المقالة

القبائل المتربصة

روابط الدم التي ظلت تحكم وتنظم علاقاتنا الاجتماعية والسياسية طوال تاريخنا والتي ظلت تناور عبر ثقافة متجذرة في وجداننا على كل محاولات التجديد ,فتنحني لعواصف التجديد لتمر دون ان تمس كيانها العميق ولاتصيب منها الابعض القشور والمظاهر ,تقف الان كما وقفت دائما ضد تكوين كيان بديل لها هو الدولة ,وتصر على بقاء دولتها الخاصة ,بثقافتها واقتصادها وسياستها وحدودها المرسمة بطابوهات العصر التركي العتيد ..
القبيلة التي عدنا نفاخر بالانتماء لها دونما خجل ولا مواربة ونرسم خطط مشاريعنا الحاضرة والمستقبلية داخل افاقها ,تظهر الان مسلحة بنخبها من حملة الشهادات العليا وبمليشياتها المدربة والمستعدة للموت دفاعا عنها بل وبمطريبيها وقنواتها الفضائية وجرائدها ,وكل ذلك لتبرر سيطرتها على ماتبقى من الدولة الهشة التي تنهار ,ولتأخذ حصتها من الثروات وتكون لها السيادة في صنع القرار ..
الليبيون وهم يتفتتون دول قبائل ,يتحدثون عن الدولة والثورة عبر اعلامهم وفي مقاهي مدنهم ليجلسوا بعد ذلك في مندياتهم القبلية ويخططوا للانقضاض على اكبر قدر ممكن من اشلاء البلاد والدولة بحجة اخذ حقوقهم ,وهي ليست في عمقها الا حقوق القبيلة وسيادتها .
المدن تعلن نفسها كقبائل وربما لو استتثنيننا طرابلس وبنغازي ودرنة لو جدنا كل ما ما كنا نسميه مدنا تعلن نفسها كقبائل بحدودها وجنسيتها وثقافتها وسياستها وتعصبها بل وتخوض صراعها الشرس على ماتبقى من طرابلس وبنغازي للدولة للاستيلاء عليه ..
ان الصراع على الوزارات والادارات ,بل وعلى وسائل الاعلام يبدو صراعا قبليا من اجل اخذ الحصة الاكبر من يقايا الدولة واملاكها ..
لقد عرف الليبيون نظام التحالفات القبلية على مر التاريخ , وتشكلت صفوفا او احلاف قبلية منذ صراعات العهد التركي , والان يعاد تشكيل هذه الصفوف ليناسب الظروف الجديدة والمواقف القبلية منها , وتنجر الى ذلك النخب السياسية فتتحول الى نخب قبلية ,بحجة انقسام القبائل والمدن الليبية الى قبائل موالاة للنظام السابق وقبائل ثوار , ان خارطة انتخاب المؤتمر الوطني حتى في العاصمة خاضتها النخبة السياسية التي قادت تلك المعركة على اساس قبلي فرشحت مرشحيها في احياء قبائلهم وتحالفاتها .
احد السياسين الليبيين قال مرة ان الدستور تكتبه المدن المنتصرة ,وساهم قانون العزل السياسي في تأكيد هذه الاستراتيجية مما جعل اعدادا كبيرة من ابناء بعض القبائل ينضمون مجبرين الى المدن “القبائل” المهزومة ..
المارقون والخارجون عن القانون ينسبون الى قبائلهم وان ارتكبوا جرائمهم في العاصمة او في بنغازي وتلجا الدولة الهشة الى التفاوض مع قبائلهم بشانهم كما لو كانوا مواطني دولة اخرى ..
اننا وبمختلف اطيافنا نعترف ضمنيا بالدول القبائل التي تتقاسم الدولة وتفتتها ونتعامل معها كدول عميقة لامفر لنا منها الا بها ..
كل ذلك يقوي من هذه التشكيلات والكيانات القبلية ويضعف مشروع قيام الدولة ويجعلنا جميعا نهرب الى قبائلنا شئنا ام ابينا ..
مدننا تتحول الى قبائل , مثقفونا وسياسيونا وصناع قراراتنا يطلون علينا كابناء قبائل مخلصين رغم ربطات العنق والاناقة الفائقة ..
لقد ظلت القبائل تتربص بعدوها الاول “الدولة ” عبر التاريخ الليبي وتجد الان فرصتها لاعلان دولها , ان لم ينتبه الليبيون لخطورة ذلك ويقاوموا هذا التيار الجارف الذي يجتاح كل شيء تحت شعارات الثورة والوطنية والمصالح والحقوق.
العالم سيتعامل معنا ككيان مفتت , وسيؤسس علاقاته بنا على هذا الاساس وسيرسم خططه لنا كقبائل يمكن الاستفادة من صراعاتها ومصالحها المتضاربة وان حافظ الى حين على قشرة هشة لها شكل الدولة ومؤسساتها .

مقالات ذات علاقة

آفاقُ الرَّخَاء

يوسف القويري

يبدأ التطرف حينما يختفي دفتر الرسم

سعاد سالم

رقصنا مع «روجيه ميلا».. وحملنا مع «بيبيتو» ابنه

أحلام المهدي

اترك تعليق