاقتنا سيرها الأول بعد خروجي من السجن] في بداية التسعينيات نصا قصصيا قصيرا أسماه:

المربوعة

عاد به المكان إلى سنوات بعيدة، إلى عشرين سنة. المكان يبدو أنه لم يتغير. استمر في رشف الشاي، تبسم محاولا عدم لفت انتباه الجالسين. قال في نفسه: الجبنة. نعم، الجبنة غير موجودة. هذا تغيير.

لكني أيضا تغيرت، فأنا لم أعد أشرب الشاي بالسكر. تقرفص في جلسته. كان صديقه يتحدث عن الغنائية في شعر علي الرقيعي.

حدق في الباب ذي القفل المائل: هل يفهم ما يجري هنا؟.

انتبه على قهقهة صديقه و قال: لا، لم يتغير شيء.

أما صديقي محمد الزنتاني فقد كتب عن هذه المربوعة قائلا:

أصغر صالون أدبي في العالم، و أكثرها رحابة

………………………………..

أصغر صالون أدبي في العالم!. المساحة : متران في مترين!.

أرحب صالون أدبي في العالم!. المساحة: رحابة الكون!.

ذلك هو صالون الأستاذ عمر أبولقاسم الككلي الأدبي في السبعينييات بمنطقة رأس حسن بمدينة طرابلس!.

يكتظ هذا الصالون عادة، بأكثر مثقفي وكتاب ومبدعي جيل السبعينيات على وجه الخصوص، ويستقبل الأصدقاء من الأجيال السابقة واللاحقة!.

هذا الصالون تأسس بشكل تلقائي ولم يتم التخطيط له!.

يقدم عادة للمتواجدين في هذا الصالون كوب الشاي بأوراق النعناع وشريحة من الليمون الطازج، تتوج وجه الكوب!.

خلفية رشف الشاي واندلاق الأحاديث والنقاشات، تكون عادة أغاني للسيدة فيروز التي لا تتوقف أبدا، ويتخللها أحياناً غناء عذب لمحمد حمام ونداءات خافتة في ظاهرها وصاخبة في أعماقها للشيخ إمام!.

يدور الحديث في هذا الصالون سلساً حول المواضيع العامة، لكنه جاد إلى حد كبير فيما يتعلق بقضايا الأدب والإبداع!.

في هذا الصالون ولدت و تشذبت الكثير من النصوص الشعرية والقصصية والمقالات الأدبية  للعديد من المبدعين، وتشرّفت أكثر هذه النصوص بالقراءة الأولى فيه!.

أول من ذكر شيئاً عن هذا الصالون، عمر أبوالقاسم الككلي في لقاء صحفي أدبي أجري معه!. (لا تسعفني الذاكرة للتحديد )!.

أول من كتب نصاً أدبيا عنه، الشاعر عاشور الطويبي!.

صاحب هذا الصالون، يمكن أن يسايرك و يتنازل عن الكثير، مما قد تظنّه مهما، إلا في قضايا الأدب و الفكر والثقافة، فهنا يختلف الأمر تماما. فهو في هذا المجال حاد في توضيح وجهة نظره و أفكاره، ولا يخضعها للمجاملة الاجتماعية، حتى وإن تراءت مقبولة أو معقولة، فهو يرى أن ذلك لا يخدم قضايا الأدب والفكر والثقافة، ولا يفيد في تجاوز ما هو  سائد والتطلع إلى ما هو  جديد ومتحوّل، وما ساعده على ذلك وضوح الرؤية الإبداعية والفكرية، لديه. فقناعاته جاءت من محصّلة قراءات ناضجة وعميقة، وتجارب ومحاولات على صعيد الاشتباك مع الواقع الاجتماعي، المثقل بهمومه، والحالة السياسية المثقلة بأزماتها المتورّمة، ويحدث كل ذلك بأساليب متحضرة، تطمح إلى التأثير في البنية الثقافية للمجتمع، وذلك بالعمل، ما أمكن، على تحديث الثقافة، فكرا و إبداعا، من خلال الرؤية الواضحة، لجيل بدأ يتحسّس الطريق، بثقة وقدرة وإيمان بالمستقبل الأفضل، حتى و إن لاح بعيدا، أو توارى مؤقتا في تضاعبف السنين الهاربة.

*

أحب أن أؤكد هنا أن أهمية دوري في هذا المنتدى تمثلت في توفير المكان، أما فيما عدا ذلك فلم أكن متميزا بأي تأثير خاص. لقد كنا أندادا وكنا قادرين على التعلم من بعضنا.

_________________

نشر بموقع 218.

مقالات ذات علاقة

ابتسمْ .. أنتَ في طرابلس!

جمعة بوكليب

الصورة حكاية

سالم الكبتي

المدينة.. مكاناً وإنساناً

نورالدين خليفة النمر

اترك تعليق